|

|
|
يوسي بيلين وياسر عبد ربه في مؤتمر جنيف |
أثناء
مداولات الدورة الثالثة عشرة للمجلس
الوطني الفلسطيني (12/22-3-1977)، استطرد
محمود عباس (أبو مازن) إلى فكرة التعرف
أكثر على إسرائيل من الداخل، والاقتراب
مما يعتمل في أحشائها من تيارات وقوى
سياسية. وقد دافع الرجل القيادي البارز،
في كل من حركة فتح ومنظمة التحرير
الفلسطينية، عن فكرته بمبررات لم يكن
لعاقل أريب أن يرفضها.. وخلاصتها أنه لا
يمكن للفلسطينيين (وللعرب بداهة) أن
يديروا صراعهم بكفاءة وتبصر، مع عدو
يجهلون مواطن قوته ونقاط ضعفه، ولا
يعلمون من أموره وأحواله إلا النزر
اليسير!
وقتذاك،
لم يكن الداخل الإسرائيلي بالكتاب
المغلق تماما أمام الفلسطينيين، وفقا
لما طرح أبو مازن في مداخلته. فقد كانت
جهود مركز أبحاث منظمة التحرير ومن قبله
مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت،
ومن بعدهما مركز الدراسات وأبحاث
الصهيونية بمؤسسة الأهرام بالقاهرة،
ومركز الدراسات الفلسطينية بجامعة
بغداد وجهات معنية أخرى، قد تكلفت بفتح
معظم صفحات هذا الكتاب على الملأ. وفعلت
الشيء ذاته الأعمال ذات الصلة التي
اضطلع بها بعض المبرزين على الصعيدين
الفكري والأكاديمي من الفلسطينيين
والعرب.
ويقينا
فإن تلك المقاربات النظرية المعمقة عن
بعد، تعززت وتكاملت بمطالعات الأجهزة
الاستخبارية التابعة لدوائر عربية
مختصة، كانت لها عينها المبثوثة في
أنحاء إسرائيل. ولنا أن نتوقع دورا
مرموقا في هذا السياق، اضطلعت به فصائل
المقاومة الفلسطينية، التي أضحت
عناصرها في الأرض المحتلة بعد 1967 في وضع
يسمح لها بملاحظة ما يجري في إسرائيل
بالعين المجردة، ورفع تقارير بالخصوص
إلى من يعينهم الأمر.
اقتراح
أبو مازن.. تجاوز قضية "المعرفة"
ومع
ذلك فإن مقترح أبو مازن لم يخل من حصافة؛
فمزيد من عمليات الاستكشاف للشئون
الإسرائيلية والإطلال عليها عن كثب، لن
تضر السياسة الفلسطينية في شيء، غير أن
القرار الذي وافق عليه المجلس في تلك
الدورة، وعدد من دوراته اللاحقة، صيغ
بعبارات تتجاوز قضية توسيع المعرفة إلى
ما يشبه الاشتباك التفاوضي والتشبيك
السياسي الميداني مع بعض القوى الحزبية
والشعبية الإسرائيلية! فهو نص على "أهمية
التنسيق والعلاقة مع القوى اليهودية
الديمقراطية والتقدمية المناضلة، داخل
الوطن المحتل وخارجه، ضد الصهيونية
كعقيدة وممارسة..."، والذي حدث بالفعل
أن أبو مازن وبعض مساعديه تلقفوا هذه
الصيغة، التي شرعت اتصالاتهم مع الداخل
الإسرائيلي، وأوغلوا في إجراء هذه
الاتصالات التي كانت تجرى قبل ذلك بأقصى
درجات السرية والكتمان.
في
هذا الإطار، طرق المحاورون الفلسطينيون
أبواب القوى الإسرائيلية التي اعتبروا
أنها لا ترى بأسا في التعايش مع العرب
والاستماع إلى نداء الحقوق الفلسطينية
بعقل مفتوح، مثل بعض اليهود الشرقيين
واليسار الصهيوني وغير الصهيوني، وما
عرف لاحقا بجماعة "السلام الآن".
وأصبح فلسطينيو 48 طرفا مقصودا بالحوار
والتربيط وتبادل الرأي، لا سيما بعد
تنامي ظاهرة البلورة السياسية بينهم.
واستحوذ يهود الولايات المتحدة على
اهتمام كبير من هذا التحرك، بذريعة أنهم
مدخل لاختراق جدار الرفض الإسرائيلي
والتأثير على الخيارات الحكومية في
التعامل مع القضية الفلسطينية.
وتجدر
الإشارة إلى أن معظم هذه الاتصالات تمت
بمعرفة عواصم مركزية عربية. وينسب إلى
الرئيس المصري الراحل أنور السادات أنه
نصح قيادة منظمة التحرير بالاتصال مع
زعماء اليهود الأمريكيين بالذات، الذين
كانت المنظمة قد فطنت إلى دورهم قبل تلك
النصيحة، وتكفل المستشار النمساوي
برونو كرايسكي بعمل اللازم للوفاء بها.
كما يشار إلى أن عواصم مركزية عربية
أخرى كانت تراقب مروحة التحرك
الفلسطيني بالخصوص، وأن الرئيس السوري
الراحل حافظ الأسد أوعز إلى المنغمسين
في هذا التحرك بضرورة التزام الحذر من
الذهاب بعيدا في مشروعهم الحواري
وتداعياته عربيا؛ "لأن التعامل مع
الشيوعيين الإسرائيليين سيثير حساسية
الملوك والشيوخ العرب من فكرة قيام
تنظيم شيوعي فلسطيني، بينما سيؤدي
الاتصال باليسار الإسرائيلي إلى تبرير
اليمين العربي للاتصال مع اليمين
الإسرائيلي".
المحاور
الفلسطيني فقد ثوابته
في
كل حال، فإن القضية الفلسطينية تقف
راهنا على مسافة أكثر من ربع قرن من
بدايات مدخل الاعتماد على نصرة عقلاء
الداخل الإسرائيلي وتياراتهم السلامية
والحوارية. وإلى هذا المدخل يعود الفضل
في إبرام اتفاق أوسلو وتوابعه في منتصف
هذه المسافة تقريبا، وعليه نكون مع
القضية في وضع يسمح بقراءة متبصرة لمدى
فعاليته لجهتي النظرية والتطبيق.
وإن
نحن عزفنا عن التفاصيل المملة حول ما
يعتبره أصحاب هذا المدخل من ذوي الرؤى
الفلسطينيين ومن يظاهر من العرب،
واضعين أعيننا على الخط البياني العريض،
فسوف نتوصل إلى أن الحصاد العام يعد
سلبيا.
فالمحاورون
(المفاوضون) عن الجانب الفلسطيني تحولوا
بعيدا عن مواثيق حركتهم الوطنية
وثوابتها، من حيث الأهداف والوسائل
وأنماط التحالف.. فيما ظل شركاؤهم
عاكفين على حراسة قضايا الإجماع
الصهيوني الإسرائيلي. وليس بلا مغزى
ودلالة على خلاصة كهذه، أن يكون يوسي
بيلين كبير عَرّابي التسوية التاريخية
بين هؤلاء الشركاء الإسرائيليين أو
الصهاينة (الأقحاح) بالمناسبة، هو الذي
أبرم في كانون الثاني (يناير) 1997 وثيقة
مع ميخاف إتيان ممثلا عن قطاعات "اليمين"
الإسرائيلي، تحددت فيها بكل صرامة
الخطوط الحمراء (الثوابت!) التي ينبغي
لكائن من كان في إسرائيل ألا يتخطاها في
التسوية مع الفلسطينيين.
هناك
الآن من يشككون فيما إذا كان المحاورون
عن الجانب الفلسطيني يملكون الزعم
بوجود ثوابت فلسطينية، كالتي أنجزتها
وثيقة "بيلين إتيان" إسرائيليا. بل
ويتخطى البعض مظهر الشك إلى التعبير عن
السخرية المريرة من افتقاد هذا الجانب
إلى إستراتيجية كفاحية من الأصل، ومن
غلبة التكتيكي والمؤقت على هذه
الإستراتيجية إن وجدت.
لقد
أرادت مدرسة اختراق الداخل الإسرائيلي
الاشتغال على محور ما حسبته حالة تشظ
إسرائيلي متعددة المصادر.. بين شرقيين
وغربيين، علمانيين ودينيين، أغنياء
مترفين وفقراء مضطهدين، مهاجرين قدامى
ومهاجرين جدد، يساريين ويمينيين، عسكر
ومدنيين. وأثناء الإيغال في هذا التوصيف،
فاتها التمييز بين مفهوم الانقسام الذي
يفضي إلى حالة صراع داخلي وربما احتراق
أهلي، وبين التنوع الذي يترجم ذاته ويتم
تنفيسه عبر آليات العملية السياسية
والتعبير الشرعي عن "المشاركة في/
والتزام، صناعة القرار. حدثت هذه السقطة
على الرغم من اعتراف شيوخ هذه المدرسة
ومريديهم بأن إسرائيل دولة ديمقراطية!.
بصيغة
أخرى، لم يلحظ المحاورون الفلسطينيون
صلابة القواسم المشتركة بين القطاعات
الاجتماعية في دولة يعرف سكانها أنهم
مختلفون في أشياء كثيرة، ولا أدركوا أن
هذه القطاعات قبلت بأن تكون السياسة
والتدافع الحزبي على أرضية الأيدلوجية
الصهيونية (الرابطة القومية عندهم) هما
أسلوب التخاطب الداخلي. وهذه حالة لا
تسمح لقوى "اليسار والسلاميين"
بالتغريد خارج السرب، إلا في حدود
معلومة.
الداخل
الفلسطيني.. بيت من زجاج
ونظن
أن القضية الفلسطينية ما كانت لتخسر
شيئا فيما لو تقيد المحاورون -الذين
صاروا مفاوضين- باسمها، بهدف الاستطلاع
والتعرف على خريطة الداخل الإسرائيلي،
طمعا في تحسين مواقعها ومواقعهم. لكن
القضية خسرت لأن هؤلاء خرجوا عن الهدف.
والظاهر اليوم أن "الداخل الفلسطيني"
هو الأقل إجماعا على أهدافه ووسائل
تحقيقها واجتراحها، وهو الأكثر حاجة
إلى صبرهم ودأبهم على الحوار. ولمزيد من
الدهشة، فإن هذا الداخل (الفلسطيني-
الإسرائيلي) هو الذي يبدو في مناسبات
كثيرة، الأقرب، إلى هاوية الانقسام
وشبهة التصارع الأهلي.
أكثر
من خمسة وعشرين عاما مضت على قرار
المجلس الوطني بالاتصال بالقوى
الديمقراطية والسلامية الإسرائيلية.
وفي هذه الحقبة الممتدة، لم يترك تيار
الحوار الفلسطيني سبيلا إلى استقطاب
هذه القوى. كما أن جولات الحوار دارت
وتنقلت في جهات الدنيا الأربع؛ من طوكيو
شرقا إلى واشنطن غربا، ومن أوسلو شمالا
إلى كيب تاون جنوبا، وذلك مرورا بمدريد
وأستوكهولم وباريس وروما وبوخارست
ووارسو وموسكو، علاوة على القاهرة
والرباط وطابا وشرم الشيخ.. وأخيرا
أشبيلية وجنيف والبحر الميت. ومع ذلك
هناك من يتنطع بالقول إن هذه الحوارات
تستهدف إقناع الجميع، الرأي العام
الإسرائيلي بخاصة، بأن ثمة في الجانب
الفلسطيني شريكا تفاوضيا، أو تحتاج هذه
الغاية إلى كل هذا الجهد والوقت.
الأجدى
للمحاورين الفلسطينيين أن يكفوا عن
الهروبية والذرائعية ولوم الذات؛
فالمشكلة ليست عندهم، بل هي عند شركائهم
على الجانب الإسرائيلي.. هؤلاء
المراوغين الذين لم يبذلوا جهدا حقيقيا
في مخاطبة قواعدهم الشعبية، ولا حاولوا
أن يستحثوها على أن تهبط للشوارع لتعلن
براءتها من دماء الشعب الفلسطيني ولا
سيما في لحظات مهمة فارقة، مثلا أثناء
جريمة اقتحام جنين في العام الماضي أو
تدمير مخيم رفح أخيرا.
لو
تفهمت مدرسة الحوار الفلسطينية ما
يعتمل في الداخل الإسرائيلي، كما هو
وليس كما تريده بتفكيرها الرغبوي،
لأدركت أي انحطاط بلغه ما يسمى بمعسكر
السلام هناك.. ولو أنها أمعنت التحليل
لعرفت أن هذا المعسكر على ضموره فكريا
وحركيا، يستطيع -لو أراد وكان صادق
النية- أن يضطلع بتحركات ميدانية فارقة،
لا سيما أن آلة الحرب الإسرائيلية تقوم
على مدار الساعة بأنشطتها الإجرامية ضد
الفلسطينيين على مرمى الحجر والنظر. أين
هذا الكسل (أو التواطؤ؟!) من احتجاجات
حركات السلام الأوربية والأمريكية إبان
حربي الجزائر وفيتنام، التي فعلت
فعلتها في وقت هاتين الحربين، وهما على
مسيرة آلاف الأميال؟
شارك في ساحة
الحوار:
اقرأ
أيضاً:
**كاتب
فلسطيني
|