|
فرنسا..
العداء لإسرائيل = العداء للسامية
|
|
باريس
- هادي يحمد *
|
19/03/2004
|
 |
|
العداء للسامية مزق ملصقات مسرحية طلاق باتريك
|
هل
انتقاد إسرائيل والتهجم على المشروع
الصهيوني كفكرة وممارسة أصبح يوازي
الانتقاد والتهجم على اليهود؛
وبالتالي فهو عمل يساوي معاداة
السامية؟!
مثل
هذا السؤال أصبح يؤرق الكثير من النخب
الفرنسية -وتحديدا المعسكر المساند
للقضية الفلسطينية في العاصمة
الفرنسية باريس- إذ أصبح من السهل أن
يقع تحويل وجهة أي انتقاد إلى السياسات
الإسرائيلية وإبرازه كعمل معاد
للسامية! ما الذي يحدث حقيقة؟ هل اكتسح
المعسكر اليميني الصهيوني أراضي جديدة
في الميدان الفرنسي؟ وبعبارة أدق: هل
استولت إسرائيل على مصطلح معاداة
السامية نهائيا، أم أن الأمر يتعلق
بعدم فهمنا نحن لحقيقة هذا المصطلح؟
المطاردة
لاحقت جميع المشارب والألوان
طالت
قائمة المتهمين بالعداء للسامية في
الأشهر الأخيرة بفرنسا شخصيات سياسية
وثقافية وفكرية كثيرة؛ فقد اتهم
المفكر السويسري "طارق رمضان"
بالعداء للسامية، بعد كتابته لمقال(1)
ينتقد فيه دعم مثقفين يهود فرنسيين
للسياسة الإسرائيلية.
كما
تلاحق تهمة معاداة السامية أشخاصا لا
علاقة لهم بالوسط الإسلامي، كالممثل
الهزلي الفرنسي "ديدوني مبالا"
الذي ولد من أب كاميروني وأم فرنسية،
والذي تلفظ بعبارات من قبيل "الحلف
الأمريكي الصهيوني"، ومن قبيل كلمة
"هاي إسرائيل" المحيلة للتحية
النازية "هاي هتلر" في حصة تلفزية
مباشرة. وقد ألغيت العديد من عروض
ديدوني في العديد من المدن الفرنسية،
بسبب هذه التهمة.
وتطارد
تهمة معاداة السامية أيضا رئيس حزب
مسلمي فرنسا "محمد الناصر الأطرش"،
الذي تهجم من خلال مظاهرة مناصرة
للحجاب في باريس يوم 17-1-2004 على إسرائيل
والصهيونية، قائلا: إن "اليهود
يمتلكون كل شيء بينما لا يملك المسلمون
شيئا في فرنسا".
وقد
مست تهمة العداء للسامية منظمات
علمانية فرنسية، كـ"الحركة ضد
العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوب"
التي اتهمت في تقرير(2)
أعدته منظمة غير معروفة سميت "حركة
المغاربيين اللائكيين بفرنسا"،
فيما تعهدت المنظمات اليهودية
اليمينية بنشره على نطاق واسع. وقد
تركزت التهم في هذا التقرير على علاقات
المنظمة بالجمعيات المساندة للقضية
الفلسطينية، وبالاتصالات(3)
التي قام بها رئيسها "ميلود عوينيت"
بالمفكر السويسري "طارق رمضان"؛
كما ربط التقرير عداء المنظمة للسامية
بمشاركتها في تظاهرات حقوقية حول
القضية الفلسطينية إبان اندلاع
الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أو ما
يعرف بانتفاضة الأقصى.
وتلاحق
تهمة معاداة السامية أيضا قنوات
تلفزية معادية لإسرائيل، كقناة "المنار"
لحزب الله اللبناني، التي مُنع بثها
على التراب الفرنسي بمقتضى تعديل "قانون
البث السمعي البصري الفرنسي"، حيث
صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية على
مشروع تعديل للقانون يوم 12-2-2004، تُمنع
بمقتضاه "أي قناة تحض على الكراهية
ومعاداة السامية على الأراضي الفرنسية"؛
وقد اتهمت القناة بمعاداة السامية
لحربها الإعلامية على إسرائيل، ولبثها
مسلسل "الشتات" الذي احتجت على
بثه المنظمات اليهودية في العالم.
وتلاحق
تهمة معاداة السامية أيضا منظمات غير
فرنسية عاملة بفرنسا، مثل الاتهامات
الموجهة في هذا الصدد إلى الاتحاد
العام لطلبة تونس -فرع فرنسا- من قبل
اتحاد الطلبة اليهود بفرنسا بمعاداة
السامية(4)، حيث لم
تشفع توجهات المنظمة الطلابية
التونسية اليسارية والتقدمية من
اتهمامها بمعاداة السامية من قبل "يوناثان
عرفي" رئيس اتحاد الطلبة اليهود
بفرنسا؛ وذلك على خلفية تنظيم المنظمة
التونسية لتظاهرة بمناسبة يوم الأرض
في جامعة "سانت ديني" شمال باريس.
الناظر
في قائمة الأشخاص والمنظمات والهيئات
والمؤسسات المتهمة بالعداء للسامية -والقائمة
ليست بالتأكيد مكتملة- بالنظر إلى
اقتصارنا على الاتهامات التي تمس
شخصيات اعتبارية ومنظمات ذات ثقل، سيلاحظ
أن التهمة لا تقتصر على تيار سياسي أو
أيديولوجي معين؛ فهي تمس "مسلمين"
و"إسلاميين" و"علمانيين" و"يساريين"
و"كاثوليكيين"... غير أن الجامع
في كل التهم آنفة الذكر هو وبشكل أساسي
"انتقاد" و"التهجم" على
إسرائيل، أو الانخراط في مساندة
القضية الفلسطينية بشكل ما؛ ومن هنا
بالذات، وكما سنرى لاحقا أن التهمة
ستلتصق بالعرب والمسلمين والمغاربة
بصفة خاصة، باعتبار كثافتهم،
والتحامهم الثقافي التاريخي مع
الفلسطينيين.
غير
أن الحرص على انتقاد إسرائيل وحدها،
كدولة احتلال، لم يمنع من إلصاق تهمة
العداء للسامية بكل هؤلاء، لدرجة
إعلانهم صراحة أنهم يفرقون بين اليهود
الفرنسيين وإسرائيل، وأنهم لاساميون
بالقوة، بالنظر لعدائهم لإسرائيل؛
وهنا بالذات يبرز الخلط المتعمد بين
العداء للسامية والعداء للصهيونية،
كما بينه كتاب "العداء للسامية:
الابتزاز الذي لا يطاق"(5)
الذي كتبه مجموعة من المثقفين اليهود
الفرنسيين.
ولكن
هل الربط بين العداء للسامية والعداء
لإسرائيل هو "ابتزاز" سياسي
تستعمله إسرائيل والمناصرون لها من
داخل الدياسبورا(6)
وبالتالي فلا علاقة حقيقية بين العداء
لإسرائيل والعداء للسامية؟ أم أن
الأمر يتعلق بوجود روابط حقيقية بين
إسرائيل والمشروع الصهيوني وبين
العداء للسامية، بحيث تصبح فيه
إسرائيل "الوصية" على كل يهود
الشتات، وبالتالي فالعداء الموجه ضدهم
هو عداء لها؟
إسرائيل
والسامية في جعبة واحدة
لا
شك أن الزيارة التي قام بها الرئيس
الإسرائيلي موشي كاتساف إلى فرنسا بين
16- 19-2-2004 أعطت انطباعا قويا أن إسرائيل
"وصية" على يهود فرنسا،
وأنها "حامية" لهم وأنها تبذل كل
ما في وسعها لإقناع الحكومة الفرنسية(7)
بمكافحة ظاهرة العداء للسامية. هذا
المعنى وهذه الوصاية تفهمها وتتبناها
الحكومة الفرنسية؛ وهو ما أكده
المسئولون الفرنسيون للرئيس كاتساف،
بأن فرنسا جادة في مكافحة العداء
للسامية بفرنسا، وبالتالي فهم يمنحون
ضمنيا وصراحة لإسرائيل هذه الوصاية.
والحقيقة،
فإن هذا الاعتراف بوصاية إسرائيل على
يهود فرنسا، وبالتالي وصايتها على
مصطلح العداء للسامية، جاء على لسان
المسئولين اليهود الفرنسيين ذاتهم،
وبتأكيد غير مسبوق. ففي كلمته أمام
الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف، قال
رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات
اليهودية بفرنسا "روجيه كيركرمان"
- في الاستقبال الذي حضره أربعة آلاف
شخصية يهودية فرنسية يوم 17-2-2004 في قصر
المؤتمرات بباريس-: "إنه من الضروري
أن يوجد ملجأ لليهود ضد هذه الآفة التي
تهددنا، متمثلة في العداء للسامية؛
فإسرائيل هي المكان المثالي لهذه
الحماية الأبدية لليهود، ولذاكرتهم،
ولقيمهم(8)
"؛
فهذا الارتباط بين إسرائيل ويهود
الشتات، وبالتالي وصاية إسرائيل على
الدياسبورا، وبالتالي حمايتها
والتحدث باسمها لا يأتي من طرف
المسئولين الإسرائيليين في تل أبيب
فحسب، بل من قبل يهود الشتات أيضا، ومن
الحكومات التي تستضيف الجاليات
اليهودية؛ وهو ما يضع مريدي مقولة "فك
الارتباط" بين إسرائيل ويهود
العالم، وبالتالي فك الارتباط بين
العداء لإسرائيل وللمشروع الصهيوني
والعداء للسامية في موقف حرج.
إذا
ذهبنا بهذا التحليل إلى أقصاه،
لخلصنا لنتيجة مفادها أن انتقاد
إسرائيل ومعاداتها تعني في جوهرها
معاداة للسامية؛ وهي النتيجة التي
يسعى إلى ترسيخها اليمين الصهيوني
المتطرف في فرنسا، برفض أي انتقاد
لإسرائيل على اعتبار أنه معاداة
للسامية، حيث يقول أحد أبرز المدافعين
عن إسرائيل في فرنسا "آلان فنكلورت":
"إن معاداة إسرائيل شكل من العنصرية
واللاسامية"؛(9)،
وإن ما يقوم به الفلسطينيون ضد إسرائيل
جريمة إنسانية؛ فما بالك بالعداء
والانتقاد الذي يصدر من جهات فرنسية
على سبيل المثال؟!
المماهاة
بين المشروع الصهيوني وإسرائيل وبين
العداء للسامية هو
مساحات الأرض الجديدة التي يحاول -وقد
نجح- اليمين الصهيوني في اكتساح الكثير
منها، حيث يذهب الفيلسوف الفرنسي
اليهودي "بير أندري تاقيف" إلى
إخراج كل الذين لا يساندون إسرائيل من
حظيرة الانتماء للشعب اليهودي، واصفا
إياهم "بالكائنات من أصل يهودي(10)"،
أي إنهم لم يعودوا يهودا.
خلاصة
الطرح آنف الذكر، أن العداء لإسرائيل
يعني العداء للسامية؛ وهو الأمر الذي
يحاول نفيه معسكر كبير داخل النخبة
الفرنسية؛ وبكتابه الذي عنونه بـ"هل
من الممكن نقد إسرائيل؟" ، يطرح
"روبار بونفياس" فكرة الربط بين
العداء للسامية وبين العداء لإسرائيل
للمساءلة وللدحض.
وبالرغم
من العريضة التي وقعها حوالي ألف يهودي
فرنسي في صيف 2003 والتي يبدي فيها
موقعوها تمايزهم عن السياسة
الإسرائيلية وعدم توافقهم مع حكومة
إريل شارون التي تدعم مبدأ فك الارتباط
بين إسرائيل ويهود الشتات، وعدم
موافقتهم على تسوية العداء للصهيونية
بالعداء للسامية، وهو الأمر الذي
يدافع عنه "الاتحاد اليهودي الدولي
للسلام" الذي يبدي تقاربا واضحا مع
الأحزاب اليسارية الفرنسية المساندة
للفلسطينيين -فإن هذا الخط داخل
الجالية اليهودية الفرنسية يبقى
هامشيا؛ ففي اليوم الذي جمع فيه
الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف حوالي
أربعة آلاف يهودي فرنسي، حاملين
للرايات الإسرائيلية ومنشدين "الهاتاكفا
" في قصر المؤتمرات في باريس يوم
17-2-2003، لم يجمع الاتحاد اليهودي الدولي
للسلام إلا بضعة أنفار لا يتجاوز عددهم
أصابع اليد، في التجمع الذي أقامه
بساحة "لا باستيل" في قلب باريس،
احتجاجا على بناء جدار الفصل.
العداء
للسامية كان موجودا قبل "إسرائيل"
 |
|
رئيس الوزراء الفرنسي جان بيير رافاران |
ولكن
بصرف النظر عن الوقائع، هناك ما يشير
إلى أن العداء للسامية تاريخيا لا
علاقة له بالعداء للصهيونية، من
حيث إن العداء للسامية كان تاريخيا
موجودا قبل ولادة الفكرة الصهيونية،
وقبل إنشاء دولة إسرائيل؛ وهنا يمكننا
الحصول على فك ارتباط تاريخي.
في
كتابهما المعنون "هل لليهود مستقبل؟
"، يقول الباحثان
اليهوديان الفرنسيان "إستر بنباسا"
و"جون كريستوف إتياس" بأن مصطلح
العداء للسامية ظهر لأول مرة بألمانيا
سنة 1879، أي قبل إعلان قيام دولة
إسرائيل بحوالي سبعين عاما، غير أن
الكاتبين يقران أن العداء للسامية
كفعل كان سابقا أيضا لانعقاد المؤتمر
الصهيوني بمدينة بال السويسرية؛ وهما
يذهبان إلى أن ممارسة العداء للسامية
كانت ملاصقة لوجود الشعب اليهودي طوال
تاريخه؛ غير أن ما حدث تاريخيا هو أن
الصهيونية بنت شرعيتها على استثمار
هذا العداء عن طريق المطالبة بالوطن
القومي الذي من شأنه أن يوقف العداء
للسامية، وخاصة المحرقة النازية هي
التي أعطت الشرعية لضرورة إقامة هذا
الوطن باعتبار أن الصهيونية أصبحت
بالنسبة ليهود الشتات عبارة عن "حركة
تحرر قومي"؛ وهو الأمر الذي أشار
إليه رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات
اليهودية "روجيه كيركرمان" أمام
موشي كتساف، قائلا في الاجتماع الآنف
الذكر "يجب القول والتأكيد بأن
الصهيونية كفكرة نضجت هنا في باريس من
قبل هرتزل، هي حركة التحرر القومي
للشعب اليهودي". ويضيف كيركرمان: "كان
من المفترض أن يكون عددنا اليوم
خمسمائة مليون؛ ولكننا اليوم ثلاثة
عشر مليونا.. وبفضل ستة ملايين شهيد
بنيت إسرائيل".
من
هذا المنطلق بالذات، يقول "بنباسا"
و"اتياس" بأن تقديم إسرائيل كونها
الملجأ من "المحرقة" -التي أتت على
اليهود- هو الذي منحها صفة الملجأ الذي
تجب حمايته؛ غير أن بروز الفلسطينيين
كشعب مقاوم في أواسط القرن العشرين،
وخاصة من خلال الانتفاضتين الأولى
والثانية ضد الاحتلال، هو الذي سحب
من إسرائيل صفة الضحية
ليعطيها صفة الجلاد؛ وبالتالي فإن
القول إن نقدها معناه عداء للسامية
أصبح لا معنى له.
لا
شك أن هذا الخلط بين العداء للسامية
والعداء للصهيونية لم يكن بالفكرة
المستحدثة، غير أن هذا الخلط اتخذ
تطورا نوعيا واستثمارا لا مثيل له بعد
اندلاع الانتفاضة الفلسطينية
الثانية، وخاصة أمام حساسية الرأي
العام الفرنسي والغربي عموما من
استهداف الحافلات الإسرائيلية.
في
هذا الإطار، يتذكر الجميع هنا في فرنسا
كيف استطاع -الكريف- المجلس التمثيلي
للمؤسسات اليهودية بفرنسا استثمار
إحدى العمليات ضد المدنيين
الإسرائيليين، ليخرج في شوارع باريس
يوم 7-4-2002 مظاهرة جمعت حوالي 150 ألف
متظاهر؛ وكان شعار المسيرة يومها "ضد
الإرهاب.. ضد أعداء السامية".
على
الساحة الفرنسية بالذات، وقع استعمال
مقولة العداء للسامية ومساواتها
بالعداء لإسرائيل، عندما لاحظ اليمين
اليهودي الفرنسي المتطرف أن الكفة
بدأت تميل للفلسطينيين داخل الوسط
السياسي والمجتمع الفرنسي، حيث يقول
الكاتب اليهودي الفرنسي "أريك هزان"،
"بأن الخلط كان متعمدا من قبل بعض
قادة الطائفة اليهودية الفرنسية بين
أعداء للسامية والعداء للصهيونية.. وقد
برز ذلك -يقول الكاتب- بتحالف ضمني بين
اليمين المتطرف واليمين الصهيوني
اللذين اجتمعا على الكراهية للعرب"؛
ويضيف "هزان": "الخشية كانت
واضحة بالنسبة لهؤلاء، وهم يرون الرأي
العام الفرنسي وهو يميل إلى صف
الفلسطينيين".
ويتهم "هزان" إسرائيل بممارسة
سياسة التطهير العرقي تجاه
الفلسطينيين، والإعلان عن مشاريع
الترحيل الجماعي بلا خجل -"الترنسفير"-
حيث يستشهد بقولة لـ"شالميت ألوني"
(أحد مؤسسي حزب ميريتزاذ)، حيث كتب هذا
الأخير مقالا في جريدة هارتز (6 مارس 2003)
يقول فيه حرفيا: "نحن لا نمتلك غرف
غاز ولا أفرانا لتذويب لحم البشر، غير
أن هناك طريقة واحدة للتطهير العرقي"
في إشارة إلى انعدام الحلول أمام
القادة الإسرائيليين في مواجهة
الفلسطينيين؛ ولم يبق إلا التطهير
العرقي.
"الخلط"
أداة لمحاصرة الصوت المسلم
من
الواضح أيضا أن هذا الخلط بين معاداة
السامية ومعاداة إسرائيل المقصود منه
هو محاصرة الصوت العربي والمسلم
بفرنسا، المساند بطبيعة تركيبته
الثقافية والدينية للقضية
الفلسطينية؛ وإلا فبماذا نفهم هذا
التناقض الذي يبديه رئيس المجلس
التمثيلي للمؤسسات اليهودية "روجيه
كيركرمان" في أقل من أربع وعشرين
ساعة. فبعد الخطاب الذي ألقاه أمام
الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف ليلة
17-2-2004، والذي يصف فيه "إسرائيل بقرة
أعيننا"، نجده ينحي باللائمة في
مقال نشره بجريدة "لوفيقارو"
بتاريخ 18-2-2004 "بأنه (أي الشباب
المهاجر من أصل عربي وإسلامي) يعمل منذ
ثلاث سنوات على توريد صراع يبعد عنا
أربعة آلاف كيلومتر، عن طريق الخلط بين
العداء للصهيونية والعداء للسامية".
لن نستغرب كثيرا من مثل هذا التناقض
السياسي الواضح لكيركرمان، الذي يعتبر
أكبر المساندين لإسرائيل داخل قادة
الجالية اليهودية الحالية، إذا علمنا
أنه هو صاحب النصيحة الذهبية لإريل
شارون سنة 2001 عندما قال له: "من
الضروري أن تعين وزيرا للدعاية
السياسية كـ"جوبلز" أي وزيرا "للبروبجندا"
كالوظيفة التي كان يقوم بها "جوبلز"
بالنسبة لأدولف هتلر.
تحييد
حوالي 6 ملايين مسلم بفرنسا عن الصراع
العربي الإسرائيلي مبتغى لا غنى عنه،
لدعم إسرائيل سياسيا في فرنسا؛
وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا عن
طريق وسيلتين: الأولى هو "تسميم كل
نقاش" حول الصراع العربي الإسرائيلي
"بتهمة معاداة السامية"، على حد
تعبير الكاتبة اليهودية الفرنسية "جيديث
بيتلر"؛ وأما الثانية فهي الدعم
الكامل والمتواصل لإسرائيل على شاكلة
رحلة المساندة التي ينظمها كل من "المجمع
المركزي" والحبر الأكبر ليهود فرنسا
"جوزيف ستريك"، والتي عنوانه "كلنا
إلى إسرائيل "، وهي رحلة دعم جماعية
شعارها "الوحدة والسياحة والتضامن"
مع إسرائيل؛ وتنظم ما بين 22-29-2-2004؛ كما
تبدو مظاهر التضامن المطلق مع إسرائيل
من خلال الحفل الذي أقيم يوم 8 مارس 2004،
دعما لجيش الدفاع الإسرائيلي "التشحال"،
والذي أثار احتجاج الاتحاد اليهودي
الدولي للسلام.
لا
شك أن تهمة "معاداة السامية" هي
تهمة قاتلة سياسيا وثقافيا، بالنظر ما
تحمله هذه التهمة في الضمير الجمعي
الأوربي والإنساني من ذكريات مؤلمة،
توازي آلام الملايين من ضحايا النازية
من اليهود وغيرهم من الذين لا ذنب لهم،
إلا أنهم انتموا إلى دين أو عرق معين؛
غير أنه ليس من المقبول أن تتحول دماء
الملايين وجثثهم إلى وسيلة ابتزاز، أو
لتصفية حسابات سياسية مع الخصوم
الأيديولوجيين؛ وهو الأمر الذي تعهد
اليمين الصهيوني بالقيام به -وعلى أحسن
وجه- بإلصاق تهمة المعاداة للسامية لكل
الناقدين للسياسات الإسرائيلية، عن
طريق هذا الخلط المتعمد بين العداء
للصهيونية والعداء للسامية، ودفع
الخصم لأن يستسلم لمصيره المحتوم، وهو
ترك نقد إسرائيل جانبا، والانخراط في
إثبات مستميت أنه غير معادٍ للسامية،
وأنه يحب اليهود، ولكنه يكره إسرائيل.
اقرأ
أيضًا:
*
كاتب
عربي مقيم بفرنسا
(1)
Tareq Ramadan , “Nouveaux Intellectueles Communaiteres”,
Oumma.com.
(2)
Rapport “Les Liaisons Dangereuses du Mrap’’ , Mouvement de
Maghrebin Laique de France , Fevrier 2004.
(3)
جلوس ميلود عوينيت بجانب طارق رمضان
يوم 15-11-2003 في ندوة حول"الإسلاموفوبيا"
نظمها المنتدى الاجتماعي الأوربي.
(4)
Information Juive , N 234 , Janvier 2004, “L’ Antisemitisme Dans
Les Universities , Un Entretin Avec Yonthan Arfi ,” page 15.
(5)
ANTISEMITISME: L’Iintolerable Chantage , Israel- Palestine ,U ne
Affaire Francaise ?
La Decouverte , Paris 2003.
(6)
الدياسبورا: كلمة عبرية تعني يهود
الشتات أو الجاليات اليهودية التي
تقيم خارج إسرائيل.
(7)
الندوة الصحفية التي عقدها كل من
الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس
الإسرائيلي موشي كاتساف في قصر
الإليزية بباريس يوم 16-2-2004 والتي تعهد
فيها الرئيس الفرنسي بمكافحة العداء
للسامية.
(8)
Discours , Roger Cukierman President CRIF ,M ardi 17 Fevrier 2004 ,
Palais Des Congres De Paris.
(9)
AU NOM DE L AUTRE , Reflexions Sur L’Antisemetisme Qui Vient ,
Alain Finkielkraut , page 27 , Gallimard , Paris 2003.
(10)
La Nouvelle Judeophobie , Pierre- Andre Taguieff.
|