|
|
الرئيس المصري مبارك |
إذا
كان مؤتمر الحزب الوطني الحاكم في مصر عام 2000
قد انتهى إلى تغييرات هامة في الشخصيات
القيادية في الحزب لصالح الحرس الجديد، وتنحي
قسم من الحرس القديم؛ فقد انتهى مؤتمره العام
الحالي بإعلان تغييرات أكثر أهمية في "السياسات"
التي سبق أن تولى مسئولية إدارتها هذا الحرس
الجديد، وعلى رأسه نجل الرئيس المصري مبارك
"جمال مبارك".
بل
إن هذا التغيير "المعلن" في السياسات -الذي
يصعب تقييمه قبل اختبار مصداقية تنفيذه-
اقترن بعدة خطوات وسياسات قد تكون مؤشرا على
نية التنفيذ؛ من قبيل:
-إطلاق
سراح عدد معتبر من أعضاء الجماعة الإسلامية
المصرية، بمن فيهم زعيم الجماعة.
-
إلغاء "بعض" الأوامر العسكرية التي
أصدرها الرئيس المصري منذ عام 1981 بموجب قانون
الطوارئ؛ وذلك تماشيا مع شعار مؤتمر الحزب
"حقوق المواطن"، أو كنوع من تحسين
العلاقة بين المواطن والدولة، كما قال د.
مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية
بالبرلمان المصري.
-
الحديث عن بدء "حوار وطني" مع الأحزاب
السياسية المصرية، وإعداد "ميثاق شرف"
يجمعها، وتحديث قانون الأحزاب وقوانين
النقابات المهنية.
-
إعداد مشروع قانون تعديل الجنسية، يسمح لآلاف
المصريات المتزوجات من أجانب بإكساب أبنائهن
الجنسية المصرية.
ونشير
هنا إلى أن الرئيس مبارك قال في كلمة في
افتتاح أعمال المؤتمر السنوي للحزب: "إن
مؤتمرنا السنوي هذا العام يعتبر أول اختبار
عملي لمدى صدق نياتنا وجدية عملنا نحو
التطوير والتحديث"؛ وهو ما يؤكد إدراك
مبارك أن التنفيذ بدأ، وربما تقابله عقبات.
وبشكل
عام يبدو من سياق مؤتمرَيْ عامَي 2002 و2003 أن
هناك اتجاها رسميا واضحا يؤيده رئيس الحزب
رئيس الدولة "مبارك" نحو التغيير من جهة،
وتصعيد جيل الحرس الجديد داخل الحزب من جهة
أخرى، وترسيخ أقدامه عبر تنفيذ السياسات التي
وضعها على مدار العام الماضي عبر "لجنة
السياسات" التي تم إنشاؤها العام الماضي
برئاسة نجل الرئيس "جمال مبارك"،
والمرشح لمنصب الرئيس القادم، خصوصا عقب
ترسيخ أقدامه في مؤتمر الحزب الأخير.
صحيح
أنه لا يمكن الحكم على نتائج المؤتمر الأخير
بدون مرور عام آخر على الأقل، تظهر فيه نتائج
وتطبيقات هذه السياسات، وصحيح أن هناك آراء
تشير إلى أن وضع شعار "حقوق المواطن"
لمؤتمر يهدف إلى امتصاص غضب المصريين
الناقمين على ارتفاع الأسعار بشكل جنوني
وزيادة البطالة هذا العام.. ولكن السرعة
المعلنة في إصدار بعض القرارات التي تمس
المواطن ومواكبة أحداث داخلية أخرى لقرارات
المؤتمر، تشير ربما إلى بدء تطبيق هذا "الفكر
الجديد" الذي رفع الحزب الحاكم شعاره منذ
عام 2002.
فجمال
مبارك دعا في كلمته بالجلسة الافتتاحية 26-9-2003
إلى إيجاد "حل لمشاكل الممارسة
الديمقراطية"، وإعادة النظر في قوانين
الجمعيات الأهلية (التي أثارت جدلا)، ودعا إلى
ترسيخ حقوق الإنسان، ورفع القيود عن الأحزاب،
كما طالب "بضرورة وضع إطار تشريعي جديد
ينظم ويحرر الحركة التعاونية في مصر، ويرسخ
استقلالها، ويرسي الممارسة الديمقراطية
داخلها".
والرئيس
مبارك دعا إلى تعديل قانون الأحزاب السياسية
لإزالة العراقيل من أمامها وتفعيل الحياة
السياسية، كما أعلن إلغاء الأوامر العسكرية
الصادرة بموجب قانون الطوارئ.
كما
أن ما أعلنه الرئيس المصري بشأن ميثاق شرف مع
أحزاب المعارضة وتحديث قانون الأحزاب
السياسية يبدو مؤشرا على وجود توجه داخل
الحزب الحاكم إلى بناء الجسور مع أحزاب
المعارضة من أجل التشاور بشأن القضايا
الوطنية، خصوصا مع تدني شعبية الحزب الحاكم
بفعل تدهور الأسعار، وتدني المرتبات
والتدهور الاقتصادي (البنك الدولي يضع مصر في
المرتبة 63 بين دول العالم من حيث الفساد
الاقتصادي، وهي مرتبة وسط بين قائمة الدول)،
وبالتالي الرغبة في إظهار التحرك لإرضاء رجل
الشارع المصري.
بل
إن بعض المحللين فهم دعوة الرئيس المصري لـ"ميثاق
شرف" بين الأحزاب على أنها إشارة لاستعداد
الحزب الحاكم لمشاركة الأحزاب الأخرى له في
السلطة، خصوصا في ظل التحديات الإقليمية
والدولية التي تواجهها مصر، ومحاولات
الولايات المتحدة سحب الدور الرائد لمصر في
المنطقة العربية، والهجوم عليها (نواب في
الكونجرس قدموا مذكرة بمحاسبة مصر لمواقفها
بشأن حرب العراق على غرار مذكرة محاسبة سوريا).
الحرس
الجديد يكسب أرضا
ويمكن
من قراءة نتائج مؤتمر الحزب الوطني الأخير أن
نشير إلى عدة أمور هامة، منها:
أولا-
أن المؤتمر عزز مكانة الجيل الجديد في
الحزب ورسخ أقدامه، وأكسبه أرضا جديدة تمكنه
من صنع القرار بحرية كبيرة.. ليس فقط لأن قائد
هذا الجيل الجديد هو نجل الرئيس المصري، ولكن
لأن أمين لجنة السياسات بالحزب التي تصدر
القوانين وتراجع ما يصدر منها هو أيضا ابن
الرئيس. والمؤتمر وافق على برنامج هذا الجيل
للإصلاح السياسي والاقتصادي.
ثانيا-
أن المؤتمر عزز الأقوال عن احتمالات توريث
السلطة في مصر لابن الرئيس، ولكن مع فارق
جوهري قد يتمثل في انتخاب الابن مستقبلا بشكل
ديمقراطي دستوري وليس فرضه (على الطريقة
السورية). ونشير هنا إلى ملاحظة مراقبين منذ
اليوم الأول للمؤتمر إفساح الرئيس المصري
لابنه على غير المعتاد، وعدم حضوره إلا في
اليوم الثالث للمؤتمر، وتصدر ابنه الطاولة
الرئيسية للمؤتمر بقية الأيام بشكل يمكّنه
مستقبلا من مواصلة صعوده السلم السياسي!
وقد
أبلغ جمال مندوبي الحزب الحاكم أن الحزب جاد
في فتح الباب أمام الحوار، وأن الديمقراطية
من بين القضايا الأساسية في البرنامج الجديد
للحزب.
ثالثا-
أن المؤتمر بعث برسائل عملية إلى الولايات
المتحدة -راعية برنامج التغيير الديمقراطي في
المنطقة العربية بعد 11 سبتمبر- بأن المسيرة
الديمقراطية متواصلة، وأن هناك تقاطعا بين
الرغبات الأمريكية في الإصلاح والرغبات
المصرية الداخلية، وأن قيام مصر بإلغاء عقوبة
الأشغال الشاقة، ثم تشكيل المجلس القومي
لحقوق الإنسان، تبعته خطوات أخرى مثل إلغاء
الأوامر العسكرية لقانون الطوارئ، وإزالة
العقبات من أمام الأحزاب السياسية، وتفعيل
العمل الأهلي المدني، وتحديث سياسات الإنتاج
والتصدير، وغيرها. وهو ما يعني استجابة مصر
للمطالب الأمريكية من الدول العربية بتغيير
سياساتها غير الديمقراطية التي تنتج ناقمين
على الغرب وأمريكا، ومن ثم إقناع رجل القرار
السياسي في واشنطن بالحاجة إلى استمرار الدعم
والمساندة الاقتصادية لمصر.
وربما
تنبع أهمية هذه النقطة تحديدا من أن جمال
مبارك قاد فريقا سياسيا مصريا لزيارة أمريكا
في شهر أغسطس الماضي، ناقش فيه مع غالبية
المحافل الرسمية وغير الرسمية الأمريكية
تفاصيل دقيقة عن المؤاخذات الأمريكية على مصر.
رابعا-
أن المؤتمر سعى لبعث رسائل عديدة لرجل الشارع
المصري الغاضب؛ تبدأ من إقناعه بأن الحزب
تغير، وأن هناك "فكرا جديدا"، إلى الحديث
المباشر عن ضبط الأسواق، وتحسين السياسات
الاقتصادية، وتوفير السلع... حتى إنه قيل: إن
الرئيس المصري أعطى مهلة للحكومة المصرية كي
تنفذ توصيات المؤتمر التي سبق أن تحدث معها
بشأنها.
وقد
أشار الرئيس مبارك في ختام المؤتمر إلى الوضع
الاقتصادي المتأزم في مصر، ووجه تحذيرا شديدا
لـ"كل من تسول له نفسه التلاعب بأقوات
الشعب وبالأسعار"، مشيرا إلى اتخاذ الدولة
سلسلة من الإجراءات التي "تحمل ميزانية
الدولة أعباء جديدة"؛ من أجل السيطرة على
الأسعار وتوفير السلع الأساسية لكل مواطن.
خامسا-
أن المؤتمر واكبه صدور قرارات بإطلاق سراح
زعيم الجماعة الإسلامية كرم زهدي، وإطلاق
سراح ألف آخرين من الجماعة؛ وهو ما يعد مؤشرا
آخر -مع الحديث عن إزالة العقبات عن طريق
الديمقراطية والأحزاب- لفتح الباب أمام
التكهنات الخاصة بالسماح بقيام قوى سياسية
أخرى، خصوصا من الإسلاميين المحجوبين عن
ممارسة العمل السياسي، ربما منها السماح بـ"جمعية
أهلية" ذات صبغة سياسية للجماعة الإسلامية،
تحت مسمى آخر، حسبما طالب قادة الجماعة في وقت
سابق، وربما السماح بأحزاب ذات طبيعة إسلامية
(غير جماعة الإخوان في الأغلب) من تلك التي
تقدمت بأوراقها للجان الأحزاب، وتم رفضها.
الإصلاح
السياسي يبدأ من الحزب الحاكم!
وما
يؤكد أن هناك نية باتجاه التغيير الديمقراطي
في رأي مراقبين أن جمال مبارك أمين أمانة
السياسات في الحزب الوطني الحاكم فجر مفاجأة
من العيار الثقيل في مؤتمر الحزب الحاكم في
مصر، حينما كشف عن أن الورقة التي أعدتها لجنة
السياسات التي يتولى أمانتها تتضمن رؤية
شاملة للإصلاح السياسي والثقافي في مصر.
فقد
حملت الورقة عنوان "حقوق المواطنة
والديمقراطية"، شدد فيها على أن الرؤية
المقدمة في هذه الورقة تنطلق من تحليل للوضع
الراهن، وما تحقق من إنجاز على مدار السنوات
العديدة الماضية في مجالات الإصلاح المختلفة،
احتل فيها الإصلاح السياسي والمؤسسي
والثقافي نفس الأولوية التي أخذها الإصلاح
الاقتصادي والاجتماعي.. وتنطلق هذه الرؤية
أيضا من تحليل واقعي لبعض المظاهر والآثار
السلبية التي لم ينجح هذا التحول في التعامل
معها بعد. ودعا جمال مبارك في كلمته إلى تحديد
مفهوم جديد للمواطنة، يحدد العلاقة بين
المواطنين والدولة، والعمل على ترسيخ ثقافة
حقوق الإنسان، وإقامة علاقة جديدة بين الشرطة
والشعب، وإعادة النظر في قانون الأحزاب
السياسية، ورفع القيود عن حركة الأحزاب
والنقابات المهنية.
وقال:
إن ورقة النقاش تحدد 4 أهداف عامة في مسيرة
الإصلاح السياسي والمؤسسي والثقافي، تتمثل
في:
1
ـ إحياء مفهوم المواطنة، وتحديث بنية العلاقة
بين المواطن والدولة.
2
ـ توفير العدالة الناجزة السريعة للمواطنين.
3
ـ تحديث البنية الثقافية.
4
ـ تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في مسيرة
الإصلاح.
واللافت
هنا أن هناك خلافا أزليا بين الحزب الحاكم
وأحزاب المعارضة المصرية بشأن أولوية
الإصلاح؛ ففي حين ظل الرئيس المصري مبارك
يؤكد على إعطاء الأولوية للإصلاح الاقتصادي
ويؤخر السياسي، كانت أحزاب المعارضة تدعو
لعكس الأولويات، والبدء بالإصلاح السياسي.
أما ورقة جمال مبارك فوازنت بين الأمرين،
وأخذت بمبدأ الإصلاح السياسي والاقتصادي معا.
ولا
شك أن هذا تطور كبير في خطط الحزب لو جرى
الشروع في تنفيذه، وسهلت الأجهزة
البيروقراطية والحرس القديم الرافضة للتغيير
نقله على أرض الواقع.. لأمكن الحديث عن "فكر
جديد" يسير عليه الحزب.
تحديات
وعراقيل
وبعيدا
عن التمنيات والنوايا الطيبة يبدو أن هناك
تحديات أو عراقيل ربما تواجه تطبيق هذا الفكر
الجديد، يمكن أن نرصد بعضها فيما يلي:
1-
إن الحديث عن تطبيق نصفي للقرارات المتعلقة
بحقوق الإنسان قد يكون أكثر ضررا ولا يحل
المشكلة الأساسية، وعلى سبيل المثال جرى
الإعلان عن إلغاء الأوامر العسكرية التي صدرت
بموجب قانون الطوارئ، ولكن قيل: إن ما صدر
منها متعلق بشئون الأمن سيظل بدون إلغاء،
ورغم أن الرئيس مبارك لم يحدد بوضوح فحوى هذا
الإلغاء أو ما يشمله من قرارات؛ فإن قرارات أو
"أوامر" الحاكم العسكري تتعلق عادة
بنوعين من القرارات:
"الإدارية":
مثل إزالة المناطق العشوائية السكنية التي
تقام على الأراضي الزراعية، وحظر تلقي
التبرعات من جهات أجنبية... وغيرها، وهذه هي
المقصودة بالإلغاء غالبا.
و"الأمنية":
المتعلقة بالمحاكم العسكرية التي يجري
تشكيلها للإسلاميين، سواء من الجهاد أو
الإخوان، وهذه عمليا ستظل موجودة؛ ما يسلب
القرار جانبا من أهميته في حفظ "حقوق
المواطنة".
2-
إن الإصلاحات الديمقراطية المنشودة سوف تأتي
في نهاية المطاف بقوى إسلامية إلى صناديق
الانتخابات، كما ستأتي بأصحاب رؤوس الأموال
القادرين على الإنفاق على الدعاية
الانتخابية، وهما عقبتان أمام هذه الإصلاحات
من وجهة نظر الحكومة، ولن تسمح بهما (الرئيس
المصري مبارك أبدى تخوفه من وصول الإخوان
للحكم في حالة إجراء انتخابات حرة في لقاء مع
صحيفة واشنطن بوست 23 مارس 2003).
3-
إن استمرار الحزب في تنفيذ السياسات الجديدة
يتطلب إلغاء البيروقراطية المصرية العتيقة،
وهو أمر يصعب حدوثه، خصوصا في ظل استمرار وجود
الحرس القديم في مناصب هامة، كما أن هناك عقبة
كبيرة أخرى في الحزب الوطني الحاكم نفسه
تتمثل في هيكليته وتركيبته التي تمتد إلى
الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) التي تصعب
عملية التحول الديمقراطي بدون أن يبدأ بنفسه.
4-
إن التطور الديمقراطي وإزالة العراقيل بشأن
ظهور أحزاب جديدة، معناه أن تظهر أحزاب
حقيقية تعبر عن القوى السياسية الحقيقية، أيا
كان الخلاف الرسمي والموقف منها، وهذه القوى
بشكل أساسي تتمثل في التيارات الإسلامية
المختلفة (إخوان - جماعة إسلامية – الوسط...)،
إضافة إلى القوى اليسارية، وهذه غير مسموح
لها أصلا بإنشاء أحزاب لأسباب دينية، ومن ثم
ستظل العقبة كما هي، وستظل هناك قوى سياسية
فاعلة محرومة، مقابل أحزاب لا تعبر عن أي قوي
سياسية!
اقرأ
أيضًا:
**
محلل الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت
|