|
لقد كتبت الرد التالي
منذ اليوم الأول، ولكني فوجئت
بعدم استقبالكم للرسائل طيلة فترة الأسبوع الماضي؛
لذا أرجو نشر الرد التالي بأسرع فترة ممكنة.
كنت
قد قرأت المقالة المنشورة في موقع "إسلام أون لاين.نت"
المعنونة "3 إحصاءات: السنة أكثر من الشيعة بالعراق" المنشورة بتاريخ
28-1-2004 لكاتبها "نور الدين العويديدي" وفوجئت بمحتواها. وما يهمني في الرد عليها
هنا ليس التوزيع الديموغرافي الحقيقي للسكان في العراق بقدر ما يهمني الكشف عن بعض
الحقائق التي قد لا تكون
واضحة، أو تلك التي سقطت
سهواً أو عمداً من كاتب المقالة.
ولا يهمني بعدها إن كان السنة أو الشيعة يشكلون الأكثرية؛
فكل الناس خير وبركة.
بادئا أقول: يخطئ من
يظن أن الأغلبية الساحقة في العراق هم الشيعة، كما يخطئ من يعتقد أن العراق للسنة
ولا حق للشيعة فيه. فالعراق هو وطن لكل من يقطن فيه سواء كان شيعيا أو سنيا، عربياً
أو كردياً أو تركمانياً، مسلماً
أو مسيحياً أو يزيدياً. فالجميع عاشوا في العراق منذ قديم الزمان، ولهم الحق جميعاً
في إدارة بلدهم. وليس لأحد غيرهم أن يقرر من يحكم في بلادهم، لا الأمريكان
ولا الجيران، عرباً كانوا أو
عجماً، مع احترامنا للجميع.
يتواجد الشيعة في
العراق منذ زمن الإمام علي كرم الله وجهه، وهم الثلة التي انتصرت له خلال حربه مع
معاوية، ومنهم بعض الصحابة
الكرام كعمار بن ياسر وحجر بن عدي والمقداد بن الأسود وغيرهم. وأول من أرسى تعاليم
الشيعة هو الإمام جعفر بن محمد الباقر الصادق، وقد تتلمذ على يديه المئات من
العلماء، كان الإمام أبو
حنيفة النعمان واحداً منهم. وقد استمر وجود الشيعة في العراق رغم الاضطهاد الذي
تعرضوا له خلال حكم الأمويين والعباسيين.
وخلال العهد العباسي
البويهي كان الشيعة هم الحكام الحقيقيين
للبلاد لقرون عديدة. ولم يكن البويهيون وحدهم من الشيعة، بل كذلك كان الحمدانيون
والفاطميون والأدارسة، وغيرهم
الكثير من الممالك من الهند شرقاً إلى المغرب غرباً. وقد ساهموا بشكل كبير في إثراء
التراث العلمي والحضاري للمسلمين؛
فمنهم ابن سينا، والفارابي،
وابن حيان. ومنهم الفرزدق،
والمتنبي، وأبو تمام،
وغيرهم الكثير الذي لا يعد ولا يحصى. وما يهمني هنا هو التركيز على كون الشيعة
خرجوا من الجزيرة العربية والعراق نحو الشرق والغرب،
وليس العكس كما يحلو للبعض أن يقول. بل إن
التشيع لم يصبح المذهب الغالب في إيران إلا في زمن الصفويين؛
أي في مرحلة متأخرة نسبيا عما كان الحال عليه في غيرها من البلاد.
ومن يظن أن الشيعة في
العراق قدموا من إيران فهو
مخطئ؛ فالعكس هو الصحيح؛
فالعراق تاريخيا كان مصدِّر
علماء الدين الشيعة الدارسين
في مدرسة النجف الأشرف. والكثير من حكام إيران الحاليين مثلا كان قد اكتسب دراسته
في مدينة النجف، حين كانت
حرية التحرك متاحة بين البلدين.
والآن أعود إلى
المقالة التي نوهت إليها أعلاه لتبيان بعض الحقائق:
أولا: النسبة التي
يسميها الكاتب "المسلّم بها"
وينتقدها ليست جديدة ولا مختلقة أمريكيا،
بل هي قديمة، ولو بحث القارئ في أي موسوعة معلومات لوجد النسبة ذاتها. وقد زرت
العشرات من المصادر العلمية على الإنترنت فلم أجد ما يخالفها. وهذا لا يعني أنني
أتفق معها، ولكني لا أنتقدها
أيضا مع غياب أي مصدر موثوق آخر. وعلى سبيل المثال -لا
الحصر- أعرض النسب التالية
لسكان العراق حسب ما نشرته مجلة "National Geographic"
العلمية الشهيرة في عددها الخامس، مجلد 173 لسنة 1988: الشيعة 63%، السنة 35%.
والمقصود هنا بالسنة العرب والأكراد جميعا.
ثانيا: أحب أن أذكر
أن نسبة التمثيل السني في مجلس الحكم هي 10 مقاعد بواقع 5 للعرب و5 للأكراد، مقابل
13 مقعدا للشيعة. وبالمقارنة مع النسبة "المسلم بها" تجد
-عزيزي القارئ-
أن مجلس الحكم قد ظلم الشيعة وليس العكس!
ثالثا: يعترض الكاتب
لعدم وجود حقيبة وزارية رئيسية بأيدي السنة. وهذه في
الحقيقة حجة أتعبت قائليها وسامعيها على حد سواء؛
فالسنة ممثلون بالوزارة العراقية الجديدة بعشرة وزراء أيضاً. والمتعارف عليه أن
الوزارات التي تلتقط الأضواء هي وزارات: الداخلية والخارجية والدفاع والمالية، وتضاف
وزارة "النفط"
على اعتبار أنها وزارة مهمة
في بلد يقوم اقتصاده على النفط. وقد نال السنة اثنتين منها (الخارجية والمالية)
فيما نال الشيعة اثنتين أيضا (الداخلية والنفط)،
وهما تكملان وتناظران سابقتيهما.
أما وزارة الدفاع فقد أُلغيت
من قبل الاحتلال حتى قيام الدولة العراقية الوليدة إن شاء الله. وليسمح لي هنا كاتب
المقال أن أهمس بأذنه: ترى
كيف كان تمثيل الشيعة في الحكومة البعثية السابقة؟!
رابعا: ما يقوله
البعض من أن الأعضاء السنة لا يمثلون السكان السنة صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن
السكان الشيعة أيضا غير ممثلين. كل ما هنالك أن قوات الاحتلال كانت قد انتخبت سبعة
من أكثر أحزاب المعارضة
للنظام السابق قدما وقوة، وطلبت منهم توسيع دائرة التمثيل حتى يمتلئ الـ25
مقعدا. وعلى هذا الأساس تم توسيع التمثيل من قبل الأعضاء أنفسهم باختيار أعضاء جدد
من مختلف المناطق الجغرافية والخلفيات الحزبية لتشكيل مجلس الحكم. وهذا لا يعني بأي
حال من الأحوال أن الأعضاء هم خير ممثل للعراقيين.
خامساً: نتيجة الحكم
الظالم والتعسفي خلال العهد الصدامي فرّ ما بين 3 و5
ملايين عراقي إلى الخارج، وهم موزعون
في أنحاء الأرض، وكاتب هذه السطور واحد منهم. والعراق بدونهم ليس مكتملا، ولن يكتمل
إلا بعودتهم كلهم أو من يريد منهم العودة على الأقل، وأكثر هؤلاء على حد علمي من
الشيعة. وجميع القرائن الإحصائية التي تجرى بعد خروجهم تعد ناقصة ولاغية، بما فيها
تلك التي اعتمد عليها العويديدي في مقالته.
سادسا: تعرض العراق
خلال حكم الطاغية إلى أبشع عمليات القتل والإبادة الجماعية من أقصى الشمال إلى أقصى
الجنوب. لم يكن الشيعة وحدهم هم الضحايا فيها، ولكنهم أخذوا نصيب الأسد منها.
سابعا: الإحصائية
الأولى التي أوردها الكاتب تقوم على أساس التوزيع السكاني في المحافظات. والافتراض
الذي أورده يبعد القارئ عن الحقيقة كثيرا؛
فليس صحيحا أن كل ما هو واقع إلى الشمال والغرب من بغداد مسكون من قبل السنة؛
فالتركمان مثلا تتراوح نفوسهم
بين مليون ومليوني نسمة، جلهم
من الشيعة. والشيعة يشكلون نسبة كبيرة من سكان محافظتي صلاح الدين وديالى. وفي
بغداد إذا كانت الطائفتان تتقاسمان شطرا كبيرا من مساحتها بشكل فسيفسائي جميل؛
فإن القسم الشرقي منها الذي كان يسمى بمدينة صدام يبلغ تعداد سكانه مليوني نسمة
مسكون بالكامل من قبل الشيعة الذين قاموا بتغيير اسمها إلى مدينة الصدر؛
تيمناً بالشهيدين محمد باقر الصدر وابن عمه محمد صادق الصدر؛
مما يجعل الشيعة يمثلون نحو ثلثي سكان بغداد وليس نصفهم.
ثامنا: الإحصائية
الثانية التي أوردها الكاتب تقوم على أساس نسبة مالكي البطاقات التموينية من
الطائفتين. وهو معيار جيد لو أنه كان نزيها. أما أن يرفض المعيار من قبل أهل السنة
أنفسهم حين طرح آية الله السيستاني اقتراحه فهنا يكمن الخلل. على اعتبار أن
البطاقات كانت قابلة للتزوير، وكانت تمنح وتمنع من قبل السلطة الحاكمة بطريقة
مزاجية تعتمد على التمييز بين الموالين وغير الموالين للنظام السابق، أضف إلى ذلك
أن بعض العائلات كانت تلجأ
إلى الاحتيال بتسجيل ولادات لا وجود لها حين كانت الرشوة هي السائدة في ظروف
الحصار.
أما الأهم من هذا
وذاك فهو أن الكثير من
العراقيين يترددون في التصريح بمذهبهم،
وكانوا يعتقدون -وأظنهم
محقين- أن الغاية من هذا السؤال هي
المراقبة؛ فإذا كان كل مواطن
في العراق من أقصاه إلى أقصاه يعامَل
على أنه عدو محتمل يستدعي الشك في نواياه؛
فإن الشيعي توضع أمام اسمه أكثر من علامة (x).
وكان أكثر العراقيين يترددون لدى الإجابة على هذا
السؤال، وإلا فقل لي بالله
عليك: ما علاقة المذهب والدين
ببطاقة التموين؟! أذكر بهذا الصدد أن أهلي ترددوا كثيرا بالإجابة على سؤال مماثل
خلال إحصاء السكان عام 1979،
ولست أدري لليوم ما إذا كنت سنيا أم
شيعيا بنظر الحكومة العراقية السابقة وربما اللاحقة!!
تاسعا:
فيما أسماه الكاتب بـ"الدليل
العملي الحديث" لا أذهب معه إلى القول بأن
نسبة الحجيج تعكس الواقع. فالواقع يقول: إن
الشيعة على عهد صدام تعرضوا لظلم وحيف كبيرين، وكان نادرا ما تناط
بهم مراكز إدارية رسمية، وقلما مثلوا
في مجلس الوزراء أو الدوائر، حتى إن
المحافظات الشيعية كانت تدار من قبل ضباط كحاكمين عسكريين لتلك المدن في وضع لم يكن
يختلف كثيرا عن حال الحكام العسكريين الأمريكيين
للمدن العراقية اليوم. وظلت المدن الجنوبية مهملة بل وأمعن في تخريبها، وحوصر أهلها
كما يحاصَر أهل المدن
الفلسطينية اليوم من قبل القوات الإسرائيلية، وحرموا لأتفه الأسباب من الماء
والكهرباء. وحتى النفط العراق الذي ينبع جلّه من أراضيهم لم يكن لهم حصة فيه. وعاش
أكثرهم في فقر مدقع وفاقة. والزائر اليوم لأي من تلك المدن الجنوبية سيرى الفارق
بينها وبين مدن الشمال الكردي المستقل والغرب السني المأثور.
فهل يتوقع الكاتب أن
يجد بين سكانها الكثير ممن هو قادر على تحمل نفقات الحج؟ ثم ليسمح لي الكاتب هنا أن
أنوه بأن الكثيرين من الشيعة لديهم اعتقاد خاطئ عن حكومة المملكة العربية السعودية،
ويظنون أنه سيمارس عليهم بعض
الرقابة أو المساءلة لدى وصولهم للمملكة، وهم أصحاب تجربة بفنون الرقابة والمساءلة
على زمن الدكتاتور صدام.
عاشرا: وسأكتفي بهذا
القدر قبل أن يمل القراء مني: لقد مارس النظام عمليات طرد جماعية وتطهير عرقي نزع
بموجبها الجنسية عن حوالي 500 ألف عراقي في أعوام:
1970، 1980، 1981، 1982، 1983،
اغتصب أملاكهم وأراضيهم،
وطردهم بشكل تعسفي دون وجه حق من بلادهم لأسباب سياسية تعود إلى طبيعة العلاقة مع
إيران.
وقد قضى
بعضهم على الحدود من البرد أو من حقول الألغام المنتشرة؛
ولا يزال الكثير من هؤلاء يعيش في معسكرات لا تختلف عن معسكرات اللاجئين
الفلسطينيين؛ إذ لا تسمح لهم
إيران بمغادرة معسكراتهم إلا بوجود من يكفلهم، وأكثرهم هناك يعاملون كأجانب،
وهم يعانون كثيرا من ذلك،
وينتظرون بفارغ الصبر أن تسمح لهم الحكومة العراقية الجديدة بالعودة. وتلك جريمة
كبرى للنظام الفاسد السابق،
رغم أن أكثر العرب لم يسمعوا عنها بسبب التعتيم الصدامي عليها، وأكثر ضحاياها مسجلون
لدى مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة منذ خروجهم من العراق.
أعود
فأنوه إلى أنني لا أريد
التأكيد هنا على صحة النسبة "المسلم عليها" من قبل الغرب، والتي قد يكون مصدرها
إحصاءات قديمة تعود لزمن الاحتلال البريطاني، ولكني في الوقت نفسه أشك في أن ما
أورده الكاتب من دلائل يصح الاعتماد عليها.
وختاماً
أشكر "إسلام أون لاين.نت"
على إتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي والرأي المعاكس للوصول إلى الحقيقة التي هي
مبتغى كل حصيف.
والسلام عليكم.
اقرأ أيضًا:
|