|
محافظو
إيران.. مهام ما بعد الانتصار
|
|
أمل
حمادة**
|
07/03/2004
|
 |
|
الرئيس الإيراني محمد خاتمي يدلي بصوته في الانتخابات التي حسمت نتيجتها قبل بدايتها
|
لم
تحمل الانتخابات البرلمانية الأخيرة
في إيران أية مفاجآت، على الرغم من أن
الخبرات التاريخية المرتبطة
بالانتخابات الإيرانية حملت العديد من
النتائج غير المتوقعة. أقرب هذه
التجارب إلى الأذهان، الانتخابات
الرئاسية في عام 1997 بالإضافة إلى
الانتخابات المحلية في نهايات 2003. ففي
انتخابات 1997، كان مجمل التطورات
السياسية يشير إلى فوز مرشح الحكومة
آنذاك (ناطق نوري) بمنصب الرئاسة، ولكن
النتائج جاءت بفوز السيد خاتمي
بأغلبية وصفت وقتها بأنها ساحقة
ومفاجئة، فأثرت في مستقبل إيران
السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى
يومنا هذا، وإلى سنوات طويلة قادمة.
والمفاجئة الثانية كانت في الانتخابات
المحلية الأخيرة، والتي جرت في نهايات
العام الماضي (2003)؛ ومفاجأة هذه
الانتخابات كانت ذات شقين: الأول تعلق
بانخفاض مستوى الإقبال الجماهيري على
التصويت، بما لم يتجاوز العشرين في
المائة في بعض المناطق. الشق الثاني
تعلق بنتيجة الانتخابات، التي حسمت
بشكل مبكر لصالح المحافظين، وقلبت
التوازنات السياسية الداخلية.
"المعركة"
بدأت قبيل الانتخابات
الانتخابات
البرلمانية الأخيرة حُسمت نتيجتها منذ
أسابيع طويلة مضت، حتى قبل قرار مجلس
الأوصياء على الدستور، بمنع العديد من
المرشحين (زاد عددهم عن ألفي مرشح)،
معظمهم ينتمي إلى التيار الإصلاحي. ففي
الشهور الأخيرة من عام 2003 - ونتيجة
لاعتبارات تتعلق بحدة التجاذب السياسي
بين مؤسسات النظام السياسي الإيراني-
بدأ الحديث عن توجه جماعات سياسية وقوى
سياسية معينة لمقاطعة الانتخابات. من
الصحيح القول إن هذا الحديث بدأ خافتا،
ولم يحظ بإجماع داخل التيار الإصلاحي
الذي انقسم بين مؤيد ومعارض للفكرة، إلا
أنه لا يمكن إغفال أن توارد هذه
المقولات إنما يعكس توجس التيار
الإصلاحي بقواه السياسية المختلفة
المشارب، من أن يقوم المحافظون
بمناورة ما تفسد الانتخابات أو تقلل
فرصهم فيها. كذلك عكس هذا الحديث
إحباط بعض رموز التيار الإصلاحي من
نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة،
والتي لم تلق إقبالا جماهيريا على
صناديق الاقتراع، وأسفرت نتائجها عن
عودة التيار المحافظ إلى المجالس
البلدية بعد أن كان الإصلاحيون قد
نجحوا في اعتبارها محسوبة على قوتهم،
عقب الانتخابات التي جرت في عامي 1996 و2000.
قرار
مجلس صيانة الدستور منع أعداد من
المرشحين الإصلاحيين، ومنهم أعضاء في
البرلمان الحالي، حسم الجدال
والتوقعات حول ماذا يمكن أن يفعل
المحافظون؛ وبقي أن يرصد كيف سيتصرف
الإصلاحيون. إدارة الأزمة من جانب
التيار الإصلاحي اتسمت بكثير من
التصعيد، على صعيد الخطاب الإعلامي
الداخلي والخارجي، وحتى على صعيد
العلاقة مع الرئيس خاتمي (المحسوب على
قوتهم في الأصل). فقد اعترض المرشحون
على قرار المجلس، وخاطبوا الرأي العام
الداخلي والمرشد والرئيس، وهددوا
بالقيام باستقالات جماعية من البرلمان
والوزارة، وحتى محافظو الأقاليم
المختلفة، مما هدد البلاد بحالة من
الفراغ الدستوري الخطير. بل وصل الأمر
إلى قيام مجموعة من النواب الإصلاحيين،
أعضاء البرلمان الحالي، بالقيام
باعتصام داخل مبنى البرلمان حتى
يتراجع المجلس عن قراره؛ وهو الاعتصام
الذي اضطروا إلى إنهائه، حينما تأكد
عقد الانتخابات في موعدها دونما تأجيل.
وتذكر
بعض الأنباء أن الحكومة قدمت إلى مجلس
الأوصياء قائمة، تضم مائتين وتسعين
اسما، تطلب الموافقة عليهم جملة واحدة
كضمان لإجراء الانتخابات. وهو الأمر
الذي رفضه مجلس الأوصياء، وإن قبل في
لحظة معينة توجيها من المرشد العام،
بضرورة مراجعة ملفات المرشحين، خاصة
أعضاء البرلمان منهم، على أساس أنهم
حازوا الأهلية بعضويتهم الحالية في
البرلمان السادس.
خاتمي
بين "الضغط" و"المصلحة"
من
ناحية الرئيس خاتمي، فقد أدى التصعيد
إلى إجباره في لحظة معينه عن التراجع
عن التأييد غير المشروط للتيار
الإصلاحي. ففي بداية الأزمة، أعلن
الرئيس - في أكثر من مناسبة - عن تأييده
لموقف التيار الإصلاحي؛ وطالب المرشد
بالتدخل لحل الأزمة، وتوجيه مجلس
الأوصياء إلى ضرورة مراجعة أسماء
المرشحين الذين تم المنع في حقهم،
تمهيدا للتراجع عن هذا المنع. بل
تواترت أنباء عن اعتزام الرئيس
الاستقالة، ومعه مجموعه من الوزراء،
إذا لم تحل الأزمة بالشكل الذي يرضي
تياره. ولكن ما حدث بعد ذلك، والذي فسره
البعض بتغير توجهات الرئيس عن التيار
الإصلاحي لصالح التيار المحافظ، كان
له شأن آخر. فقد أعلن الرئيس تأييده
لعقد الانتخابات في موعدها، بل إنه
عارض مطلب مقاطعة الانتخابات الذي
تبنته، كحل أخير للقوى السياسية
الإصلاحية؛ وحث الجماهير الإيرانية
على الذهاب بكثرة إلى صناديق الاقتراع،
حتى يمكن موازنة قوة التيار المحافظ
الذي بات مؤكدا انتصاره في الانتخابات؛
وبقي أن يتحدد نسبة القوى الأخرى من
المقاعد.
هذا
الموقف من الرئيس يمكن فهمه في ضوء
الاعتبارات التالية: الاعتبار الأول
يتعلق بكرامة منصب الرئيس الذي لا يمكن
دفع المواجهة بينه وبين التيارات
الأخرى إلى الحد الذي يتحول فيه إلى
مباراة صفرية. وهو الشكل الذي اتجهت
إليه المواجهة، بعد إصرار مجلس
الأوصياء على مجمل قراراته، وعدم قبول
المراجعة إلا فيما يخص حوالي 25% من
الأسماء المعترض على ترشيحها؛ والتي
لا تضم كل الأسماء المشهورة في التيار
الإصلاحي، والمتوقع أن تحصد نسبة من
الأصوات (كشقيق الرئيس رئيس حزب جبهة
المشاركة أكبر الأحزاب المعارضة في
إيران، وكالنائبتين ألهة كولائي
وفاطمة حقيقتجو، وهما من رموز
الإصلاحيين ومن أنشط عضوات البرلمان).
إن منصب الرئيس، باعتباره ينتمي
رسميا إلى النظام السياسي، كان لا بد
له أن يمتثل لقرارات مؤسسات النظام،
حتى وإن لم يرض عنها (هذا الأمر بطبيعة
الحال يفتح الباب أمام تساؤلات، تتعلق
بحدود صلاحيات الرئيس، وعلاقاته مع
باقي مؤسسات النظام، وإمكانية الإصلاح
من الداخل مما يتجاوز حدود هذه الورقة).
الاعتبار
الثاني يتعلق بالمدة الباقية للرئيس
خاتمي في منصب الرئاسة؛ وهي ما تزيد
عن عام ونصف، لا بد له فيها من ضمان حد
أدنى من التنسيق والتعاون بينه وبين
المجلس التشريعي، بما يضمن سير عمل
الحكومة، وعدم تعريض ما تم إحرازه من
منجزات على صعيد السياسة والاقتصاد
والاجتماع إلى ردة خطيرة. فقد يمكن
قراءة موقف الرئيس خاتمي على أنه يريد
استقطاب البرلمان الجديد إلى جانب
الإصلاح، وهو ما يبدو واردا في ظل
تصريحات للنواب الفائزين في
الانتخابات الأخيرة من أنهم إصلاحيون
حقيقيون وليسوا محافظين، حسب التعريف
المتداول لمفهوم التيار المحافظ.
الاعتبار
الثالث -الذي يعتبر شديد الصلة
بالاعتبار الثاني- هو مستقبل مشروع
الإصلاح في ظل الانتخابات الرئاسية
القادمة، والتي يحين موعدها في منتصف
العام 2005. فتيار الرئيس خاتمي، وإن كان
خسر هذه الجولة لصالح التيارات الأخرى،
فإنه يجب ألا يضيع الانتخابات القادمة،
والتي قد تعني المحطة الأخيرة ليس في
مشروع الإصلاح بشكل إجمالي؛ ولكن في
رؤيتهم للشكل الذي يجب أن يكون عليه
مسار الإصلاح في إيران في السنوات
القادمة... وفي الأمر بعض التفصيل.
البرلمان
الجديد.. هل يحمل فرصة للتعايش؟
فعندما
جاء الرئيس خاتمي إلى السلطة في عام 1997،
جاء معبرا عن تيار كبير من الشباب
الإيراني، والنساء، والقوى السياسية
الأخرى التي لم تجد توافقا مع مقولات
التيار السياسي السائد آنذاك. هذه
الجماهير، التي اختارت خاتمي للرئاسة،
اتفقت على ضرورة إحداث تغيير من نوع ما،
في بنية وعلاقات النظام، وإن لم تتفق
بالضرورة على تفاصيل هذا التغير الذي
أطلق عليه بشكل إجمالي مشروع الإصلاح،
وأطلق الرئيس خاتمي عليه، من خلال
حملته الانتخابية، التصالح بين الدين
والديمقراطية. ونتيجة اختلاف مشارب
التيارات، التي حسبت على قوة مشروع
الإصلاح، فقد بدأ الخلاف يدب بين هذه
الأجنحة - منذ اليوم الأول - حول حدود
الإصلاح وشكله، بل حتى الطرق التي يتم
بها. في هذا الإطار يمكن رصد تيارين
كبيرين في داخل معسكر الإصلاح:
المعسكر الأول هو معسكر الرئيس خاتمي،
الذي وإن ساند مشروع الإصلاح وتبناه،
فإنه رأى أن الإصلاح لا بد أن يتم
بالتدريج، ودون انفصال عن مقولات
النظام الرئيسية، والتي تعد تراثا
للإمام الخميني، وتم تقنينها في داخل
الدستور الإيراني. بعبارة أخرى، فإن
الرئيس خاتمي لم يتحدّ خطوط وخيوط
السلطة الرئيسية في النظام، سواء
مبدأ ومنصب ولاية الفقيه، ولم يتحد
توزيعات السلطة بين مختلف المؤسسات؛
وإن طالب في أحيان كثيرة بمنحه
صلاحياته المنصوص عليها في الدستور،
حتى يتمكن من تحقيق برنامجه الذي انتخب
على أساسه.
المعسكر
الثاني بدأ خافتا، وتصاعد صوته مع
تزايد الإحباط من أداء الرئيس خاتمي،
خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي
في مجالات الحريات العامة. هذا التيار -
الذي عرف بتيار اليسار داخل معسكر
الإصلاح- تميز بمواقفه الراديكالية
الرافضة لمنظومة توزيع القوى بين
المؤسسات المختلفة في النظام،
ومطالباته بمراجعة كل الثوابت في داخل
النظام، بدءا من صلاحيات الرئيس
والبرلمان وصولا إلى كل من مبدأ ولاية
الفقيه ومنصبه.
بالإضافة
إلى هذين التيارين، نجد تيارا ثالثا
عرف بالتيار "المحافظ"، على
اعتبار أنه تيار لا يقبل التغيير
بالشكل الذي يطرحه التياران السابق
الإشارة إليهما، وبالخصوص تيار اليسار
داخل معسكر الإصلاح.هذا التيار "المحافظ"،
بامتلاكه لوسائل صنع والتأثير على صنع
القرار في إيران، استطاع أن يدير
المواجهات المتعددة مع معسكري الإصلاح،
بشكل أجبرهما على اتخاذ موقف الدفاع في
معظم الأوقات، مما أفقدهما القدرة على
المبادرة، والدفاع عن مشروعهم الأساسي.
بطبيعة الحال، فإن الصراع تزيد حدته
واستقطابه حال المواجهة بين التيار
اليساري وبين المحافظين.
من
ناحية ثانية، فإن تيار المحافظين تنبه
في مرحلة مبكرة إلى جدارة مفهوم
الإصلاح وجاذبيته للجماهير الإيرانية،
بمختلف مشاربها وانتماءاتها؛ ومن ثم
فقد تبنى هو نفسه مفهوم الإصلاح، بدءا
من الانتخابات الرئاسية الأخيرة،
والتي فاز فيها الرئيس خاتمي للمرة
الثانية والأخيرة حسب الدستور. وتكرر
هذا، سواء على مستوى الخطاب الإعلامي
والسياسي أو في الانتخابات المحلية،
التي تلت ذلك وصولا إلى الانتخابات
الحالية. إن دلالة نتائج الانتخابات
الحالية (والتي بدأت تتوالى بأخبار
انتصار المحافظين وضمانهم الأغلبية
داخل البرلمان) بالنسبة للمشروع
الإصلاحي، وخاصة رؤية التيار اليساري
لحدود الإصلاح وشكله -تبدو في منتهي
الأهمية؛ فيمكن للتيار المنتصر، في
هذه الجولة، قبول نوع من أنواع التعايش
مع تيار الرئيس خاتمي، الذي يشترك معه
في العديد من النقاط والرؤى، أكثر مما
يختلف.
هذا
التعايش إن تمت إدارته بنجاح، فإنه من
الممكن أن يضمن أمرين: الأول استقطاب
تيار المحافظين بشكل حقيقي وسياساتي
إلى مشروع الإصلاح بالشكل الذي طرحه
الرئيس خاتمي منذ بداية حكمه (التصالح
بين الدين والحرية ). الأمر الثاني، وهو
ما يتجاوز الرئيس خاتمي كشخص إلى
الرئاسة كمنصب، في ظل الانتخابات
القادمة في عام 2005. إن نجاح التعايش
بين تيار المحافظين ومعسكر الرئيس
الحالي، قد يضمن انتخابات رئاسية
قادمة تحمل ملامح توفيقية أكثر منها
صراعية. هذا الأمر يمكن تصوره، خاصة في
ظل قراءة متأنية لخريطة البرلمان
الجديد. ما ورد من أنباء عن الفائزين
حتى الآن، يرصد ملامح تكنوقراطية،
وخبرات علمية وإدارية في مجالات
الطاقة والتكنولوجيا، ووجوه جديدة
تعلن أنها لا تنتمي لتيار المحافظين،
بل يعتبرون أنفسهم "إصلاحيين
حقيقيين". من ناحية أخرى، فإن
المحافظين حصدوا حتى الآن ما يزيد عن
نصف المقاعد، في مقابل نسبة معتبرة ممن
أطلق عليهم "المستقلون"، الذين لم
تظهر توجهاتهم السياسية بعد.
هذا
التفاؤل بخصوص التعايش يقل بدرجة
كبيرة، في حال العلاقة بين التيار
اليساري الإصلاحي والمحافظين؛
فالسنوات الماضية، بخبرتها العنيفة في
المنع والتعقب وإغلاق الصحف، لا تبشر
بخير كثير. وتبقى مهمة التيار
المنتصر ألا يحاول تصفية التيارات
الأخرى؛ لأن في هذا خطرا على استقرار
النظام، الذي لم يستطع بتياراته كلها
دفع ما يقارب من نصف المجتمع إلى
صناديق الانتخاب. هذه الجماهير التي
آثرت أن تحتفظ بصمتها بعد إحباطها من
الجميع من الممكن أن تقرر في لحظة ما أن
تتحرك في لحظة بصورة غير متوقعة لنا،
كمراقبين ومحللين سياسيين. فنحن لا
نعلم في أي اتجاه ستتحرك: هل لمزيد من
الجمهورية؟ أم لمزيد من الإسلامية؟ أم
هناك بديل ثالث، ما زالت تتشكل ملامحه،
ولم يكشف عنه بعد؟؟
اقرأ
أيضًا:
**
مدرس مساعد
العلوم السياسية بجامعة القاهرة
|