|

|
|
إحدى
المعارضات لحكم ولد طائع
|
قبل
أشهر قليلة، لم يكن أحد يتوقع أن
الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون
بهذا الزخم والأهمية، ولكن أحداثًا
متلاحقة بدأها النظام واستأنفتها
المعارضة قلبت كل التوقعات. وقد بدأت
هذه الأحداث باعتقالات 4 مايو 2003 التي
شملت إسلاميين وبعثيين، وأرفقتها
السلطات بحملة شعواء على الإسلاميين،
فكرًا وأشخاصًا ومؤسسات، بهدف تشويههم
إعلاميًّا، وتجفيف منابع نشاطهم
الثقافي والديني، وعرقلة نشاطهم
السياسي قبيل الانتخابات.
ورغم
الحملة الإعلامية والأمنية المركزة
لعدة أشهر متتالية، فقد فشلت السلطة في
تحقيق كل أهدافها من تلك الحملة. فعلى
المستوى الخارجي، لم يبدِ الأمريكيون
ولا الدول الغربية الأخرى الحماس
المتوقع للتنكيل بالإسلاميين؛ بل على
العكس من ذلك، صرّح السفير الأمريكي في
نواكشوط للصحافة "أن بلاده لا علاقة
لها باعتقال الإسلاميين الموريتانيين"؛
فيما أدانت منظمات حقوقية أوربية
وأفريقية ودولية عديدة هذه الحملة؛
واعتبرتها منظمة Human
Rights Watch "استغلالاً
من النظام الموريتاني لأجواء الحرب على
الإرهاب للتنكيل بالمعارضة
الموريتانية السلمية".
وعلى
المستوى الداخلي زاد التلاحم والارتباط
بين الرموز الإسلامية المعتقلة وفئات
الشعب المختلفة؛ فبدلاً
من نجاح السلطات في إرباك الساحة
السياسية قبيل الانتخابات من خلال تلك
الاعتقالات، زادت من وحدة المعارضة
وتلاحمها ضد الإجراءات الأمنية التي
ينتهجها النظام.
غير
أن المفاجأة الكبرى كانت في الانقلاب
العسكري الذي قاده ضباط شباب ناقمون على
الوضع في موريتانيا يومي 8 و9 يونيو،
والذي نجح في تقويض هيبة النظام، وتشكيل
جناح عسكري معارض، قام حتى الآن بحرب
نفسية مربكة للنظام، عبر بياناته التي
هدد فيها وتوعد بالتغيير العسكري، إذا
لم يتم التغيير عبر صناديق الاقتراع في
السابع من نوفمبر القادم. وقد خلق هذا
الانقلاب العسكري انقلابا سياسيا داخل
القصر، أدى إلى إقالة الوزير الأول،
ومدير ديوان رئيس الجمهورية، والأمين
العام للحزب الجمهوري الحاكم، فضلا عن
إقالات مماثلة في
قيادات الجيش؛ وهي إجراءات خلقت
انفجاراً داخليا في السلطة، وزادت من
أعداء النظام داخل دائرته العليا، فضلا
عن خلق عداوات مع قبائل العسكريين الذين
شاركوا في المحاولة الانقلابية،
وهي قبائل كانت دائما تحسب في صف السلطة.
وفي
هذه الأجواء المحتقنة
جاء ترشح الرئيس
السابق محمد خونا ولد هيدالة ليشكل صدمة
سياسية جديدة للنظام، حيث شكل قطب
معارضة جديدا وقويا، استقطب أنصارا
عديدين، كان النظام يعدهم من أنصاره
التقليديين. كما شكل إعلان الإسلاميين
عن دعمهم لولد هيدالة في الانتخابات
الماضية، زخما جديدا لهذا المرشح، نظرا
لما يتمتعون به من مصداقية في أوساط
الجماهير، ومن قدرة تنظيمية وتعبوية لا
يستهان بها. لقد شكلت كل تلك العوامل
الأسباب الرئيسة لإرباك حسابات السلطة
قبيل الانتخابات الرئاسية، وكانت تظن
أنها مهدت لها تمهيدا.
وإليكم
هذا الموضوع:
ولد
الطايع ومنافسوه الثلاثة
لقد
أصبح معروفا لدى الجميع الآن أن هذه
الانتخابات تشكل أكبر تحد سياسي واجهه
الرئيس ولد الطايع طوال سنوات حكمه التي
اقتربت من العشرين سنة. فلأول مرة
يواجه ولد الطايع ثلاثة منافسين
أقوياء، في وقت يواجه معارضة قوية في
مراكز دعمه التقليدية في الشرق والشمال.
وفيما يلي عرض لوضعية أهم المرشحين قبيل
يوم الاقتراع.
الرئيس
ولد الطايع:
يعاني
الرئيس ولد الطايع، إضافة إلى الأجواء
غير الملائمة التي تعرضنا لها فيما سبق،
من ضعف المصداقية، بعد أن انقلب نظامه
على الكثير من الشعارات التي كان يجمع
بها الأصوات في الاستحقاقات الماضية،
كالدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية،
خصوصا بعد أن تحدى مشاعر الكثير من
الموريتانيين في موقفه من التطبيع مع
إسرائيل، وفرضه لقانون التعليم الذي
يقلص اللغة العربية في التعليم لصالح
اللغة الفرنسية، واعتقاله
للأئمة والعلماء
دون تقديم أي دليل على إدانتهم، وإغلاقه
للمؤسسات الإسلامية التعليمية
والخيرية.
ورغم
الأرقام المتفائلة التي تصدرها السلطات
عن الحالة الاقتصادية، فإن الانعكاسات
الاقتصادية تبدو متناقضة مع تلك
الأرقام. فالبطالة بين الشباب
تبلغ نسبة 70%، في
الوقت الذي يحس الكثير من الموريتانيين
يوميا بوطأة الأسعار المرتفعة بشكل "ماراثوني"،
في مقابل أجور زهيدة (يتقاضى معلم
المدرسة الابتدائية شهريا حوالي 60
دولارًا، والجندي البسيط أقل من 40
دولارًا).. يحدث ذلك في
جو من الليبرالية المتوحشة.
ويزيد
من الإحساس بالغبن، ما يعاينه
المواطنون يوميا من بذخ لصوص المال
العام، الذين يجوبون الشوارع بآخر
صيحات السيارات الألمانية واليابانية
دون عقاب.
غير
أن لولد الطايع نقاط قوة معتبرة، إذ
استطاع خلال فترة حكمه تكوين طبقة من
شركاء السلطة من رجال الأعمال
المتنفذين، والضباط الكبار، وشيوخ
القبائل. ونظرا للامتيازات الهائلة
التي يحصل عليها هؤلاء من الدولة، فإنهم
يبذلون كل مجهود في سبيل الإبقاء على
الوضع كما هو، حتى يضمنوا استمرار
امتيازاتهم. كما أن الخبرة، التي
امتلكها الحزب الجمهوري الحاكم طوال
سنوات حكمه تعتبر أحد نقاط قوة ولد
الطايع. فنظرا لأن هذا الحزب كان يشارك
-لوحده في معظم الحالات- في
كل الانتخابات، فقد استطاع أن يشكل طبقة
من أصحاب المصالح المرتبطين به في كل
أنحاء موريتانيا. ونظرا للامتيازات
الوظيفية والمالية التي يقدمها الحزب
الحاكم كرشاوى للقيادات المحلية
وذويهم، فإنه بذلك استطاع خلق شبكة
معقدة من القيادات القبلية، التي يتبع
لها الكثير من الأتباع، لأسباب عصبية
وقبلية صرفة، في بيئات يقل فيها الوعي
وترتفع فيها الأمية.
وقد
تقدم ولد
الطايع للموريتانيين في خطب حملاته
الانتخابية، معددا إنجازات قام بها:
فيما يتعلق بتوفير الكهرباء، والمياه
للعديد من المدن، وضمان استقرار البلد
في عالم مليء بالقلاقل؛ مذكراً
بدكتارتورية منافسه الرئيس "محمد
خونا ولد هيدالة"، ومتهما منافسه
الثاني "أحمد ولد داداه" بأنه يعمل
ضد مصالح بلده في الخارج، أما "مسعود"
فهو خطر على الوحدة الوطنية، كما يصفه
أنصار ولد الطايع.
مرشحو
المعارضة:
تمتلك
المعارضة نقاط قوة عديدة، منها الإرث
الثقيل لتسعة عشرة سنة من أخطاء النظام،
ومنها تنوع ناخبي مرشحيها الثلاثة بشكل
يجعلها ترضي الأذواق السياسية
المختلفة، ومنها تحالف كل التيارات
السياسية -دون استثناء- مع مرشحيها؛ هذا
إضافة إلى أن لكل من مرشحيها الثلاثة
ميزات نسبية تضمن له تحقيق نتائج معتبرة.
ومرشح
المعارضة الأكثر حظا هو الرئيس
السابق محمد خونا ولد هيدالة؛ وقد
تقدم إلى الانتخابات الحالية
كرجل إنقاذ سبق له
حكم البلاد؛ وتميزت فترة حكمه بسيادة
الدولة، والعدالة الاجتماعية،
وانعدام البطالة، واستقرار
الأسعار، وثبات سعر العملة الوطنية
"الأوقية" أمام العملات الأجنبية.
كما تم في عهده، تطبيق الحدود الشرعية
وتعريب التعليم، وإن كان حكمه قد شهد
اعتقالات واسعة في صفوف التيارات
القومية "البعثيون والناصريون".
وقد
تقدم ولد هيدالة إلى الناخبين
ببرنامج سياسي، يقوم على نبذ
الحكم الفردي، والاعتراف بأنه كان
العامل الأساسي لكل المآسي التي تعرضت
لها موريتانيا عبر تاريخها؛ وكذلك
تقليص فترة الرئاسة إلى 5 سنوات
قابلة للتجديد مرة واحدة؛ وتعديل
الدستور بشكل يعطي صلاحيات واسعة
للوزير الأول، ويجعله مساءلاً أمام
البرلمان بدلاً من المساءلة أمام رئيس
الجمهورية. وقد تعهد في بيان ترشحه، ألا
يرشح نفسه لفترة رئاسية
ثانية، كما تعهد بتنظيم انتخابات نزيهة
لتسليم السلطة إلى رئيس منتحب
بشكل شفاف.
ويحظى
ولد هيدالة الآن بدعم الإسلاميين،
وكذلك الجناح المعارض من اليساريين،
والبعثيين، والزنوج، ومجموعات مهمة من
الناصريين، و"حركة الحر"، إضافة
إلى مجموعات قبلية من مختلف أنحاء
البلاد.
ويعيب
خصوم ولد هيدالة عليه، أن فترة حكمه
التي دامت 4 سنوات تميزت بحكم صارم وقاس -
وأن السجون في عهده امتلأت بالسياسيين
المخالفين "البعثيين والناصريين".
كما يلمزه آخرون بأنه عسكري، وأن
البلاد لم تَعُد قادرة على تحمل حكم
العسكريين بعدما يقارب الثلاثين سنة من
حكمهم الثقيل. أما أنصاره، فيعتبرونه
الوسيلة الوحيدة المتاحة
القادرة على إزاحة ولد
الطايع عن الحكم. فهو من ناحية، عسكري
سابق، ما يجعل العسكريين مطمئنين
لانتقال السلطة له؛ كما أنه ينحدر من
مناطق الشمال التي
تسيطر على الحكم الحالي، والتي
يصعب أن تقبل تسليم السلطة بشكل
سلمي لشخصية من خارج المناطق الشمالية.
هذا فضلاً عن أن الرجل عاش ما يقارب
العشرين سنة خارج السلطة؛ وهي فترة
كفيلة بتعليمه الكثير من الدروس
المفيدة. كما أن تدينه الطبيعي
يشكل أحد أهم ميزاته، التي أقنعت
الكثيرين بتصديق وعوده
ودعمه في الانتخابات.
أما
مرشح المعارضة الثاني، فهو السيد أحمد
ولد داداه، شقيق
الرئيس الراحل الذي أسس موريتانيا
الحديثة المختار ولد داداه؛ وهو رئيس
تكتل القوى الديمقراطية، أكبر أحزاب
المعارضة في موريتانيا، والخصم اللدود
لولد الطايع منذ انطلاق
المسار الديمقراطي. ويتميز ولد داداه
بامتلاك خبرة لا بأس بها في منازلة
النظام، وخبرة اقتصادية في مؤسسات
دولية -كالبنك الدولي- تؤهله لقيادة
إصلاحات اقتصادية وتنموية، تُعَدّ
البلاد في أمس الحاجة إليها. كما يمتلك
هيكلية حزبية تمثله في جميع أنحاء
البلاد. ورغم هجرة الكثير من التيارات
السياسية عن حزبه، ليستقلوا أو ليدعموا
مرشحين آخرين (اليساريون والناصريون
والإسلاميون)، فإن كثيرين آخرين لا
يزالون يؤمنون بـ"الرئيس المناسب"
كما يلقبه أنصاره.
وكذلك
يحظى ولد داداه بدعم خاص في المناطق
الغربية من البلاد، إضافة إلى أن حزبه
"حزب تكتل القوى الديمقراطية" يضم
شخصيات من الوزن الثقيل من المناطق
الشرقية. وقد أظهر الحزب -خلال حملاته-
أنه يمتلك قدرة تمويلية لا يستهان بها،
مكنته من الوصول إلى أكبر عدد
من الناخبين لعرض
مشروعه الوطني الذي يتأسس على: إدخال
إصلاحات في الدستور مشابهة لتلك
الإصلاحات التي تقدم بها ولد هيدالة،
وضمان ممارسة الحريات، ودعم وترسيخ
الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي،
وإصلاح الإدارة، فضلاً عن مراجعة
المحيط المؤسسي، وخصوصًا في مجالات
الاستثمار والتعليم والصحة والعلاقات
الخارجية، بما في ذلك قطع العلاقات مع
إسرائيل.
أما
مرشح التحالف الشعبي التقدمي السيد مسعود
ولد بلخير، فهو يشكل أمل فئة هامة من
الشعب الموريتاني، وهي فئة الحراطين،
أو "الأرقاء السابقين". ويتميز
مسعود بتركيز طرحه على العدالة
الاجتماعية، ومراعاة ظروف الفقراء
والفئات الضعيفة في المجتمع؛ وهو يحظى
بشعبية كبيرة بين هذه الفئة التي عانت
من عقود من الظلم الاجتماعي والعجز
الاقتصادي. وتكمن قوة مسعود في صدقه في
طرحه، وتاريخه النضالي الطويل في هذا
الصدد. ورغم أن أعدادًا هامة من هذه
الفئة التي تشكل ما يقارب 25% من الشعب
الموريتاني، ستصوت لمسعود بحماس، فإن
أنصار مسعود من الفئات الأخرى لن يكونوا
كثرًا؛ بسبب العنصرية والأعراف
الاجتماعية التقليدية التي تعيق تقدم
التعامل الديمقراطي مع المرشحين بناء
على برامجهم، لا على أصولهم وأشخاصهم.
أما بقية المرشحين -محمد الحسن ولد
الجيد، والسيدة عائشة بنت جدان- فهما
مرشحا تجميل، لا حظوظ لهما في أصوات
الناخبين، إلا ما نقص عن الواحد في
المائة؛ وإن كان ولد الطايع يؤكد في كل
خطابته أن ترشيح عائشة بنت جدان دليل
على تقدم المرأة الموريتانية، ومن ثَم
الديمقراطية الموريتانية.
"تلفيقات"
ما قبل الانتخابات
كانت
توقعات المراقبين قبل إصدار النتائج
بشكل رسمي تكاد تجمع على أنه إذا جرت
الانتخابات بشفافية ونزاهة، فإن أحدًا
من المرشحين الأربعة الأساسيين لن
يستطيع الفوز في الشوط الأول؛ ولكن
الوصول إلى الشوط الثاني سيعني أن
تتحالف المعارضة ضد الرئيس ولد الطايع،
ما يعني إسقاطه. ولكن مراقبين عديدين
نبهوا إلى أن قراءة خطابات ولد الطايع
أثناء حملته، رغم أنها تكشف عن ارتباكه
الشديد وخوفه من فوز متوقع للمعارضة،
فإن ما يمكن فهمه من هذه الخطابات هو أنه
قرر أن يبقى في السلطة، فكيف سيكون ذلك؟
وما هو رد المعارضة في حالة حدوث تزوير؟
هذا هو السؤال الذي طرح بإلحاح قبل يوم
الاقتراع؛ خصوصًا أن السلطات رفضت أن
تستقبل مراقبين دوليين؛ وأعلن ممثلوها
أن لا ضرورة لذلك، قبل
أن تقبل 7 مراقبين أمريكيين فقط،
فيما اعتبرته المعارضة محاولة
لتبرير تزوير متوقع، خصوصًا أن عدد
مكاتب التصويت يزيد على الألفين، على
امتداد رقعة جغرافية تزيد على المليون
كم مربع. فكيف لسبعة أفراد أن يشرفوا على
انتخابات بهذا الحجم؟ ومن ناحيتها،
أكدت المعارضة -في أكثر
من مناسبة- أنها لن تقبل التزوير هذه
المرة، مهما كانت النتائج.
وحتى
اليوم السابق للانتخابات كانت الأمور
تسير بشكل معقول، رغم التحرشات التي
تعرض لها المرشحون أثناء جولاتهم
الانتخابية في الداخل. ولكن المفاجآت
بدأت يوم 6 نوفمبر، قبل الاقتراع بيوم
واحد، حينما كشف حكام المقاطعات عن
إجراءات جديدة، تعتبر تراجعًا عن
التزامات حكومية بضمان الشفافية؛ حيث
أبلغوا ممثلي المعارضة عن عدم إمكانية
اصطحابهم للوائح الناخبين، أو حتى
اصطحاب الهواتف الجوالة؛ وفي بعض
الأحيان، منعوا من اصطحاب حتى الأقلام.
ورغم
أن سلطات وزارة الداخلية عبرت لممثل
حملة ولد هيدالة، أنه لا علم لها
بالإجراءات الجديدة التي اتخذها
الحكام، فإن الداخلية رفضت إعطاء وثيقة
مكتوبة تحدد صلاحيات ممثلي المعارضة.
وبدلاً من ذلك، بدأت بحملة اعتقالات
واسعة، شملت المرشح هيدالة وابنيه، و7
من طاقم إدارة حملته، وبعض أنصاره.
وأعلن رئيس حملة ولد الطايع عن اكتشاف
مؤامرة انقلابية خطط لها ولد هيدالة
ومعاونوه. واعتبرت المعارضة ذلك إعاقة
للانتخابات؛ ولذلك قررت المواصلة في
المشاركة رغم كل تلك المضايقات.
ورغم
أن السلطات عادت وأفرجت في وقت متأخر عن
هيدالة، ومدير حملته إسماعيل ولد أعمر،
فإن بقية العناصر بقوا رهن الاحتجاز.
أما المفاجأة الكبرى، فكانت يوم
الاقتراع، حينما اتضح أن هناك ما
اعتبرته المعارضة "ماكينة تزوير
هائلة" على امتداد التراب الوطني،
وبشكل مكشوف وعلني في مناطق عديدة، في
المدن الكبرى وفي داخل البلاد. ومن ثَم،
كان واضحًا -منذ الساعة الثالثة من
منتصف يوم الاقتراع- أن النتائج ستكون
في صالح النظام، وبشكل ساحق.
النتائج..
"مسخرة انتخابية"
النتائج
الرسمية للانتخابات الرئاسية:
|
المرشحون
|
هيدالة
|
داداه
|
معاوية
|
مسعود
|
مولاي
|
عيشة
|
|
الأصوات |
123.244 |
45.314 |
438.915 |
33.089 |
9.768 |
3.100 |
|
النسبة
المئوية |
18.73% |
06.89% |
66.69% |
05.03% |
01.48% |
00.47% |
لقد
شكلت النتائج التي أعلنتها السلطات
صدمة للجميع. فلأول مرة في تاريخ
الانتخابات الموريتانية، يفوز الحزب
الجمهوري الحاكم في المدينتين الكبريين
"نواكشوط ونواذيبو"، اللتين
كانتا رصيدًا مضمونًا للمعارضة حتى في
أصعب الظروف التي مرت بها. كما أن
مناطق الزنوج الأفارقة الموجودة في
جنوب البلاد -والتي
يعارض سكانها ولد
الطايع ويتهمونه بقتل المئات من
أبنائهم بعد المحاولة الانقلابية التي
قادها ضباط زنوج في نهاية الثمانينيات،
والذين عبروا عن دعمهم الكبير لولد
هيدالة في المهرجانات التي نظموها له
أثناء الحملة الانتخابية- كانت في
معظمها من نصيب ولد الطايع. وكذلك كانت
مناطق قبائل الانقلابيين أيضًا في صالح
ولد الطايع.
لقد
كانت النسبة الإجمالية التي حصل عليها
ولد الطايع مفاجأة كبيرة؛ إذ إنه لم
يستطع الحصول على هذه النسبة في أول
انتخابات في موريتانيا، رغم أنه كان
مدعومًا -حينذاك- بتحالف عريض من
التيارات السياسية والقبائل والجهات.
ولم يكن قد ارتكب أخطاءه الكبيرة فيما
يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، والفرنسة،
واعتقال قادة كل التيارات السياسية
والعلماء الأئمة. بل على العكس، فقد كان
في ذلك الوقت يقدم نفسه كمدافع عن
الهوية، وحام للبوابة الغربية للوطن
العربي، وكصانع للديمقراطية؛ ومع ذلك
فلم يحصل سوى على 63%. فيما حصل منافسه
الرئيس أحمد ولد داداه على 38%، رغم
التجاوزات وعمليات التزوير الواسعة
التي قام بها الحزب الحاكم، في حين لم
يحصل ولد داداه في هذه الانتخابات سوى
على 6.8% من أصوات الناخبين. كما أن مسعود
ولد بولخير، الذي يمثل أمل فئة "الحراطين"
أو الأرقاء السابقين، والذي كشفتت
الانتخابات البرلمانية والبلدية
السابقة عن شعبيته الكبيرة حيث استطاع
أنصاره اكتساح 3 بلديات من بلديات
نواكشوط التسع، لم يحصل في هذه
الانتخابات سوى على 5.8%؛ بل هزم في معظم
التجمعات السكانية التي لا يقطنها إلا
"الحراطون"!.
لقد
استطاعت المعارضة، في آخر استحقاقات
انتخابية، قبل أقل من سنتين، أن تفوز
على الحزب الجمهوري الحاكم في 6 مقاطعات
من مقاطعات نواكشوط التسع، كما أن
المقاطعات التي فازت فيها المعارضة هي
المقاطعات ذات الثقل السكاني. أما
النتائج، المعلن عنها الآن في هذه
الانتخابات، فقد فاز فيها ولد الطايع
بثمان مقاطعات من أصل تسع.
وقد
اعتبرت المعارضة هذه النتائج "مسخرة
انتخابية"؛ وأعلنت أنها تعتبرها
لاغية، وطالبت بانتخابات شفافة وفي
ظروف ملائمة ومتفق عليها من جميع
الأطراف. كما عبر قادة المعارضة الثلاثة
"هيدالة- ولد داداه- مسعود" عن
تصميمهم على مقاومة هذه التصرفات بكل
السبل، مع الحفاظ على السلم الاجتماعي
وعلى الوحدة الوطنية، وشكلوا لجنة أزمة
لمتابعة الوضع.
وكشفت
انتخابات السابع من نوفمبر أن قراءة
المراقبين لخطابات الرئيس معاوية كانت
سليمة؛ ولكن أحدًا لم يكن يتوقع أن تكون
النتيجة بهذه النسبة الكبيرة جدًّا. فقد
كانت أكثرهم تفاؤلاً يتوقع بأن يكتفي
الحزب الحاكم بنسبة
تزيد قليلاً على
الخمسين، حتى يتفادى مآزق الشوط الثاني.
وبالتالي فلا يمكن تفسير هذه النسبة
الفاحشة إلا بشيء واحد؛ وهو أن السلطات
وجدت الضوء الأخضر من أهم السفارات
الغربية الموجودة في نواكشوط، وخصوصًا
السفارة الأمريكية، خصوصًا أن أهم
أنصار زعماء المعارضة، الرئيس هيدالة،
هم من المغضوب عليهم أمريكيًّا "الإسلاميون
والبعثيون". وكانت السلطات قد
احتفظت بزعيمين بعثيين من طاقم إدارة
المرشح محمد خونا، وهما الدكتور محمد
يحظيه ولد أبريد الليل، والأستاذ دفالي
ولد الشين، منذ اعتقالهما يومًا قبل
الاقتراع، فيما لم تقم باعتقال أي من
الإسلاميين حتى الآن، ربما لأنها
تتهمهم عادة بالإرهاب، ولا تريد ربط
ملفهم باستحقاقات انتخابية ديمقراطية،
وإن كانت ستتفرغ لملفهم فيما سيبدو في
وقت لاحق.
وتكشف
النتائج عن رسائل مقصودة من السلطة إلى
خصومها الأساسيين. فالنسبة المنخفضة
جدا التي حصل عليها مسعود تعتبر رسالة
من السلطة، تقول له فيها: إن فئة
الحراطين التي يتكلم باسمها ليست
مساندة له. أما النسبة التي حصل عليها
ولد داداه -الخصم اللدود لولد الطايع-
فقد كان الهدف منها إعلان موته السياسي،
وأنه لم يَعُد يدعمه سوى محيطه القبلي
والجهوي. أما النسبة الأهم نسبيا، التي
منحت لولد هيدالة، فقد قصد منها أن يتم
تضخيم "داعميه الأساسيين" من
الإسلاميين، حتى يؤكد النظام لحلفائه
الأمريكيين أنه يتعرض لخطر إسلامي
حقيقي لا بد من دعمه لمواجهته.
المستقبل..
بين 3 سيناريوهات
لا
شك أن أجواء الاحتقان السياسي تخيم على
موريتانيا، خصوصا بعد حملة الاعتقالات
الجديدة التي بدأت الأحد 9/11،
والتي شملت حتى الآن الرئيس هيدالة،
ورئيس حملته إسماعيل ولد اعمر، ومدير
تشريفاته السيد محمد الحسن ولد أبات.
كما يتوقع المراقبون أن تطال هذه
الاعتقالات شخصيات معارضة هامة أخرى،
ما سيزيد من حدة الأزمة، داخليا. كما أن
تصميم "تنظيم فرسان
التغيير" المكون من قيادة الانقلاب
الفاشل في 8 و9 يونيو على الصدام، من خلال
بيان نشروه في موقعهم على الإنترنت حين
قالوا: "نعلن التمسك بخيار الصدام
المفتوح مع الديكتاتورية، بهدف محقها
من وجه البسيطة، واستبدالها بتعددية
حقيقية تضمن الحريات العامة، وتمنع
مصادرة الرأي الآخر".. يجعل
الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.
ويمكن
أن نتصور 3 احتمالات لمستقبل الأزمة:
الأول:
قمع المظاهرات والإجراءات
السلمية التي
ستنظمها المعارضة، ورفض مطالبها،
واعتقال قياداتها الأساسية، وفرض حالة
طوارئ غير معلنة حتى تتجاوز الأزمة
فترتها الحرجة، ويبدأ الموريتانيون في
التسليم بالوضع الجديد؛ ويبدو أن هذا هو
الخيار المطروح الآن لدى السلطات.
الثاني:
أن تستمر المظاهرات والاحتجاجات، ورفض
الواقع الذي يحاول النظام فرضه حتى يتم
الاتفاق على حل وسط، مثل الاعتراف
بتزوير النتائج، وتحديد موعد جديد
للانتخابات. وهذا هو الخيار الذي تسعى
المعارضة لفرضه.
الثالث:
تزايد حدة الأزمة من خلال حملة اعتقالات
واسعة وشاملة تقوم بها السلطات، وتدهور
الوضع الأمني من خلال أشكال جديدة من
المقاومة غير السلمية، ما قد يؤدي إلى
تفاقم الوضع، وانفجار حرب أهلية
وانقلابات؛ وهو خيار لا يقبله
الكثيرون، ولكنه مطروح ومتوقع.
إن
الذي يرجح أيًّا من السيناريوهات
السابقة هو بلا شك العامل الخارجي؛
فموريتانيا محكومة بعلاقاتها
الخارجية؛ وقدرة الشعب على
تنفيذ رغباته
محدودة إلى حد كبير؛ وإن كانت
موريتانيا، فيما يبدو، أصبحت بلد
المفاجآت.. ما يجعلنا مطالبين
بالاستعداد لكل الاحتمالات.
تابع
في الموضوع:
اقرأ
أيضاً:
**
أستاذ بجامعة نواكشوط، رئيس تحرير مجلة
"الراية" الوطنية
|