 |
|
عملية القدس مثلت نقطة تحول عقدت الحسابات |
تعاقبت
التقلبات الدرامتيكية في شهري تموز/ يوليو
وآب/ أغسطس على مجرى أحداث الانتفاضة بشكل
ينذر بعودة الأمور إلى المربع الأول.
فعلى
الرغم من أن إسرائيل لم تكن طرفا في الهدنة
التي تم التوصل إليها في آخر يونيو 2003
بالوساطة المصرية، فإنها فتحت الطريق أمام
اتفاق "غزة- بيت لحم أولا"، الذي يقضي بأن
تقوم إسرائيل بإعادة انتشار قواتها في قطاع
غزة ومدينة "بيت لحم" إلى النقاط التي
كانت تتمركز فيها قبل اندلاع الانتفاضة في 28
سبتمبر 2000.
كما
أن الجميع -بمن فيهم الوسطاء المصريون-
اعتقدوا أن على إسرائيل أن تعمل على إنجاح
الهدنة من خلال القيام بعدة بوادر تقنع أبناء
الشعب الفلسطيني -فضلا عن فصائله المقاومة-
بأن الرهان على الهدنة يؤتي أكله. وهنا تجب
الإشارة إلى تطور مهم يتمثل في رفض "كتائب
شهداء الأقصى" -الجناح العسكري لـ"فتح"-
الالتزام بالهدنة. صحيح أن أطرافا من "فتح"
-متماثلة مع موقف حكومة أبو مازن الذي هو في
الأساس عضو اللجنة المركزية للحركة- قامت
بإصدار بيانات تحمل توقيع "كتائب شهداء
الأقصى"، وتؤكد التزامها بالهدنة، إلا أنه
سرعان ما تصدر بيانات أخرى تنفي صحة نسبة هذه
البيانات إلى "كتائب شهداء الأقصى".
إسرائيل
تدوس الهدنة
منذ
اليوم الأول لإعلان الهدنة حرصت الحكومة
الإسرائيلية وهيئة أركان جيش الاحتلال على
خرق الهدنة بشكل منهجي. وهنا تتوجب الإشارة
إلى نقطة مهمة، وهي أن الحكومة الإسرائيلية
أعلنت منذ البداية أنها ليست طرفا في الهدنة،
وبالتالي فهي غير ملزمة بالاستجابة للشروط
التي وضعتها "حماس" و"الجهاد الإسلامي"
من أجل إنجاحها؛ لذلك واصلت قوات الاحتلال
عمليات المداهمة والاجتياح للمناطق
الفلسطينية، وفرض الحصار عليها، وتقطيع
أوصالها بإقامة الحواجز الثابتة والمتحركة،
فضلا عن مواصلة عمليات الاختطاف والاعتقال
والاغتيال.
إسرائيل
أهملت عن قصد استغلال قرارها القاضي بالإفراج
عن عدد من الأسرى الفلسطينيين، فبدلا من أن
تجعل من هذه الخطوة وسيلة لإقناع الرأي العام
الفلسطيني بالفوائد الناتجة عن الهدنة، جعلت
حكومة شارون من عملية الإفراج مؤشرا آخر إلى
مدى الاستهتار الذي تتعامل به مع الشعب
الفلسطيني وحكومة محمود عباس التي بذلت تل
أبيب وواشنطن كل الجهود من أجل ضمان تشكليها
ونزع الصلاحيات لها من بين يدي الرئيس عرفات.
إسرائيل
أطلقت حوالي 400 معتقل فلسطيني، بعضهم من
المعتقلين على خلفيات جنائية محضة، أما
المفرج عنهم من بين المعتقلين السياسيين فقد
كانوا جميعهم من الذين لم يتبق على انتهاء مدة
محكوميتهم أكثر من شهر، وبعضهم ورد اسمه في
قائمة المفرج عنهم، مع أنه قد أفرج عنه منذ
وقت بعيد، وما ذلك إلا دليل على مدى الاستهتار
الذي تعامل به شارون مع القضية.
المعايير
التي اعتمدتها إسرائيل في عملية الإفراج
استفزت الجمهور الفلسطيني وخيبت أمله، وفي
الوقت نفسه أحرجت حكومة أبو مازن، وكذلك
أحرجت "حماس" و"الجهاد الإسلامي"
اللتين أعلنتا مبادرة تعليق العمليات
العسكرية. هاتان الحركتان شعرتا بضغط
جماهيرهما وعناصرهما الذين أملوا أن يتم
الإفراج عن أسراهم.
وما
زاد الأمور تعقيدا هو الموقف الأمريكي الصارم
الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش أثناء
استقباله لرئيس الوزراء الفلسطيني محمود
عباس في واشنطن عندما أيد المعايير التي
أعلنتها إسرائيل بشأن الإفراج عن الأسرى؛ إذ
اعتبر بوش أن الأمر يتعلق بمجرمين يتوجب أن
يقضوا عقوبتهم في السجن، ولم يكن مستعدا لأن
يستوعب أنه لا يمكن اختزال الأمور بهذا الشكل.
نقطة
تحول فارقة
في
غضون شهر بعد الإعلان عنها، سجلت كل من السلطة
الفلسطينية و"حماس" مئات الخروقات
الإسرائيلية للهدنة. ممثلو السلطة
الفلسطينية أطلعوا ممثلي الولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي ومصر على هذه الخروقات،
لكن أحدا لم يقنع دولة الاحتلال بوجوب وقفها،
وبدلا من ذلك كثفت قوات الاحتلال من
اعتداءاتها تحت المبرر نفسه، وهو أنها غير
ملزمة بالهدنة؛ لأنها لم تكن -ولن تكون- طرفا
فيها.
نقطة
التحول الفارقة كانت عندما قامت وحدة
إسرائيلية خاصة باغتيال اثنين من عناصر "كتائب
عز الدين القسام" -الجناح العسكري لـ"حماس"-
في منطقة "نابلس". "حماس" نظرت ببالغ
الخطورة لهذا التطور، وضمته إلى جملة
الخروقات الإسرائيلية، وقررت أنه لن يكون من
الممكن السكوت على هذه الجريمة، فقامت حماس
بتنفيذ عملية استشهادية في مستوطنة "أريئيل"
شمال غرب الضفة الغربية، أسفرت عن مقتل
مستوطن وإصابة ثلاثة، وفي الوقت نفسه نفذت
"كتائب شهداء الأقصى" عملية استشهادية
في مدينة "روش هعاين" أسفرت عن مقتل وجرح
أربعة أشخاص.
بعد
أسبوع من عمليات اغتيال عنصري "حماس"،
قامت قوة إسرائيلية خاصة باغتيال عبد الله
سدر، قائد "سرايا القدس" (الجناح العسكري
لحركة "الجهاد الإسلامي") في جنوب الضفة
الغربية. واضح تماما أن التصعيد الإسرائيلي
كان متواصلا ومتعمدا.
بعد
خمسة أيام من عملية اغتيال الشهيد سدر، هز
القدس الغربية المحتلة انفجار ضخم كان يؤذن
بوقوع أكبر عملية استشهادية تشهدها القدس منذ
اندلاع انتفاضة الأقصى. 21 إسرائيليا سقطوا
جراء العملية وأصيب أكثر من مائة. في الساعة
الأولى بعد العملية توقعت إسرائيل ومعها كثير
من المراقبين أن حركة "الجهاد الإسلامي"،
هي التي تقف وراء العملية، على اعتبار أنها من
المفترض أن تكون ردا على عملية اغتيال سدر،
لكن المفاجأة كانت تتمثل في إعلان حماس
مسئوليتها عن العملية.
قرار
باجتثاث "حماس"
حقيقة
أن "حماس" سبق لها أن ثأرت لشهيديها
اللذين سقطا في عملية الاغتيال في نابلس
بتنفيذ العملية الاستشهادية في "أريئيل"
جعلت من المتعذر حتى على بعض الأوساط
الفلسطينية تفهم القيام بعملية القدس
الاستشهادية الكبيرة، لا سيما أنها جاءت في
اليوم الذي أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها
بصدد نقل أربع مدن أخرى لسيطرة السلطة
الفلسطينية في الضفة الغربية، وبعد يومين على
قرار إسرائيل بالسماح لواحد وعشرين ألف
فلسطيني بالعودة للعمل في إسرائيل.
العملية
أربكت الساحة الفلسطينية الداخلية. بسرعة
أعلنت حكومة أبو مازن أنها بصدد القيام بعدة
خطوات ضد حركتي "الجهاد الإسلامي" و"حماس"
بعد أن أعلنت عن توقف الاتصالات مع الحركتين.
كانت هناك الكثير من المؤشرات على أن حكومة
أبو مازن عاقدة العزم على اتخاذ إجراءات
قاسية ضد "حماس" تحديدا، لكن الحكومة
الإسرائيلية لم تمهل السلطة، فقامت
المروحيات الإسرائيلية بعد يوم على عملية
القدس باغتيال إسماعيل أبو شنب، أحد أبرز
القادة السياسيين لـ"حماس" واثنين من
معاونيه.
عملية
الاغتيال أحرجت حكومة أبو مازن ودفعتها
للتراجع عن الخطوات التي كانت بصدد القيام
بها ضد "حماس"؛ إذ لم يكن للجمهور
الفلسطيني أن يتقبل أي إجراءات لحكومة أبو
مازن ضد حماس في الوقت الذي تستهدف فيه أيضا
من قبل قوات الاحتلال. قيام إسرائيل باغتيال
أبو شنب شكل مفاجأة حتى للكثير من المعلقين في
دولة الاحتلال؛ إذ إن الأجهزة الاستخبارية
الإسرائيلية صنفت أبو شنب دوما على أنه أحد
"الحمائم" في "حماس"، وأنه كان من
المتحمسين لفكرة الهدنة، لكن ما تبين فيما
بعد أن عملية اغتيال أبو شنب هي عملية أولى
ضمن سلسلة من عمليات الاغتيال المتواصلة ضد
"حماس". وكما أعلن رئيس هيئة أركان جيش
الاحتلال موشيه يعلون فإن جميع أعضاء القيادة
السياسية والتنظيمية، فضلا عن قادة وعناصر
الجهاز العسكري لـ"حماس" قد صدر بحقهم
قرار تصفية. المخطط الذي أعده جيش الاحتلال ضد
"حماس" أطلق عليه اسم "حلاقة نظيفة".
وإلى
جانب استهداف "حماس" فإن إسرائيل قررت
ممارسة الضغوط على الجمهور الفلسطيني من أجل
إقناعه بالتحرك من أجل الضغط على السلطة لضرب
"حماس". في هذا السياق أغلقت دولة
الاحتلال المنافذ والمعابر الحدودية، ومنعت
تدفق العمال لإسرائيل، وشددت من القيود
المفروضة على الحركة، فضلا عن استئناف عمليات
التجريف بوتيرة غير مسبوقة.
واقع
بدون "حماس" و"الجهاد"
إسرائيل
أعلنت أن عمليات الاغتيال ستتواصل من أجل خلق
واقع جديد في العلاقات بينها وبين حكومة أبو
مازن. كما أعلن عدد من المتحدثين باسم حكومة
شارون أنهم معنيون بمواصلة عمليات الاغتيال،
والضغط على الجمهور الفلسطيني، وتجنيد
الولايات المتحدة من أجل ممارسة الضغط
السياسي على حكومة أبو مازن، من أجل ضرب "حماس".
إسرائيل
أعلنت بشكل لا يقبل التأويل أنها لن توقف
هجماتها إلا بعد أن تقوم حكومة أبو مازن
بتفكيك بنية "حماس" و"الجهاد الإسلامي"
بشكل تام، وبعد ذلك يتم النظر في مسألة العودة
إلى الأوضاع التي سبقت عملية القدس!
الذي
قوى الموقف الإسرائيلي كان التأييد غير
المتحفظ الذي أبداه الرئيس الأمريكي بوش
لعمليات الاغتيال، حيث نقلت الصحف
الإسرائيلية عن بوش قوله لشارون في اتصال
هاتفي بينهما بعد عملية القدس: "طاردوهم".
"حماس"..
رد أشعل ضوءا أحمر
على
الرغم من أن "حماس" لم ترد بأي عملية "استشهادية"
على سلسلة عمليات الاغتيال الإسرائيلية
ضدها، فإنها أقدمت على خطوة اعتبرتها إسرائيل
بالغة الخطورة ومتجاوزة لكل الخطوط الحمراء،
وهي نجاح "حماس" في إطلاق صواريخ "القسام"
على مدينة "عسقلان"؛ الأمر الذي يؤكد أن
الجهاز العسكري للحركة نجح في تطوير هذه
الصواريخ بشكل كبير، بحيث أصبح مدى هذه
الصواريخ 10 كيلومترات. بعض الصواريخ التي
أطلقت سقط على مقربة من محطة التوليد
الكهربائي الرئيسية شرق المدينة. وكان ذلك
كفيلا بأن يسبب كارثة لدولة الاحتلال، وينذر
بشل الحياة في جنوب إسرائيل بشكل غير مسبوق.
مفترق
طرق خطير
لا
شك أننا الآن نقف أمام مفترق طرق خطير جدا؛
فإسرائيل أعلنت أنه في حال إذا تواصلت عمليات
إطلاق صورايخ "القسام" أو إن حدثت عملية
"استشهادية" كبيرة، فإن ردها سيكون
بعملية واسعة داخل قطاع غزة نفسه بشكل لم يسبق
له مثيل. هناك بعض التسريبات الإسرائيلية
التي أشارت إلى أن إسرائيل ستستغل أي عملية
جدية في تنفيذ خطة "يوم عاصف"، التي تهدف
إلى احتلال مدينة غزة وتصفية كل من تعتبرهم
مطلوبين لها في المدينة، لا سيما من أعضاء "حماس".
الخيارات
في الساحة الفلسطينية محدودة جدا، فمن ناحية
هناك حالة ارتباك وفوضى ناجمة عن الخلافات
القوية بين مؤسستي الرئاسة ومجلس الوزراء في
السلطة الفلسطينية؛ الأمر الذي يسمح بتكثيف
الضغوط على السلطة الفلسطينية. في الوقت نفسه
هناك ما يشبه القطيعة بين قيادة "حماس"
والسلطة؛ الأمر الذي يمنع تنسيقا للمواقف
بشكل يعمل على محاصرة إسرائيل دوليا، في حين
أن الأطراف العربية تقف عاجزة عن اتخاذ أي
إجراء،لا سيما محاولة إقناع إدارة بوش بالضغط
على حكومة شارون من أجل كف عدوانها المتواصل
على الشعب الفلسطيني. وعليه فإن تطور الأمور
في الساحة الفلسطينية مفتوح على كل
الاحتمالات، ولا أحد يمكنه أن يتوقع ما قد
تسفر عنه الأيام المقبلة، لكن أكثر
السيناريوهات تفاؤلا لا يتعدى مواصلة قوات
الاحتلال لوتيرة عمليات التصفيات المتواصلة
حاليا.
اقرأ
أيضًا:
**
مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية-
غزة.
|