ثنائية "عرب/بربر".. كيف بدأت؟
كانت
السياسة الاستعمارية قد دعمت هذا
التوجه من خلال مقولة: "الأمة
الجزائرية في طور التكوين"، بهدف
تقسيم الشعب الجزائري. وهو الشعار الذي
رفعه في الثلاثينيات "موريس توريز"
(الأمين العام للحزب الشيوعي الجزائري)،
وتبناه سائر الشيوعيين الجزائريين؛
وكذلك ترتد النزعة البربرية إلى سنتي
1946- 1947 بعد شعور الإدارة الاستعمارية
بيقظة الشعب الجزائري إبان مجازر 5 مايو
1945 التي ارتكبتها فرنسا في حق
الجزائريين الذين تمردوا عليها بعدما
أخلفت وعدها بمنحهم الاستقلال إذا ما
وقفوا على صفها في الحرب العالمية
الثانية.
إلا
أنها أخذت منحنى تصاعديا فيما بعد،
ازدادت خطورته بتكريس المقولة السابقة،
واعتبار الجزائر ليست عربية؛ وأن
عروبتها ادعاء باطل يتنكر لوجود
العناصر البربرية والتركية وغيرها -كما
يدعي هؤلاء- وأنه ليس صحيحا ما ينسب
للإسلام من دور أساسي في تحديد الهوية
السياسية الجزائرية. ولأجل ذلك، ينبغي
أن تكون اللادينية هي السائدة في برنامج
"حزب الشعب الجزائري"، على حد
زعمهم.
كانت
تلك خلاصة الأفكار الشيوعية التي
تبنتها العناصر المدسوسة في "فدرالية
حزب الشعب" بفرنسا، والمشبعة
بالثقافة الغربية؛ وعلى رأسهم "رشيد
علي يحيى" الذي استطاع بمعونة أحد
أقاربه الوصول إلى رئاسة تحرير جريدة
"النجم" التي تبنت الطروحات
الشيوعية السابقة.
ساعد
على ذلك رغبة جامحة من إدارة الاحتلال
في التشديد على فكرة مكونات الأمة
الجزائرية، على اعتبار شمال أفريقيا
مهدا للكنيسة، والبربر حماة لها.
واستدعى الاختراق الذي تم في "حزب
الشعب" قيام قيادات الأخير بعملية
تطهير "لفدرالية فرنسا" من العناصر
المدسوسة تلك. وامتد ذلك ليشمل المنظمة
السرية التابعة لـ"حزب الشعب" بعد
إزاحة "حسين آيت أحمد" من قيادتها،
وعلى الرغم من كون "آيت أحمد" قد
سبق أن رفض العروض الاستعمارية السابقة
في استقلال منطقة القبائل، فإن تطورات
أخرى حدثت كانت كافية لاستشعار خطر
التقسيم، وفقا لثنائية "عرب/بربر"
المشار إليها سابقا.
صاحب
ذلك ظهور بوادر انشقاق على الجبهة
الوطنية بعد محاولة إنشاء ما سمي وقتها
بـ"حزب الشعب القبائلي" لولا يقظة
رجالات من داخل منطقة القبائل، وعلى
رأسهم "كريم بلقاسم" (وهو بربري)
لتطويق الأزمة، وهو ما حدا به إلى القول:
"إن النزعة البربرية لا يمكن إلا أن
تضر مساعينا الوطنية، إنها سلاح فتاك
نضعه بأنفسنا بين يدي عدونا الاستعمار.
وفي يوم من الأيام سوف تقودنا هذه
الفكرة إلى التناحر فيما بيننا، نحن
الذين توحدنا عقيدة واحدة". وهو ما
حدث بالفعل في أعقاب حصول الجزائر على
استقلالها عندما وقع الخلاف
الأيديولوجي بين أكثر من تيار، غير أن
ما عُرف وقتها بـ"تمرد 1963" (الذي
قاده رئيس المنظمة الخاصة الأسبق "حسين
آيت أحمد" بسبب خروج النظام الجزائري
عن مبادئ الثورة) كان الأكثر حدة، وإن
كان الدافع وراء ذلك التمرد سياسيا أكثر
منه أيديولوجيا.
وقد
أفضى التمرد المذكور إلى وقوع معارك
دامية بين وحدات الجيش وقوات
المتمردين، بقيادة العقيد "محند
أولحاج" الذي تشيع لـ"آيت أحمد"
الذي كان يهدف إلى قلب نظام الحكم
بالقوة، وعلى الرغم من تحذيرات "كريم
بلقاسم" لهذا الأخير من أن هذا التمرد
لن يفهم إلا بمثابة استدعاء للأزمة
البربرية التي نخرت كيان الحركة
الوطنية فيما سبق؛ فإن هجوم القوات
المغربية على الحدود الجنوبية للجزائر
وقتها فيما عرف بـ"حرب الرمال" جعل
قوات العقيد "أولحاج" ووحداته
القتالية تتناسى خلافاتها مع النظام،
وتعدل عن تمردها المذكور لتعزز جبهات
القتال على الحدود مع المغرب، بعد دعوات
"أحمد بن بلة" المتكررة.
لم
يتوان "آيت أحمد" في العمل على
تكسير مفاصل النظام بعد فشل التمرد؛
فانتقل إلى حرب العصابات إلى أن ألقي في
السجن، وفر بعد ذلك إلى الخارج، وبقي
معارضا يحمل نفس طروحات الستينيات، ألا
وهي فكرة العودة إلى المجلس التأسيسي؛
أي حل المؤسسات المنتخبة، وعمل برلمان
فيه تمثيل لكل ألوان الطيف السياسي.
كانت
وقائع 1980 -أو ما سمي وقتها بالربيع
الأمازيغي- تستدعي إحدى المحطات المهمة
بالنسبة للمطالب الأمازيغية، غير أن
القبضة الحديدية لنظام "بومدين"
أحكمت الطوق على التيار الذي كان يهدف
إلى المطالبة بالاعتراف بالخصوصية
الأمازيغية من خلال ما تم ساعتها في
جامعة "تيزي وزو"، إلا أن تلك
الأصوات سحقتها أحذية العنف الثوري
الخشنة، بعد اقتحام قوات الأمن للحرم
الجامعي. ثم جاءت سنة 1984 ليتبلور المطلب
الأمازيغي في شكل حركة ثقافية.
الحركة
الثقافية الأمازيغية –التي تأرجحت بين
البعد الوطني والانتماء الجهوي الضيق-
استحالت إلى كيان يتنازعه أكثر من طرف،
بعد ظهور التعددية الحزبية في أعقاب
أحداث أكتوبر 1988. فاختار "جمال زناتي"
جناح الموالين لـ"آيت أحمد" (جبهة
القوى الاشتراكية)؛ فيما مثل "فرحات
مهنى" جناح حزب "سعيد سعدي" (حزب
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية)
قبل أن ينشق ليعلن عن تأسيس "الحركة
من أجل استقلالية منطقة القبائل"؛
وهي حركة مشبوهة استفادت من تواطؤ خارجي
ودعم مغربي يمر عبر أياد فرنسية. وهي تعد
بمثابة نسخة مكررة لفكرة "حزب الشعب
القبائلي" التي أوجدها الاستعمار
الفرنسي.
لم
يكن إضراب المحفظة -الذي حدث عام 1995
بخصوص إعلان الرئيس زروال تعميم
استعمال اللغة العربية– لينجح، بعد
استعمال العنف والتهديد المستمر
بالتصعيد من طرف البربر. غير أن معاودة
الكرة عام 1998 -بعد اغتيال المطرب "معطوب
الوناس"- نبأ بأن وراء الأكمة ما
وراءها، بعد اتهام النظام باغتياله لا
سيما أن الجماعة المسلحة التي اختطفته
قد أطلقت سراحه؛ وقد كانت لها القدرة
على تصفيته لكي تستمر الفوضى.
هذا
في الوقت الذي اتهمت فيه أفراد من عائلة
"معطوب" المدعو "نور الدين حمودة"
المحسوب على "حزب سعدي"، بعد أن
تجاوز "الوناس" الخطوط الحمر،
وأصبح يتصرف خارج الإطار الحزبي.
أحداث
2001.. المنبع والمصب
اندلعت
أحداث القبائل بعد مقتل الشاب "ماسينيسا
قرماح" في مخفر للدرك الوطني، في "بني
دوالة" قرب "تيزي وزو" في إبريل
من عام 2001. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت منطقة
القبائل في حركة احتجاجية مستمرة
ومواجهات حادة مع السلطة؛ وبدا أن
الأحزاب السياسية قد فقدت بريقها أمام
تزايد الاهتمام بحركة جديدة، ظهرت على
الساحة لتعوض الحزبين الرئيسين في
المنطقة (جبهة "القوى الاشتراكية"
بزعامة "حسين آيت أحمد"، و"التجمع
من أجل الثقافة والديمقراطية" بزعامة
"سعيد سعدي") ألا وهي "حركة
العروش" التي ينضوي تحت لوائها ممثلو
عشائر البربر العروش.
وكانت
منطقة القبائل -حتى تلك الآونة- تحتكم
إلى ما كان يعرف بنظام الجماعة ذي
السلطة التقليدية، أو ما يطلق عليه
بالتعبير الأمازيغي لفظ "تاجماعت"،
غير أن الأحداث -التي أعقبت عملية
الاغتيال المعروفة- دفعت ببعض التيارات
اليسارية الراديكالية إلى واجهة المشهد
القبائلي، محاولة احتواء الحركة
الجديدة وتسييرها فيما يخدم المصالح
السياسية الضيقة، في مقابل احتدام
الغضب الجماهيري ونزوع حزب "سعيد
سعدي" إلى الانسحاب من الحكومة تحت
حجة رفض المشاركة في حكومة تطلق النار
على المواطنين. وكانت صحيفة "لكسبريسيون"
المقربة وقتها من الرئاسة قد تحدثت عن
تسلل بعض المليشيات المحسوبة على "الحزب
الاشتراكي للعمال"، والتي تلقت
تدريبات في فرنسا، وقامت بصب الزيت على
الحطب المشتعل.
لم
يكن "سعيد سعدي" -الذي أعلن مبايعته
لبوتفليقة في انتخابات الرئاسة السابقة-
مطمئنا إلى مشاركته في الحكومة إلى جانب
أحزاب سياسية من التيار الإسلامي كثيرا
ما نعتها بأوصاف عدة، غير أن تأييده
للوئام ودخوله تحت معطف "رجل الإجماع"
(بوتفليقة) ترك الحزب يعيش تناقضات حادة.
كانت أحداث القبائل كافية لانسحابه من
التشكيل الحكومي، وعودته إلى معسكره
التقليدي في المعارضة، بعد شعوره
بفقدانه لمواقع معتبرة في الشارع
القبائلي، أمام غريمه في جبهة "القوى
الاشتراكية" التي استفادت من مقاطعة
حزب سعدي للانتخابات الأخيرة.
وبين
المقاطعة التي تميل إلى المزايدة
والحسابات الحزبية الضيقة تنازعت
العروش تيارات شتى، شكلت قوام انتماءات
متباينة، دخلت عليها أحزاب أخرى عاشت
فترة كمون، ونزعت إلى العمل السري مثل
"الحزب الاشتراكي للعمال"،
واستفادت من نشاطات الجماعات المسلحة
أيضا، والتي ربطت معها علاقات تحالف
موضوعي بحكم عدائها التقليدي للنظام من
جهة، وتواطأت مع أطراف داخلية وخارجية
لها مصلحة، إما في لَي ذراع السلطة أو في
تعفين الوضع من جهة أخرى.
واستحالت
القضية البربرية إلى عملية انسداد في
الأفق، مع ميل الأطراف الممثلة للعروش
إلى التشدد والمطالب التعجيزية، التي
تلزم السلطة بالرضوخ إلى الأمر الواقع.
وبين الشد والجذب بين أجنحة العروش
المتناسلة، حسب التأثير السياسي
والتأطير الحزبي، مثلت دعوة السلطة
للحوار مع تنظيمات العروش حجر عثرة أمام
أي مزايدة، فيما بدت مطالب "لائحة
القصر" (التي سنذكرها فيما بعد) قاب
قوسين أو أدنى من التحقق، في ظل حسابات
الاستحقاقات القادمة؛ وهو ما أفرز
تناقضات عدة بين تنسيقيات العروش التي
لم تتخلص من رواسب "البوليتيك".
عروش
البربر.. الشجرة التي تغطي الغابة
ظهرت
"حركة العروش" في شكل حركة تمردية،
بدأت في "بجاية" بتاريخ 22 نيسان
إبريل من عام 2001 في صيغة ما، كان يعرف
وقتها باللجان الشعبية التي تم إنشاؤها
حينذاك من طرف "الحزب الاشتراكي
للعمال" (التشكيل السياسي التروتسكي)
الذي تم حله بموجب التعديل الدستوري
الأخير لعدم استيفائه الشروط القانونية.
وكان
"صادق أقرور" -الأستاذ بجامعة "بجاية"-
قد أشرف على تشكيل اللجان التي كانت
خاضعة بشكل مباشر لقيادة الحزب، في
أعقاب اغتيال المدعو "ماسينيسا" من
طرف أحد رجال الدرك في "بني دوالة"
قرب "تيزي وزو"، بعد أن اكتشف ذاك
"الدركي" أن ابنته كانت ضحية
اعتداء لاأخلاقي من طرف الشاب "ماسينيسا"
الذي سوقت الصحافة الفرانكفونية صورته
بشكل مغاير، وشنت على وزير الداخلية "نور
الدين يزيد زرهوني" حملة شعواء بعد
وصفه "ماسينيسا" بالصعلوك.
وألهبت
تصريحات "زرهوني" وقتها المشاعر
المتحفزة للبربر الذين دخلوا في
مواجهات دامية مع رجال الدرك، رفعوا
بعدها جملة مطالب تمت صياغتها في 12
يونيو 2001، وهو التاريخ الذي اجتمع فيه
كل من "علي غربي"، و"صادق أقرور"،
و"مالك بخوش"، و"كريم حداد" في
مدرسة أبركان الابتدائية بالقصر لصياغة
ما أصبح يعرف بعدها "بأرضية القصر"
التي تحمل 14 مطلبا أهمها:
-
ضرورة رحيل فرق الدرك الوطني عن المنطقة.
-
الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية
ورسمية.
-
الإفراج الشامل عن جميع المعتقلين.
-
إلغاء كل المتابعات القضائية.
-
عدم دفع مستحقات الكهرباء والغاز وتولي
الدولة دفعها للشركة المعنية.
-
إعفاء التجار من الضرائب نتيجة الأضرار
التي لحقت بهم بسب الأحداث.
-
إدماج العمال المقصيين من مناصبهم بسبب
تعاطفهم مع عملية الاحتجاج.
وبخلاف
"علي غربي" -المحسوب على جبهة "القوى
الاشتراكية" والذي سبق له أن ترشح في
انتخابات سابقة في حزب إسلامي- فإن باقي
الأعضاء ينتمون إلى "الحزب الاشتراكي
للعمال" ذي الميول المتطرفة. وكان
الحزب يعتقد أنه قد ضمن تمثيل البربر
بهذا الشكل، إذ بعد صياغة "أرضية
القصر" كان ينتظره تسليم لائحة
المطالب إلى الرئاسة، غير أن المسيرة
التي كان من المفترض أن تعبر سلميا عن
مطالب الحشود الضخمة التي التقت في
الجزائر العاصمة، انتهت إلى مواجهة
دامية مع رجال الأمن، استعملت فيها
العصي والحجارة في مواجهة الشرطة التي
منعت أنصار "سعيد سعدي" الذين
قاموا بإجهاض المسيرة، بعد أن عملوا على
تغيير وجهتها، رغبة منهم في تفويت
الفرصة على أنصار "صادق أقرور"
وتحريف الحركة الاحتجاجية (حركة العروش)
عن مسارها، بعد أن انتهت إلى عمل تخريبي
سافر، طال ممتلكات عمومية وأشخاصا
كُثرا، وأدى إلى حدوث اشتباكات مع سكان
بعض أحياء العاصمة من ذوي الأصول
العربية.
ربما
كانت السلطة تحدوها الرغبة في ترك الحبل
على الغارب لإثبات انحراف الحركة
الاحتجاجية عن مسارها، فضلا عن مآرب
أخرى. لكن حزب "حسين آيت أحمد" ضرب
موعدا آخر مع الشارع، وعاد بعد ذلك
بأسبوع، كي يثبت وجوده بعد أن أصبحت
تتهدده حركة العروش في سياق تنافس محموم
على تمثيل المنطقة. وقد بقيت الأحزاب
الرئيسية في منطقة القبائل، على الرغم
من مضي أكثر من عقد من الزمان، رهينة
انتماء جهوي عرقي ضيق، لم تستطع -على
الرغم من الإمكانيات المتاحة- أن توسع
من دائرة انتشارها في باقي القطر
الجزائري.
لكن
(الأفافاس)، أي حزب "آيت أحمد"، ظل
يدفع عنه هذه الشبهة من خلال رفع
المطالب السياسية التي تعبر عن
انشغالات تتعدى خصوصية المنطقة، دون أن
يتنازل عن مطالبه التقليدية المتعلقة
بالهوية. وفي الوقت الذي يزايد فيه
الحزب على باقي التيارات الأخرى في مجال
الحريات العامة والفردية، يتخذ مواقف
أخرى مناقضة لما جرت عليه أدبيات الحزب،
كما هو الشأن بالنسبة لموقفه بعد فوز
جبهة الإنقاذ في الانتخابات التشريعية
التي جرت عام 1991، عندما سير "آيت أحمد"
مسيرة رافضة، على حد قوله، للدولة
البوليسية والدولة الأصولية معا. وعلى
الرغم من مواقفه التي يستلهمها عادة من
أفكار الأممية الاشتراكية، فإنه دخل في
تحالف موضوعي مع السلطة بعيد أحداث
القبائل، ضمنت له تمثيلا مقبولا على
الأقل على حساب منافسه الأكبر، في ظل
تنامي الاهتمام بحركة العروش التي
أرادت سحب البساط من تحت أقدام "آيت
أحمد" و"سعدي" تحت وقع المهماز
السلطوي، الذي يرمي إلى ضرب أكثر من
عصفور بحجر واحد.
يرى
الأفافاس أن أزمة القبائل هي أزمة
سياسية بالأساس، وأن العروش في هذا
المقام حركة غير سياسية؛ لذلك يعتبر أن
الحوار الذي سيتم معها حوارا خاطئا؛ لأن
الأزمة معقدة. ويرى أيضا أن السلطة تريد
أن تحولها إلى أزمة خاصة بمنطقة
القبائل؛ لذلك فإن فكرة الحوار هي مجرد
مناورة سياسية من رئيس الحكومة والنظام
السياسي من أجل تخطيء الرأي العام
الوطني والدولي؛ لأن ما حدث ليس مجرد
مسئولية درك بل مسئولية نظام بأكمله.
"العروش"
بين المطالب الجهوية والبعد الوطني
تباينت
الرؤى حول اليد الخفية التي تقف خلف
تنظيم حركة العروش، غير أن الملاحظين
يجمعون أن خميرة السلطة تفوح من طبخة
حضَر لها "لحسن سرياك" الموظف
السامي القبائلي في وزارة الداخلية.
وفيما يجنح آخرون إلى القول بأن الحركة
كانت بمثابة إرهاصات، صاحبت أحداثا
تحولت من عفوية إلى مفتعلة بفعل
التصعيد، يكون الغرض منها الإطاحة
بالرئيس بوتفليقة بعد خلافات حدثت وسط
سرايا الحكم، وبالضبط داخل النواة
الصلبة للنظام التي مؤداها إعفاء بعض
النافذين من مهامهم في إطار استخلاص
الرئيس لمجمل الصلاحيات لنفسه، وضمان
الولاء الذي يجدد له البقاء في الحكم
لعهدة ثانية. غير أن البعض يذهب إلى
القول بأن الحركة، التي نشأت على أنقاض
نظام الجماعة، إنما جاءت لتقضي على بعض
التقاليد التي عرفت في المنطقة، على
اعتبار أن العرف القبائلي الشائع يميزه
الاستناد إلى سلطة دينية قوامها نظام
"تاجماعت" الذي يضم أعيان المنطقة،
بما فيهم الأئمة وشيوخ الزوايا
والمؤسسات الدينية، رغبة في تجاوز سلطة
الديني من خلال إيجاد تنظيم موازٍ يخلف
"تاجماعت"؛ على اعتبار أن القائلين
بهذا من فلول "الحزب الاشتراكي
للعمال" و"الأحزاب العلمانية"
الأخرى إلى جانب الحركة الثقافية
البربرية. وهو ما حدث لاحقا، حيث تم
اختراق حركة العروش من طرف "الأرسيدي"،
أي حزب "سعدي"، عندما انحرفت
المطالب التي تم رفعها سابقا، وسقطت في
أتون الجهوية المفضوحة، واقتربت من
ممارسة النشاط السياسي الذي تنصلت منه
فيما سبق.
وكان
لقاء "فريحة"، الذي تم في 22-9-2001 بـ"تيزي
وزو"، بداية للاشتباك السياسي، عندما
تم رفع شعار "أولاش السماح"، وهو ما
فهم على أنه إشهار لورقة العروش في وجه
المصالحة الوطنية؛ تلا ذلك مقولة "المعركة
ستتواصل"، وتخصيص المطالبة بتنمية
استعجالية تستفيد منها منطقة القبائل
وحسب، بعد أن كانت تنمية تشمل الوطن ككل.
لقد استشعر بعض الأعضاء الانحراف الذي
طال تنظيم العروش بعد احتواء سافر من
قبل "الأرسيدي"، الذي استغل فرصة
اعتقال "علي غربي" ليتم تعيين "زهير
بن خلاط" في "بجاية"، و"رابح
بوستة" عضو مجلسه الوطني مراسل صحيفة
"لو سوار" في "بومرداس". وصاحب
ذلك دخول أطراف مشبوهة على الخط،
واستغلال حالة الاحتقان من قبل البعض،
وهو ما عكسته تصريحات وزير الشئون
الدينية الذي أفصح عن وجود عناصر من
المخابرات الفرنسية تتولى عملية
التنصير في المنطقة.
استحالت
حركة العروش إلى تنازع حزبي ضيق.. أدى
إلى ظهور جيوب، وانقسامات داخل
تنسيقيات الولايات المعنية؛ وهو ما دفع
"علي غربي" إلى الانسحاب وتأسيس
"حركة المجتمع المدني" في "بجاية"،
فيما ظهر "بلعيد أبريكا" الوجه
المتشدد في تنسيقية العروش لـ"تيزي
وزو"، المنحدر من ناحية "الأوراس"
والمحسوب على "الأرسيدي"، فيما
بقيت تنسيقية ولاية "البويرة" نهبا
لأكثر من طرف.
وتحول
تنظيم العروش بعد ذلك إلى وعاء، ضم
الكثير من ذوي السوابق والمتورطين في
بعض القضايا الاجتماعية. فـ"أبريكا"
وحده يحتفظ بصحيفة سوابق تضم ما يصل إلى
42 تهمة، على الرغم من استفادته من
إجراءات العفو الرئاسي؛ كما يتنازع
الساحة البربرية أكثر من تيار سياسي
بغطاء عشائري لم يستطع -حتى الساعة-
الخروج من دائرة الانسداد التي تركت
منطقة القبائل تعيش خارج إطار سيطرة
السلطة، لا سيما مع تكرار منع الزيارات
الرسمية التي يقوم بها المسئولون من
الوزراء إلى المنطقة.
ولم
تعف عملية المنع هذه حتى وزير الشئون
الدينية، الذي رفضت العروش دخوله
المنطقة، لولا إفصاحه عن فحوى الزيارة
التي قام بها كإمام وشيخ زاوية، لا
كوزير. وهو المنع الذي طال وزير الصحة
الأسبق الذي لم يدخل المنطقة إلا كجراح
للعظام؛ ولم تستثن الزيارات حتى
المنتخبين المحليين؛ بل إن الحصار امتد
إلى منع إحياء المناسبات الوطنية.
وفيما
تبقى منطقة القبائل تعيش حالة من الفراغ
والنزاع القاتل، توالدت الحركات
السياسية والانفصالية، ببروز حركة
بقيادة "فرحات مهنى"، رافعا راية
الاستقلالية في مزايدة بالخصوصية
الثقافية، مستوحيا من مقاطعة "كيبك"
في كندا نموذجا للاقتداء، في غضون هجوم
حاد من "علي غربي" الذي يطالب
بمحاكمة "فرحات" لقاء ميوله
الانفصالية، بل وإعدامه. وفيما تبقى
المنطقة تعيش على وقع المطالب القديمة
المتجددة، يبدو أن دعوة الحوار يلزمها
الكثير من الوقت، كي تجد لها آذانا
صاغية بإمكانها تجفيف منابع العنف،
وتطبيع الحياة السياسية في المنطقة، في
ظل تسابق محموم على كسب الولاءات على
حساب شرائح اجتماعية مسحوقة، لم تكن
لتعير اهتماما كبيرا لنقاش سياسي.. لا
يفضي بالضرورة إلى حل مشاكل تنموية
تكتسح أكثر من منطقة في الجزائر.

اقرأ
أيضًا:
|