|

|
|
جارانج يعيد عقارب الساعة إلى الوراء
|
بالرغم
من أن هذا العنوان قد لا يروق لبعض
الإخوة السودانيين، خاصة الطامحين في
إنهاء حالة الحرب التي شهدتها البلاد
طيلة عقدين من الزمان، والذين استبشروا
خيرا، ونحن معهم باتفاق الترتيبات
الأمنية التي تم توقيعه في نيفاشا في
الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي،
واعتبروا أن السلام بات وشيكا.. فإن
الجولة الأخيرة من المفاوضات التي بدأت
منذ أوائل أكتوبر، واستمرت طيلة ثلاثة
أسابيع انتهت بحلول (الأول من رمضان =
السادس والعشرين من أكتوبر الماضي)، وتم
تخصيصها لمناقشة 3 قضايا أساسية؛ هي:
تقاسم الثروة والسلطة والمناطق الثلاثة
المهمشة.. لم تؤت ثمارها المرجوة،
بالرغم من أن مستوى تمثيل الجانبين كان
على أعلى مستوى. وذلك كما حدث في
المفاوضات السابقة؛ حيث رأس نائب
الرئيس السوداني علي عثمان طه الجانب
الحكومي، في حين رأس جارانج وفد حركة
التمرد. بل إن الجولة الأخيرة كان يفترض
-كما توقع المراقبون- أن تنهي القضايا
العالقة بعد قوة الدفع الأمريكية لها،
والتي تمثلت في زيارة وزير الخارجية
كولن باول لكينيا ولقائه مع الجانبين،
وكذلك الوسيط الكيني.
لكن
-وكما تعودنا- تأتي الرياح الأمريكية
بما لا تشتهيه الشعوب العربية
والإسلامية؛ ومن بينها الشعب السوداني؛
حيث طلع باول علينا بمسألة بعيدة عن
الشأن السوداني، وهي مسألة ضرورة قيام
الحكومة بإغلاق مكاتب حركتي حماس
والجهاد الفلسطينيتين في الخرطوم؛ وهو
مطلب غريب، وغير مرتبط بسير المحادثات
بين الجانبين في نيفاشا، لكنه تصريح ذو
مغزى خطير؛ حيث يوضح مدى الحرص الأمريكي
على مجاملة الصهاينة، تماما كما
يجاملون جارانج في المفاوضات.
وإزاء
رفض الحكومة السودانية لهذا الطلب قررت
إدارة بوش تمديد العقوبات الأمريكية
المفروضة على السودان منذ عام 1997 لمدة
عام واحد (تم ذلك بعد تعليق المفاوضات
الأخيرة بثلاثة أيام فقط، بالرغم من أن
المتأمل لسير الجولة الأخيرة يجد أنها
لم تحقق شيئا بسبب تعنت جارانج -وليس
الحكومة- الذي حاول العودة بالمفاوضات
إلى القضايا التي تم حسمها من قبل في
اتفاق مشاكوس العام الماضي). ولكن يبدو
أن هذا هو النهج الأمريكي المنحاز لصالح
جارانج على طول الخط، والذي كان واضحا
في بدعة قانون عقوبات السلام الذي ينص
على فرض عقوبات إضافية على الحكومة
السودانية، وفي المقابل تقديم الدعم
لجارانج في حالة تعثر المفاوضات بين
الجانبين!
علمانية
وهيمنة على المسلمين
لقد
كان من نتائج زيارة باول -المباركة- عودة
السيد جارانج للتعنت والتشدد استنادا
لتطمينات أمريكية بالوقوف معه إلى
النهاية، على اعتبار أنه صاحب حق مشروع
في الدفاع عن النفس. ومن مظاهر هذا
التعنت ما يلي:
1-
مطالبة السيد جارانج بتوسيع نطاق
المناطق التي سيحكمها في الجنوب لتشمل
بعض القبائل الإسلامية. فقد طالب بضم
المناطق المتاخمة لولاية بحر الغزال
التي تقيم بها "قبائل مسيرية"
المسلمة، لكن جاء الرد سريعا وحاسما،
ليس من قبل الحكومة هذه المرة، ولكن من
قبل أهالي هذه القبائل ذاتها؛ حيث هددوا
من خلال مبعوثيهم المراقبين في
المفاوضات بحمل السلاح إذا وافقت
الحكومة على ذلك (يشبه هذا الموقف موقف
ساكني المناطق المهمشة الثلاث الذين
رفضوا خلال الجولات الماضية حديث
جارانج نيابة عنهم).
2-
بالنسبة لقضية اقتسام السلطة، عاد
جارانج ليطالب بتناوب السلطة (الرئاسة)
بينه وبين الرئيس البشير خلال الفترة
الانتقالية، بالرغم من أن الطرفين قد
اتفقا من قبل على تولي البشير الحكم
خلال هذه الفترة، وأن يكون جارانج نائبا
أول يتمتع بصلاحيات واسعة، مع إجراء
انتخابات نيابية في البلاد على مختلف
المستويات خلال عام ونصف، واستفتاء على
منصب الرئيس بعد انتهاء المرحلة
الانتقالية.
3-
المطالبة بعلمانية العاصمة إذ لم يكتف
جارانج بمسألة عدم تطبيق الشريعة في
الجنوب خلال المرحلة الانتقالية (بالرغم
من أن نسبة المسلمين في الجنوب 50% تقريبا)،
إذ عاد للحديث عن علمانية العاصمة، وأن
تكون مدينة مفتوحة لكل شيء (كل شيء مباح)،
وهذا ما يتعارض مع الطرح الحكومي؛ إذ
يرى الوفد الحكومي مراعاة غير المسلمين
في العاصمة؛ بمعنى حرية غير المسلمين في
ممارسة العبادة والشعائر، وحرية
الأديان، وتناول هؤلاء الخمور في
بيوتهم وفي الأماكن الخاصة بهم، مثل
الأندية الخاصة المقصورة على هؤلاء
فقط، لكن دون السماح بفتح ملاهٍ وبارات
وما إلى ذلك، حفاظا على الوضع العام
خلال الفترة الانتقالية، ومن أجل عدم
إثارة النعرات الطائفية، أو بمعنى آخر
عدم استفزاز مشاعر المسلمين. لكن جارانج
أصر على موقفه بالرغم من مرونة العرض
الحكومي؛ فهو يرغب في إحراج الحكومة
أمام مسلمي العاصمة.
4-
الموقف المتأرجح من المناطق الثلاثة (إيبي
- النيل الأزرق - جبال النوبة)؛ إذ تارة
يشير جارانج إلى أن هذه المناطق تابعة
للجنوب، وتارة يشير إلى أنها تتبع
إداريا الشمال، ولكن تتبع حركته
سياسيا؛ لذا يجب أن يكون لها وضع خاص على
اعتبار أن هذه المناطق تمثل جزءا لا
يتجزأ من الحركة وليست فقط مجرد حليف؛
كما أنها تمثل شريانا حيويا من الناحية
الجغرافية والاجتماعية والتاريخية
للجنوب؛ لذا فلا بد لها من أن تتمتع
بإدارة مستقلة خلال المرحلة
الانتقالية، ثم إعطاء أهلها حق التعبير
عن رأيهم في المستقبل (تصريحات ياسر
عرمان المتحدث باسم الحركة في صحيفة
الأهرام القاهرية 5/11/2003).
ويلاحظ
هنا أن جارانج يسعى لتوسيع حدود الجنوب
لتشمل هذه المناطق الثلاث التي تقطنها
أغلبية عربية مسلمة؛ وبالرغم من أن هذا
الأمر حسم منذ مفاوضات ماشاكوس العام
الماضي حيث اعتبرت هذه المناطق لا تقع
في نطاق الجنوب، إلا أنه لجأ هذه المرة
للمناورة؛ حيث يقدم نفسه في صورة
المدافع عن هؤلاء. وبالرغم من أن معظم
قاطني هذه المناطق اعترضوا على حديث
جارانج نيابة عنهم.. فإنه يحاول من جديد
طرح الموضوع على طاولة التفاوض على أمل
كسب ود هؤلاء، وتأمين امتداد جغرافي له
قد ينفع في المستقبل عند انتهاء المرحلة
الانتقالية.
5-
عودة جارانج للحديث عن استقلال مالي
للجنوب عن الشمال؛ حيث عاد لطرح نفس
الأفكار التي جاءت بها وثيقة ناكورو
التي تكرس الانفصال فعليا خلال المرحلة
الانتقالية؛ حيث عاود طرح فكرة إنشاء
بنك مركزي وعملة مستقلة للجنوب خلال
المرحلة الانتقالية. وبالرغم من أن هذا
الطرح قد لاقى اعتراضات ليس من الحكومة
فحسب، وإنما من الجهات المالية
الدولية، كالبنك والصندوق الدوليين،
على اعتبار أن ذلك سيوجد صعوبة للمؤسسات
المالية الدولية في التعامل مع نظامين
ماليين مستقلين في بلد واحد.. فإنه أصر
على طرحهما من جديد؛ وهو ما دفع الرئيس
البشير إلى اتهامه بالمناورة، والعودة
إلى مسائل حسمتها اتفاقية ماشاكوس (وكالة
الأنباء الفرنسية 1/11/2003).
6-
الرغبة في إدخال بعض التعديلات على
اتفاق الترتيبات الأمنية الذي تم
توقيعه مؤخرا، ومن ذلك رغبته في تشكيل
قوات مشتركة من الجانبين في شرق البلاد.
وهي منطقة حيوية نظرا لقربها من الحدود
الإريترية، وتعد جيبا خلفيا لحركته في
شن هجماتها ضد القوات الحكومية.
فالاتفاق الأمني ينص على قيام حركة
جارانج بسحب جميع قواتها من خلال هذه
المناطق خلال عام، مع عدم وجود قوات
مشتركة بها، لكنها عاودت لتقديم هذا
الطرح من جديد، رغبة في بقاء قوات تابعة
لها بها تحسبا لظروف المستقبل.
خطة
خبيثة
ولكي
يدعم جارانج موقفه عمِل على التحرك على
عدة مستويات لدعم موقفه التفاوضي خلال
المفاوضات القادمة التي من المقرر أن
تستأنف في الثلاثين من هذا الشهر على
مستوى الخبراء، والرابع من ديسمبر
المقبل من خلال طه وجارانج. وكان من أبرز
ملامح هذه الخطة:
1-
السعي لاستقطاب القوى الجنوبية التابعة
للحكومة التي تبلغ ثلاثين فصيلا منشقا
عنه؛ فقد قام بتهديد هذه القوى وطالبها
بضرورة إلقاء السلاح، وفقا لاتفاقيات
الترتيبات الأمنية، أو الانضمام إليه؛
وبالفعل استجابت بعض هذه القوى، على
اعتبار أنه سيكون الطرف الأقوى في
الجنوب، بعد التوصل لاتفاق سلام مع
الحكومة؛ ومن ذلك انضمام ميليشيات
الجيش الشعبي لتحرير السودان الموحد
بزعامة "لام أكول" الذي كان وزيرا
سابقا للنقل في الحكومة السودانية. وفي
محاولة لاستقطاب باقي الجنوبيين فإن
الحركة تعتزم خلال المرحلة القادة
تنظيم 3 مؤتمرات: الأول لقادة
الميليشيات الجنوبية لإقناعهم
بالانضمام إليه بعدما ظلت معظمها شوكة
في جبينه بسبب ولائها للحكومة، والثاني
على مستوى القوى السياسية والقادة
الجنوبيين، والثالث لزعماء العشائر
والسلاطين الجنوبيين (معروف أن جارانج
ينتمي لقبائل الدينكا التي لا تشكل سوى
18% من سكان الجنوب).
2-
التنسيق مع المعارضة الشمالية: ومن ذلك
الحديث عن إمكانية التحالف مع حزبي
الأمة بزعامة الصادق المهدي، والمؤتمر
الشعبي بزعامة الترابي الذي تم إطلاق
سراحه مؤخرا، وهو بذلك يسعى لتفويت
الفرصة على الحكومة لكي لا تضم هذه
القوى إليها. كما أنه قد يسهم في إحداث
الوقيعة بين هذه القوى من ناحية
والحكومة من ناحية ثانية. فالسبب في
أزمة البشير الترابي قبل عامين التي
دفعت البشير إلى اعتقال الترابي، ثم
وضعه رهن الإقامة الجبرية.. كان قيام
الترابي بالتنسيق مع جارانج؛ كما أنه
يهدف من ناحية ثانية لتقويض أي تحالف
جديد للمعارضة قد يبزغ في الأفق خلال
الفترة القادمة (بدأ يتردد في الآونة
الأخيرة الحديث عن تحالف جديد بديل عن
التجمع الوطني الذي يضم حركة جارانج
والحزب الاتحادي بزعامة عثمان
الميرغني، ويضم في عضويته أحزاب الأمة
والمؤتمر الشعبي والعربي الناصري؛ إذ
لا شك أن هذا التحالف الجديد سيشكل قوة
مضادة ثالثة في مواجهة الحكومة من
ناحية، والتجمع الوطني المعارض من
ناحية ثانية، خاصة إذا ما تم إجراء
انتخابات في البلاد خلال عام ونصف.
ومن
هنا يمكن القول: إن المفاوضات القادمة
ستكون بالغة الصعوبة، خاصة بالنسبة
للجانب الحكومي في ظل هذا التكتل الدولي
والإقليمي -الذي سبقت الإشارة إليه- خلف
جارانج. فماذا ستفعل الحكومة؟ وهل ستقوم
بتحركات موازية على الصعيدين الداخلي
والإقليمي، أم ستقف تسبح بمفردها في
مواجهة التيار؟ مع العلم أن الوقت ضيق
جدا؛ إذ حددت واشنطن نهاية العام كحد
أقصى لتوقيع الاتفاق النهائي للسلام.
اقرأ
أيضاً:
|