بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي 

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


إيران على عتبة التغيير

04/8/2003

د. محمد سعيد عبد المؤمن**

الموت لأمريكا

ماذا يحدث في إيران؟ وهل إيران بصدد تغيير جذري؟ وهل للولايات المتحدة الأمريكية دخل في اضطرابات الجامعات الإيرانية الأخيرة؟ هل يمثل إلحاح رافسنجاني وأنصاره على الحوار مع أمريكا سببا في اندلاع مظاهرات طلاب الجامعات والشباب؟ أم أن المظاهرات ترجع إلى أسباب طلابية؟ وهل يمثل تدخل العناصر الإسلامية- لفض المظاهرات بتأييد من كبار علماء الدين في حوزة قم- تأكيداً لمساندة المحافظين ضد الإصلاحيين بصورة أو بأخرى؟ وهل تؤدي الحرب الباردة الأمريكية إلى سعي النظام الحاكم في إيران إلى تعديل إستراتيجيته، وتغيير مواقع رجاله، وإفساح المجال للجيل الثالث للثورة للاشتراك في قيادة هذه المرحلة؟

هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها الآن على المهتمين بالشئون الإيرانية. وإن وقفة متأنية أمام الأحداث الأخيرة وتحركات قادة النظام وأركانه ربما تكشف لنا سر عدم وضوح الرؤية لدى العامة والكثير من الخاصة، إذ يعتبر بعض المحللين السياسيين أن مظاهرات الطلاب وتداعياتها حلقة في سلسلة الصراع الدائر على الساحة السياسية الإيرانية بين المحافظين والإصلاحيين. فقد أدى استمرار مظاهرات الطلاب إلى أن تموج الساحة السياسية في إيران بحركة غير عادية ولغط شديد، ألقى بظلال من القلق والشك والتردد على جماهير الشعب الإيراني بمختلف فئاته وطبقاته وميوله السياسية، حتى إن المثقفين والمحللين السياسيين باتوا في حيرة من غموض الأحداث المتلاحقة مع اقتراب انتخابات مجلس الشورى الإسلامي والرئاسة الإيرانية، إلا أن الشك لم يزايلهم فيما يخفيه كل من الإصلاحيين والمحافظين من مفاجآت. وقد عبر آية الله هاشمي رافسنجاني عن قلقه بهذا الشأن في قوله: "أنا قلق من وجود نزاع بين المجالس والجماعات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، وأنا أوصي المتخاصمين بالتفاهم قبل الانتخابات لأن النزاع يبعد الجماهير عن صناديق الاقتراع". (صحيفة "انتخاب" في 17-6-2003م).

ومن الواضح أن المحافظين لا يتراجعون ولا يرضون بالخروج من الساحة في الوقت الذي يعتبرون فيه أنفسهم أصحاب النظام وحماته، والأولى بإدارته والأجدر بالمحافظة على إنجازاته، مع إدراكهم لضرورة أن يواكبوا تلك الحركة السريعة للإصلاحيين بقيادة خاتمي على المسرح السياسي. ومع تباين أساليب كل من الفريقين، ومدى نجاحه أو فشله، فإن الحقيقة التي بدت واضحة لأركان النظام هي أن النظام على وشك أن يصل إلى مفترق طرق، بل إن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين قد يحتدم إلى الدرجة التي يمكن أن تعرض النظام للخطر أو تعجل بنهايته، وقد دلت الأحداث على أن موقف الفريقين لم يتغير ولم ينح إلى المهادنة أو المصالحة.

تابع في هذا المقال:

"الاقتدار الوطني".. مشروع لم يكتمل

يعتبر المشروع - الذي أعلنه الزعيم آية الله خامنئي مع بداية فترة رئاسة خاتمي الثانية وأسماه بالاقتدار الوطني - بلورة للأفكار التي طرحها "مجمع تحديد مصلحة النظام" لوقف الصراع بين المحافظين والإصلاحيين. فلقد اشتمل على عدة نقاط أساسية، تعنى بالوحدة الوطنية والاقتصاد ومحاربة الفساد والتفرقة، وهي الأسس التي يمكن أن تقوم عليها حكومة قوية وفق رغبة الشعب وإرادته. (صحيفة كيهان في 10-4-2001م).

ويشرح خاتمي أسس مشروع الاقتدار الوطني في لقائه بمسئولي هيئة الإدارة والتخطيط بقوله: "ينبغي أن نرى ما هي رغبات الناس وما يريدون، ثم نسعى لتحقيقها وهذا هو المعنى الصحيح للاقتدار الوطني الذي يستتبعه النمو الاقتصادي والثقافي والاجتماعي أيضا. فالاقتدار الوطني أمر أساسي وجوهري؛ ولكن لا ينبغي الخلط بين مفهوم الاقتدار والقدرة، فهما أمران منفصلان رغم تلازمهما. فبالنظر إلى الكيان الإنساني والمجتمع الإنساني المعقد، يكون إرجاع كل التحولات والتغيرات إلى عامل واحد أمرا ساذجا وخطئا كبيرا. وهناك عوامل متعددة لها تأثير على التغيرات والتحولات الاجتماعية: منها الإعلام والاقتصاد والقوات المسلحة والأمن الفعال والمسائل الثقافية والعلمية، من الممكن أن تقلل أو تزيد فقط من أهمية دورها. وفي رأيي - كمسلم يفكر في المجتمع والتاريخ وتقاليده - أن كل القدرات تعود إلى الله، وأن الله قد جعل الإنسان حاكما على مصيره وهو ما يؤكد عليه دستورنا".

ويكمل قائلاً: "من الممكن أن تكون هناك حكومة في أوج قوتها الأمنية، ولكن ليس لها اقتدار وطني، فالاقتدار الوطني يكون بميزان القبول الشعبي لقدرة الحاكم التي يمارسها على الجماهير. والقدرة الاجتماعية تنشأ - سواء في الداخل أو الخارج - من إرادة الإنسان، ولا تتحقق في ممارسة أية قوة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، ما لم تكن متفقة مع رغبات الشعب. هناك بحوث نظرية مختلفة في مجال الاقتدار الوطني، إلا أن الدستور هو أساس العمل في المجتمع، وإلا فإن المجتمع يتفسخ. وهناك ثلاث نظريات تتعلق باقتدار الحكومة في المجتمع الإسلامي: النظرية الشيعية، والنظرية السنية، وحتى نظرية الحكم بالقوة التي طرحت في القرنين الخامس والسادس الهجريين تعتقد في ضرورة مراعاة رأي ورغبات الجماهير من أجل استمرار الحكم. فالاقتدار الوطني ليس مشروعا فقط بل مطلوبا، وليس مباحا فقط بل لازما. وإن امتلاك عناصر القدرة وتوجه أصحابها لمنشأ القدرة، أي الجماهير، هو أهم لوازم الاقتدار. فتمتع الحكام بالقوة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والعلمية هو امتداد لرغبة الشعب وإرادته، وإن الانتخابات هي دليل مشروعية النظام ودليل اقتداره. إن الاقتدار الوطني يعني تهيئة الظروف التي نقول فيها كلمتنا دون ضجة وشجار، ونضع فيها أساليب إدارتنا حسب رأي الشعب، وأن نسلم لرغبات الجماهير بعد تحديدها، وأن نجتمع حولها ونلبيها. إن البلاد في حاجة إلى تنمية شاملة؛ والاقتدار الوطني أيضا في حاجة إلى الاهتمام بجميع الأبعاد الاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية ومصادر القوة، ولكن الأهم من ذلك هو أن تكون مختلف مجالات التنمية والتقدم في مسيرة رغبات الشعب وإرادته. (همشهري في 12-4-2001م).

ويتضح من حديث خاتمي أنه كان يقبل بمشروع الاقتدار الوطني كمنهج عمل للمرحلة القادمة، مع بعض التعديلات والتفسيرات من جانبه. ولعل التعديل الرئيسي - الذي يدخله - يتعلق بمسألة ولاية الفقيه حيث يشير إلى موقع الزعامة في نظام الجمهورية الإسلامية بقوله: "وحتى الزعيم الذي هو أهم أركان النظام، وله موقع رفيع فيه، يختاره مجلس الخبراء الذي ينتخبه الشعب، وإن بقاء الزعيم ومشروعيته يظلان دائما تحت رقابة هذا المجلس أيضا، وعندما يكون اختيار الزعيم وموقعه تحت الرقابة غير المباشرة للشعب دائما يكون واجب سائر أركان النظام واضحا تماما؛ وذلك وفقا لقاعدة: مشهور الزمان ومطلوبه، الفقهية". ( المصدر السابق).

وقد دعا رافسنجاني المسئولين الإيرانيين إلى الكف عن الجدل حول مفهوم عبارة الاقتدار الوطني، والاتجاه للعمل بالمشروع، حيث لم تعد حاجة إلى البحث فيه بعد أن اختار الزعيم هذه العبارة كعنوان للمشروع، وهو الوحيد الذي يرجع إليه في توضيح المفاهيم عند الحاجة. وعلى البرلمان والحكومة والسلطة القضائية وجميع الأجهزة طرح السبل التنفيذية والبرامج التي تحقق هذا الاقتدار الوطني، حيث إن هذا المشروع الذي طرحه الزعيم كشعار لهذا العام يتجاوب  مع قطاع مهم من احتياجات المجتمع في الوقت الراهن. وهذا الطرح ليس حق الزعيم وواجبه لإرشاد المجتمع فحسب، بل هو نظرية منطقية وتجربة توصلنا إلى أن البلاد حقيقة في حاجة إلى هذين المبدأين الآن، وإني أعتقد أن الاقتدار الوطني يتمثل مظهره في إيجاد فرص العمل". (إطلاعات في 18-4-2001م).

ولعل الذي حدا بقادة النظام إلى طرح مشروع الاقتدار الوطني هو إحساسهم مع بداية فترة رئاسة خاتمي الثانية بتدهور الأوضاع الداخلية، ودخول متطرفين وعناصر معادية لمبدأ ولاية الفقيه في صفوف الإصلاحيين، وهو ما عبر عنه هاشمي رافسنجاني بقوله: "من المؤسف أن المجتمع يعاني من نوع من عدم الشفافية في المواقف والتعبير عن الرأي، كما تعاني الساحة السياسية من التناقض والأكليشيهات والتهم المتبادلة بين الجماعات السياسية والأجنحة والأحزاب. وهذا يثير قلقنا لأنه يفيد أعداء الثورة الحاقدين". (همشهري بتاريخ 15-2-2001م) كما أبدى علي أكبر موسوي خوئيني نائب طهران انزعاجه من تطور الصراع بين المحافظين والإصلاحيين مؤكدا أن الصراع قد امتد من الصحف والصحفيين إلى الحركة الطلابية. (كيهان في 19-2-2001م).

لذلك لم يكتف أركان النظام بالتنبيه والتحذير، بل اجتهدوا في البحث عن مخرج من هذا الوضع المتأزم، وتباينت أفكارهم والمشروعات التي طرحوها، وقد أكثروا من عقد الندوات والمؤتمرات في مختلف أنحاء البلاد وخاصة العاصمة طهران. ويقول خامنئي في مؤتمر تعبئة طلاب الجامعات (بسيج الجامعات): "إن المسئولية الكبيرة لطلاب التعبئة تكمن في فهمهم الصحيح وتحليلهم الواعي والجذري للقضايا الأساسية في البلاد وتواجدهم اليقظ والمتحرك والفعال في الساحة." (همشهري في 13-2-2001م).

وقد لاحظ بعض المحللين توجه أركان النظام نحو إيجاد صياغة فكرية جديدة لوقف الصراع السياسي بين الجماعات السياسية، فأكد محمد مهدي فقيهي رئيس تحرير صحيفة "انتخاب" أن صياغة فكرية لتيار ديني جديد تتبلور بهدف مواجهة الأفكار المتحجرة. (صحيفة انتخاب 12-2-2001م). يقول آية الله هاشمي رافسنجاني: "من الخير أن يجتمع ناشطون سياسيون في الظروف الحساسة الحالية للتفاهم والتفاعل والتجانس في المنافسات السياسية من أجل المحافظة على المصالح الوطنية، فلقد كان اتخاذ تدابير تعادل بين الأحداث السياسية داخل أسرة الثورة منذ قيامها مؤثرا في إدارة شئون البلاد وحل قضاياها ومشاكلها". (إطلاعات في 24-2-2001م) ولكن رغم تأييد خاتمي للمشروع، فإنه لم ينجح في وقف الصراع الذي أدى إلى الأحداث الأخيرة.

النزاع من الجامعات إلى المجالس

انتقل صراع المحافظين مع الإصلاحيين من داخل الجامعات إلى مجالس التشريع الرئيسية في إيران، ومعها رئاسة الجمهورية؛ واشتد حول ميزانية أحد هذه المجالس، وهو مجلس الرقابة على القوانين لهذا العام، عندما أدرج في ميزانيته المقترحة زيادة قدرها 16 مليار تومان للإنفاق منها على مكاتب المجلس المنتشرة في أنحاء البلاد، والمكلفة بالإشراف على الانتخابات التشريعية التي ستجرى خلال العام، مما أثار حساسية خاصة لدى أعضاء مجلس الشورى الإسلامي الذين يرغبون في إعادة ترشيح أنفسهم لعضوية المجلس السابع الذي تجري عملية انتخابه بعد شهور، لأن زيادة ميزانية مكاتب مجلس الرقابة تمنحها القدرة على زيادة طاقتها البشرية وفعاليتها في إيجاد الذرائع والمستندات التي تسمح للمجلس برفض من يريد من المرشحين.

ومع مناقشة هذه الميزانية في مجلس الشورى الإسلامي، تكتل المحافظون من أجل إقرارها، وتكتل الإصلاحيون من أجل رفضها. ونظرا للأغلبية الإصلاحية في مجلس الشورى الإسلامي، فقد رفضت الزيادة المقترحة. ولما رفعت الميزانية العامة للدولة إلى مجلس الرقابة على القوانين لإقرارها، ووجد أنها لم تتضمن الزيادة التي طالب بها أعادها إلى مجلس الشورى الإسلامي لإصلاحها، وأصر على الزيادة معطلا بذلك إقرار الميزانية العامة للدولة رغم اقتراب موعد إبلاغها للأجهزة لممارسة نشاطها. ويقول المحلل السياسي سعيد ليلاز: "إن الخلاف والصراع بين مجلس الرقابة ومجلس الشورى والحكومة حول ميزانية مجلس الرقابة لعام 1382هـ.ش. ليس جديدا وليس عجيبا؛ وهو يحدث حتى في الدول المتقدمة التي تختلف أجهزتها على الميزانية، مما يجعل هذا الخلاف الأخير عاديا. لكن تعطيل تنفيذ الميزانية العامة للدولة - من جانب مجلس الرقابة بسبب هذا الخلاف - يمثل ضغطا على مجلس الشورى والحكومة، حيث لم يبق على العام الجديد إلا أقل من أسبوع".

ويبدي المحلل تخوفه من شيوع هذا الأسلوب؛ فتقوم وزارة الصحة مثلا بمنع علاج المرضى، وتقوم وزارة التعليم بطرد التلاميذ، وتمتنع القوات المسلحة عن العمل عند رفض زيادة ميزانيتها. (همشهري في 18-3-2003م). وقد وجد مجلس الشورى الإسلامي نفسه مضطرا إلى اللجوء لمجمع تحديد مصلحة النظام للفصل بينه وبين مجلس الرقابة. وإزاء هذا الطلب، قام مجمع تحديد المصلحة بعقد اجتماع لبحث هذا الخلاف، دعا إليه الأطراف المتخاصمة. لكن المناقشات سارت في غير الاتجاه الذي يرضي الإصلاحيين؛ وهو ما جعل مهدي كروبي - رئيس مجلس الشورى الإسلامي وهو أحد زعماء الإصلاحيين - ينسحب من الجلسة؛ وتبعه مجيد أنصاري رئيس لجنة التخطيط والميزانية بمجلس الشورى الإسلامي، ثم تبعهما محمد خاتمي رئيس الجمهورية. وقد تمت الموافقة على إدراج مبلغ 6 مليارات تومان زيادة في ميزانية مجلس الرقابة؛ ورغم أن المجمع يكون بذلك قد خفض مطالب مجلس الرقابة بنسبة 32% حتى أصبحت ميزانيته 10 مليارات تومان فإن قراره قد لقي اعتراضا كبيرا من جانب الإصلاحيين، فأبدوا اعتراضهم على عدم انسحاب بعض قيادات التكتل من جلسة المجمع، بعد خروج رئيس الجمهورية، مطالبين إياهم بتوضيح موقفهم؛ ومنهم "زنجنه" وزير النفط و"مظاهري" وزير الاقتصاد و"رضا عارف" مساعد أول رئيس الجمهورية و"أقازاده" رئيس هيئة الطاقة الذرية و"ستاري فر" رئيس هيئة الإدارة والتخطيط.

كما اعترض "ناصر قوامي" رئيس اللجنة القانونية بمجلس الشورى على قرار المجمع، مشيرا إلى المادة 112 من الدستور بأن المجمع عليه أن يقبل رأي أي من المجلسين؛ أما التقنين فإنه من حق مجلس الشورى الإسلامي وحده، وبذلك فإن إقرار الزيادة ينبغي أن يتم عن طريق هذا المجلس.

جبهة الثاني من خرداد.. محل خلاف

لقد كان شهر خرداد (مايو _ يونيو) من الشهور الحافلة بالأحداث والمناسبات، وأهمها مناسبة الثاني من خرداد، ذكرى تأسيس تكتل جبهة الثاني من خرداد الإصلاحية. وقد طرحت قضية الإصلاح السياسي وجدواه، وتقييم عمل الجبهة بشكل خاص والإصلاحيين بشكل عام، وقد اختلف هذا التقييم تبعا للانتماءات الحزبية والتوجهات السياسية بين اليمين واليسار، وبين الإصلاحيين والمحافظين. فقد دافع الإصلاحيون عن تكتل الثاني من خرداد، مؤكدين أنه بينما يدعي البعض أن هذا التكتل قد وصل نهاية عمره مع هزيمته في انتخابات المجالس المحلية الإسلامية، فإن المواطن العادي يدرك أنه قد تخطى الكثير من العقبات وواجه كثيرا من التحديات، ودفع ثمنا باهظا لحركته الإصلاحية. وما زال هذا الثمن يرتفع مع تصور الآخرين أن أحدا لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يأمل في تحقيق الإصلاح. ويبدو أن الناس - ومعهم خاتمي - قد اختاروا السكوت أحيانا واللامبالاة أحيانا أخرى في مواجهة مصير الإصلاح.

وكان بيان السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية بمناسبة الثاني من خرداد مثار نقاش، حيث قامت جماعة كوادر البناء بتحليل البيان، مؤكدة على دعم النظام واستمرار الحماسة الوطنية، وعلى الهوية الدينية الواضحة للرئيس خاتمي، والمنعكسة في بيانه بشكل واضح. وتناولت السياسة الخارجية في بيان الرئيس وإنجازاتها الواضحة، وما ترتب عليها من إنهاء التوتر بين إيران ودول المنطقة. كما أشارت إلى شروط خاتمي حول إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثلة في الاعتذار للشعب الإيراني، وإصلاح سلوكها تجاه إيران، مؤكدة أن هذه الشروط في إطار السياسة العامة للنظام. (صحيفة همشهري 25_28-5-2003م).

في حين انتقدت جبهة التضامن مستشاري خاتمي بأنهم ليسوا مستشارين حقيقيين، لأنهم لا يقومون بالنقد المخلص والصحيح للمواقف الإصلاحية، مشيدة بقول خاتمي إن هناك فرقا بين الأماني والواقع، كما دعت الأحزاب السياسية لإصلاح فكرها وأسلوبها، من خلال بيان الرئيس خاتمي وتصريحات الزعيم خامنئي. (صحيفة همبستگي في 3-6-2003م) .

أما المحافظون، فقد أكدوا في تحليلهم لبيان خاتمي أن موقف الرئيس لم يتغير، وأنه لن ينسحب من الحياة السياسية ولن يستقيل، وإن كان قد كسر صمته ببيان، فإنه لم يقل فيه شيئا جديدا، وهاجموا الإصلاحيين مؤكدين أن كثيرا منهم لا يأبهون بالمشاكل الاقتصادية ويجرون وراء الجدل السياسي. كما هاجموا متطرفي جبهة الثاني من خرداد وبيان أعضاء الجبهة، مشيرين إلى أن الذين كانوا بالأمس يرتدون مسوح الثورية ذات الثياب الرثة القذرة قد أصبحوا يرتدون "بذلات" صناعة أوروبية، ويركبون السيارات الفارهة ويسكنون الفيلات الفخمة ولا يكفون عن الحرص على تكوين الثروات، وأن حديثهم عن وصول الإصلاح إلى طريق مسدود قد فضحهم للناس، وأن سبيلهم الوحيد للبقاء على الساحة هو العمل المخلص والخدمة الصادقة وليس الرياء. (كيهان 25_31-5-2003م).

كما أكدوا أن خوف الإصلاحيين من الولايات المتحدة الأمريكية يؤدي في النهاية إلى قبولهم النموذج الأمريكي في السياسة والحكم، مستشهدين بالتاريخ، ومدللين بفشل الإصلاحيين في انتخابات المجالس الإسلامية المحلية؛ وطالبوا نواب الإصلاحيين في البرلمان بخدمة الجماهير وحل مشاكلهم بدلا من النزاع السياسي، وعدم إخفاء الواقع لأنه مقدمة للسقوط. (رسالت في 28-5-2003م).

وقد تناول كل من المحافظين والإصلاحيين الاتهامات الأمريكية بالنقد، ولم يستبعدوا المواجهة معها وإن كانوا قد أكدوا على قدرة إيران على النصر، مركزين على ضرورة طاعة الزعيم في توخي العقل والتحلي بالشجاعة والتوكل على الله، والاعتماد على الإسلام والقرآن وأسس الجمهورية الإسلامية من أجل التضامن الوطني في مواجهة التهديدات الأمريكية. (إيران في3-6-2003م).

العنف وسيلة المتنازعين

أثارت أحداث الشغب في الجامعات والمدن الجامعية قضية لجوء الأطراف المتنازعة لاستخدام العنف في التعبير عن الاعتراض، حيث أكدت النخبة أن العنف كان وسيلة أعداء النظام منذ قيام الثورة، وأن اللجوء للعنف يمنع تحقيق الوحدة والانسجام في مواجهة التهديدات الأمريكية التي تترصد النظام وتحاول جره للمواجهة العسكرية، وطالبت بالتعفف عن تشديد الخلاف أو إيجاد مبرر له. (إيران في 11-6-2003م).

في حين أكد المحافظون أن أحد وسائل الولايات المتحدة لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية هو الاعتماد على طبقة مرفهة من التكنوقراط؛ وهي طبقة تشكلت خلال السنوات العشر الماضية وترتدي ثوب الإصلاحيين، وتساعد على الفوضى وتستثمر الغوغائية والصحافة الحزبية والأوساط الشبابية والطلابية لتكون جماعة ضغط على النظام لتحقق أهدافها. (صحيفة كيهان في 12-6-2003م). أما الإصلاحيون، فقد أكدوا على أن مظاهرات الطلاب قامت اعتراضا على اتجاه خصخصة الجامعات، وقد حولها المتطرفون إلى اتجاه معاد للحكومة، مقرين بأن سلوك الشرطة وقوات الأمن قد اتسم بالحكمة، واختلف عما حدث في مظاهرات 18 تير 1378هـ.ش. (9-7-1999م). (همشهري في 12-6-2003م) وقد صرح "علي يونسي" وزير المعلومات بأن هذه المظاهرات جزء من حرب نفسية تترصد إيران، وعلى الجميع أن يكونوا يقظين وأن نملك زمام المبادرة. فإن استغلال عدم توفيق الإدارة وإعطاء صورة سوداء عن الأوضاع يحقق أهداف العدو، ويؤدي إلى رفع السلاح في مواجهة بعضنا البعض. إن أعداء الثورة يطرحون مستنداتهم من تصريحاتنا، وهذه ليست شفافية ولا واقعية بل هي تخريب حقيقي بأيدينا. ينبغي نقد القصور بمنطقية، وتجنب التوقعات التي لا محل لها حيث يستفاد منها خارج حجم النظام التنفيذي للبلاد. (همشهري في 16-6-2003م).

وقد أعلن "حميد رضا حاج بابايي" عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى الإسلامي تقريرا عن الأحداث الطلابية، حيث أوضح أن عددا من الطلاب كانوا بصدد طرح قضايا طلابية مثل خصخصة الجامعات وتطوير المدن الجامعية، فاندس بينهم أفراد عمدوا إلى إثارة الطلاب، وقد تم اتخاذ إجراءات لتهدئة الطلاب وتم فصل العناصر الانتهازية عنهم. وقد أصبحت الأوضاع تحت السيطرة بعد كشف عناصر الاضطراب؛ ولقد كان عمل الشرطة إيجابيا كما كان عمل سلطة الادعاء والسلطة القضائية مرضيا، ولم يتجاوز جرحى الاضطرابات سبعين شخصا من قوات الأمن والمشاغبين.. وهم يتلقون العلاج. كما لم يسقط أي قتيل، وخربت 22 سيارة و34 دراجة بخارية، وكان تعاون وزارتي العلوم والداخلية مع أجهزة الأمن والسلطة القضائية جيدا وفعالا، والجميع متفق على مواجهة أي تحرك يستهدف أمن المجتمع والجامعات. (انتخاب في 16-6-2003م).

كما أعلن "كروبي" رئيس مجلس الشورى أن تعطيل الجامعات ليس واردا، وإنما سيتم تأجيل الامتحانات التي تعقد في المدن الجامعية. كما ناقش المجلس قضية زيادة الأسعار وأقر عددا من التدابير لوقف هذه الزيادة، وقد سعى العميد "قاليباف" قائد الشرطة إلى طمأنة الرأي العام، بأن الأمور تعود إلى طبيعتها، وأن المعتقلين ليسوا من الطلاب. (إيران في 17-6-2003م)

وقد لخص رافسنجاني في خطبة الجمعة قضية مظاهرات الطلاب بقوله: "إن الأحداث الأخيرة ناتجة عن قلق الطلاب من خصخصة الجامعات، رغم تأكيد وزير العلوم على أن القضية لم تطرح، لكن المفسدين استغلوا الأحداث. أما الشباب الوطني - وخاصة طلاب الجامعات - فهم حذرون من الوقوع في البئر التي حفرتها أمريكا أو الوقوع في شباك الفاسدين. (كيهان في 14-6-2003م).

وقال آية الله يوسف صانعي: "ينبغي أن يقوم كل بواجبه، وينبغي أن يتحدث الجميع بدون خوف، وأن تتم مقارعة الحجة بالحجة والرد على القلم بالقلم لا بالعصي والسكاكين". (همشهري في 13-6-2003م) وقد انقسمت الصحف في معالجة القضية وفق اتجاهاتها الحزبية. ففي جانب الإصلاحيين، أكد يوسف صدري في مقال بصحيفة "انتخاب"، أن 50% من سكان إيران - أي 35 مليونا هم من الشباب ومعظمهم يدرسون في الجامعات - يواجهون مشاكل عديدة ويأملون في حلها من خلال الإصلاح السياسي، وأن عدم مشاركتهم في الساحة السياسية يمثل خطرا ويخلق حركات سياسية عنيفة. وبغض النظر عن كون الأحداث صنفية أو سياسية فإنها لا تخفي واقعا لا يقبل الإنكار: وهو زيادة السخط العام على الأوضاع الحالية اقتصادية وسياسية وثقافية، وتدق جرس الخطر على البنية السياسية، وأن عدم الاهتمام بها سوف يؤدي إلى معضلة طال الوقت أم قصر. (انتخاب في 16-6-2003م).

وأما في جانب المحافظين، فقد علق بژمان كريمي في صحيفة "رسالت" على تصريحات وزير الداخلية حول المظاهرات، مطالبا إياه بتحقيق الأمن الاجتماعي قبل الأمن السياسي، مؤكدا أن غلاء أسعار الخدمات خطوة ضد الدستور. ومن ثم فقد طالب الحكومة بتصحيح الوضع، وألا تسكت على عدم الأمن الاجتماعي والسياسي، مشيرا إلى قول الزعيم بأن الولايات المتحدة تريد أن يسود التوتر في المجتمع الإيراني وخاصة في الجامعات. (افتتاحية الصحيفة في 12-6-2003م)

التغيير قادم لا محالة

في ظل تمسك كل طرف من أطراف الصراع بموقفه، سوف تتوالى أحداث الصدام، لأن موقف الإصلاحيين يبدو متشبثا بضرورة تقنين الإصلاح السياسي الذي يتحقق به الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ويتمثل الإصلاح السياسي في إطلاق الحريات السياسية في إطار الدستور، مع فصل السلطات، ومنح مجلس الشورى الإسلامي صلاحيات الرقابة التصحيحية على جميع أجهزة الدولة الحكومية والسيادية والشعبية، وزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية في إطار القيادة الشعبية، باعتباره المسئول الوحيد المنتخب مباشرة من قبل الشعب، مع الدعوة للتفاهم بين المجالس لحل الخلافات دون الحاجة للرجوع إلى مجمع تحديد مصلحة النظام.. وبهذه الصورة تقل سلطات بعض الأجهزة السيادية: مثل جهاز الزعامة، ومجمع تحديد مصلحة النظام، ومجلس الرقابة على القوانين.

كما يبدو أن المحافظين متشبثون باستمرار ولاية الفقيه كما أرادها الخميني، ودعم جهاز الزعامة والأجهزة الداعمة له، للمحافظة على منجزات الثورة الإسلامية وقيمها ومكاسبها المعنوية والمادية، ودعم الكيان الشيعي وغاياته الدينية والمذهبية، ومنع الانزلاق إلى الثقافات الأجنبية التي لا تتناسب مع شخصية شعب إيران وتقاليده العريقة وتراثه الأصيل.

من هنا يمكن ترجيح حدوث تغيير في إيران من خلال مبدأ  المصلحة الشيعي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولن يكون هذا التغيير لمصلحة جناح على حساب الجناح الآخر، لأنه لن يحل المشكلة ولن يوقف الصراع مع الضغوط الأجنبية المتزايدة. والأرجح أنه سوف يتم تقسيم السلطة بين الجناحين مع إفساح المجال لتولي الجيل الثالث للثورة مسئولية القيادة والحكم، ولا شك أن هذا سوف يؤثر في عدد من ثوابت النظام ومتغيراته، إلا أنه لن يؤدي إلى تغيير النظام كلية إزاء طبيعة الشخصية الإيرانية المعقدة.

اقرأ أيضاً:


** أستاذ الدراسات الإيرانية- جامعة عين شمس

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع