 |
|
الخسائر
العسكرية سرعت التراجع السياسي |
مضى على احتلال القوات الأمريكية للعراق في 9 إبريل الماضي أكثر من 3 أشهر، حصيلتها حتى الآن دم ودموع لقوات الاحتلال على الصعيد العسكري، ومزيد من التراجعات في المواقف الأمريكية المتشددة على الجانب السياسي، ومزيد من الفضائح الداخلية وعدم الاستقرار في إدارة الرئيس الأمريكي بوش وصلت لحد الضغط على ديك تشيني نائب بوش للاستقالة لدوره في فضيحة يورانيوم العراق (صحيفة أندبندانت 16 يوليو 2003)، وإعلان عدم الثقة
الشعبية في
حكومة توني بلير.
مسلسل
الخسائر العسكرية قد يكون هو الحصيلة الأكثر بروزا؛ نظرا
لأهميته على الساحة الإعلامية، ولكن مسلسل الخسائر
السياسية (التراجع والتنازل) على الجانب الأمريكي، وأيضا
البريطاني، لا يقل أهمية عنه، ودلالاته أكثر عمقا بالنظر
إلى أن تجربة العراق (نموذج) كان يُنظر له على أنه (بروفة)
قابلة للتكرار في العديد من البلدان العربية والإسلامية
الأخرى؟!
فماذا
في الحصيلة العسكرية؟!
بشكل
عام يمكن القول -بناء على إحصاءات وكالات الأنباء- إن عدد
القتلى الأمريكان في العراق بلغ خلال الأشهر الثلاثة
الأولى الماضية للاحتلال قرابة 81 جنديا (حتى 16 يوليو 2003)،
بالإضافة إلى ما يزيد عن 100 مصاب بين حوالي 150 ألف جندي
أمريكي في العراق ككل.
وأن
هذا العدد (81) قُتل تحديدا في مثلث العاصمة العراقية (الفلوجة
– الرمادي – الأنبار)، حيث تسكن غالبية سنية من
العراقيين، ويقبع قرابة 15 ألف جندي أمريكي، ما يعني أن
الحصيلة مقارنة بمكان العمليات فقط ومقارنة بقوة
الاحتلال والمقاومة تعد مرتفعة، مع الأخذ في الاعتبار أن
الأغلبية الشيعية لا تزال تهدد بالقتال وتعزف عنه.
وإذا
أضفنا إلى هذا العدد الذي قُتل منذ إعلان احتلال العراق
في مايو 2003، قرابة 66 جنديا وضابطا أمريكيا آخرين قُتلوا
خلال عملية احتلال العراق (عدد قتلى الاحتلال أكبر من
الحرب) يكون عدد قتلى الأمريكان فقط الإجمالي في حرب
واحتلال العراق بلغ 147 قتيلا، وهو نفس عدد القتلى الذي
خسرته الولايات المتحدة في حرب الخليج عام 1991(حرب تحرير
الكويت)!
والنتيجة
الأولية لهذه الخسائر تمثلت في عدة زوايا هامة أبرزها:
1-قررت قيادة الجيش الأمريكي التراجع عن عملية إعادة قرابة
9 آلاف جندي من العراق بسبب استمرار المقاومة، كما ترددت
أنباء عن زيادة عدد القوات في العراق، حيث أعلن الجيش
الأمريكي يوم 15 يوليو 2003 أن آلاف الجنود من الفرقة
الرئيسية الثالثة في الجيش (التي احتلت بغداد انطلاقا من
الكويت) لن يعودوا إلى الولايات المتحدة كما هو مقرر،
وأنهم سيبقون في العراق إلى أجل غير مسمى.
2-اضطرت القوات الأمريكية لإخلاء مدن من القوات والاكتفاء
بزيارات إلى هذه المدن أو تمرير دوريات على الطرق
السريعة المحيطة بها وترك إدارتها للشرطة العراقية
وأبرزها مدينة (الفلوجة).
3-قالت مصادر عسكرية أمريكية: إن هناك دراسات تجري لزيادة
عدد القوات الأمريكية في العراق، وخصوصا مناطق القتال،
مع اتباع أساليب قتالية جديدة وتنفيذ عمليات اقتحام
للمدن والمنازل على الطريقة الإسرائيلية لتجمعات
المسلمين السنة، خصوصا في محيط العاصمة بغداد (أكد تقرير
عسكري لفريق من الخبراء العسكريين بحلف شمال الأطلسي أن
القوات الأمريكية اضطرت أخيرا للاستعانة بالخبير
اليهودي الهولندي الإسرائيلي الجنسية مارتن كريفلد
لمواجهة الهجمات التي تشبه ما تواجهه القوات
الإسرائيلية في فلسطين).
4-يتضح من تصريحات أدلى بها وزير الدفاع الأمريكي دونالد
رامسفيلد أمام مجلس الشيوخ الأمريكي أن مواصلة تواجد
القوات الأمريكية في العراق يكلف دافع الضرائب الأمريكي
3.9 مليارات دولار، أي ضعفي التكاليف التي توقعتها
الإدارة الأمريكية قبل شهر ونصف. وتشمل هذه التكاليف
الباهظة: صيانة الحملات العسكرية، الوقود، الأغذية وما
إلى ذلك، ونُشرت تقارير تشير إلى أن البنتاجون قدر
تكاليف الحرب حتى الآن بأنها تتراوح بين 45 مليارا و100
مليار دولار.
الخسائر
السياسية أكبر!
ومع
أن حصيلة ونتيجة عمليات المقاومة تبدو لافتة وكبيرة، كما
أنه ترتب عليها نتائج سياسية أهم، فالواضح أن الخسائر
السياسية المترتبة على الخسائر العسكرية أكبر وأعظم
دلالة ويمكن أن نرصد منها هنا ما يلي:
1-تراجع الأمريكان منذ البداية عن تعيين الجنرال (جي جارنر)
الليكودي التوجه وممثل صقور البنتاجون (وزارة الدفاع)
كحاكم للعراق، واختاروا الحاكم الحالي (بول بريمر) لعدة
أسباب منها الصراع الداخلي بين الخارجية والدفاع
الأمريكيتين، ومنها عدم ترحيب العراقيين أو الدول
العربية بجارنر المفترض في مرحلة لاحقة أن يمثل العراق
في مؤتمرات ومحافل دولية (كما فعل خليفته بريمر في قمة
دافوس).
2-تراجع الأمريكان عن فكرة توسيع دور الأمم المتحدة في
العراق، وأصبحوا يطالبون صراحة بإشراك الأمم المتحدة
بشكل أكبر لتحمل أعباء إعادة إعمار العراق وحفظ الأمن،
خصوصا مع تزايد الانتقادات لهم كقوة احتلال أجنبية.
3-بعد أن كانت أمريكا ترفض رفضا باتا مشاركة قوات دولية في
السيطرة على الأرض العراقية، أصبحت واشنطن تلح على إشراك
دول حلف الناتو، ودول أخرى في العالم لإرسال قوات إلى
العراق لحفظ الأمن والمشاركة في تخفيف العبء عن القوات
الأمريكية، وإقناع العراقيين ضمنا أن الاحتلال انتهى
وأن القوة الموجودة هي قوة دولية لمساعدتهم، ونجحت في
جذب قوات من اليابان لتنفيذ أغراض مدنية، إلا أن العديد
من الدول رفض صراحة الطلب الأمريكي لإرسال قوات عسكرية
خصوصا الهند وألمانيا وكولومبيا والسعودية ومصر.
4-وعدت الإدارة الأمريكية في بداية الاحتلال بتعيين مجلس
استشاري انتقالي عراقي يتولى الحكم وإجراء انتخابات
ووضع دستور جديد، ولكنها تراجعت عن هذا الوعد وأعلنت
رسميا في أواخر مايو على لسان الحاكم الأمريكي للعراق عن
تأجيل فكرة المجلس الانتقالي، والاكتفاء بتعيين مساعدين
للحاكم العسكري.. ومع تصاعد عمليات المقاومة بشكل كبير
وتزايد الرفض العراقي للاحتلال تراجعت إدارة الاحتلال
وعادت لفكرة تشكيل المجلس الانتقالي والإعلان عن وضع
دستور جديد وقرب انتهاء الاحتلال لتهدئة خواطر
العراقيين.
5-
رفضت إدارة الاحتلال الالتزام بإعطاء أي مرتبات لقطاعات
واسعة من الموظفين ورجال القوات المسلحة العراقية الذين
أعلنت تسريحهم عقب قرارها حل الجيش العراقي؛ وهو ما زاد
الغضب الشعبي، ودفع عسكريين سابقين للتهديد بعمليات
عسكرية ضد الاحتلال، ويتردد أن بعضها نُفذ بالفعل ضمن
عمليات المقاومة، فعادت إدارة الاحتلال للتراجع والقيام
بدفع مرتبات الجيش العراقي المسرح شهريا بداية من يوليو
الجاري 2003.
6-
اضطرت القيادة الأمريكية - تحت وطأة الإعلام وضغوط
الكونجرس- للاعتراف بالكذب في قضية أسلحة الدمار الشامل
بالعراق، وأعلن البيت رسميا أن ما سبق أن أعلنه الرئيس
الأمريكي بوش في خطاب الاتحاد السابق للحرب مع العراق
بشأن امتلاك العراق يورانيوم وقدرة على إنتاج الأسلحة
النووية كان غير دقيق، ويفتقر للمصداقية، وتم تحميل جورج
تنيت مدير المخابرات الأمريكية المسئولية عن فبركة هذه
المعلومة، وكذلك نائب الرئيس ديك تشيني.
وإذا
أضفنا إلى الكذب بشأن أسلحة الدمار الشامل عدم العثور
على أسلحة جرثومية أو بيولوجية حتى الآن، تكون النتيجة
خسارة سياسية كبيرة لإدارة الرئيس بوش تتعلق بمصداقيتها
أمام الشعب الأمريكي (شعبية بوش انخفضت لأدنى مستوى منذ 11
سبتمبر 2001).
حكومة
(فيشي) مرفوضة
من
أكثر نتائج التراجع والخسارة السياسية الأمريكية أنها -على
طريقة الدومينو- بدأت تتوالى ككتلة الجليد المتدحرجة،
بحيث يؤدي فشل ما إلى فشل تابع آخر، وأبرز مثال على ذلك هو
تعيين إدارة الاحتلال مجلسا انتقاليا عراقيا للحكم،
أطلق عليه محللون سياسيون لقب (حكومة فيشي) على غرار
الحكومة الفرنسية التي عينتها قوات الاحتلال الألمانية
النازية على فرنسا لينطبق على هذه الخطوة المثل العامي
"جاء يكحلها.. عماها"!
فرغم
أن مجلس الحكم الذي يرأسه بول بريمر استهدف صبغ الاحتلال
الأمريكي بالشرعية، وإظهار الأمر وكأن العراقيين عادوا
لحكم أنفسهم، فقد جاءت تشكيلة المجلس، وصلاحيته بل
ورئاسته (الأمريكية) لتزيد حالة السخط الشعبي العراقي ضد
الاحتلال، وانعكست على الرفض الشعبي للمجلس واعتباره (حكومة
فيشي الاحتلال).
فأول
قرار للمجلس باعتبار يوم احتلال القوات الأمريكية
للعراق وسقوط عاصمته في أيدي المحتلين (9 إبريل) يوم عيد
وطني للعراق وعطلة رسمية ـ صدم الرأي العام العراقي
والعالمي، والتصريحات التي صدرت على لسان أعضاء المجلس
بتمجيد الرئيس الأمريكي بوش وتوجيه الشكر لأمريكا
لاحتلالها العراق وتخليصه من حكم الرئيس السابق صدام
حسين، كشفت توجه أعضاء المجلس!
كما
أن التشكيل الطائفي المقصود للمجلس (13 شيعة و5 سُنة و5
أكراد وواحد تركماني ومسيحي) يعكس رغبة الاحتلال في
اتباع سياسة (فرق تسد)، وتأليب السنة (حكام البلاد
السابقين) على الشيعة، وترك جراح في الجسد العراقي لن
تلتئم بسهولة، كما سبق أن فعل الاحتلال الفرنسي في لبنان
عندما وضع دستورا وحكومة بنسب طائفية ظلت البلاد تعاني
بسببهما، وانتهت هذه الطائفية لحرب أهلية عام 1976 أكلت
الأخضر واليابس.
وربما
لهذا جاء رد فعل السنة في العراق سلبيا بالامتناع عن
التعليق، لعدم القناعة بدور هذا المجلس أو دوامه، فيما
جاءت الترحيبات الشيعية حذرة بدورها، حيث أعلن متحدث
باسم (مؤسسة الصدر) الشيعية النافذة جدا في مدينة الصدر
شرق بغداد أن تشكيل مجلس الحكم الانتقالي هو خطوة في
الطريق الصحيح إلا أنه لا يمثل طموحات العراقيين.
والمشكلة
هنا أن الشيعة والسنة شددوا منذ سقوط الحكم العراقي على
رفض الطائفية أو التمييز على أساس الطائفة الدينية،
ورفعوا سويا شعارات (لا شيعية.. لا سنية.. إسلامية..
إسلامية) في مواجهة قوات الاحتلال، كما أن بعض الشيعة
يطالبون بدولة شيعية صراحة على غرار إيران ويقولون -كما
قال المتحدث باسم مؤسسة الصدر رحيم أبو أحمد الدراج-: إنه
لا يمكن للطائفة الشيعية أن تقول إنها مرتاحة تماما،
فالولايات المتحدة لا تزال تخشى إنشاء دولة شيعية،
وتحاول منع ذلك.
والأخطر
من ذلك أن تعيين الوزراء والكبار المسئولين في الدولة
سوف يسير على نفس هذه القاعدة الطائفية مستقبلا، ولا
يمكن تجاهله أيضا في الدستور في نهاية المطاف، خصوصا أن
من سيُشرفون على وضع الدستور هم هؤلاء الحكام الطائفيون
الذين اختارهم بول بريمر الحاكم الأمريكي.
ومن
الطبيعي القول بأن استمرار تدهور الأحوال في العراق، أو
تحول الصراع إلى صراع طائفي، واتساع الهوة بين الطائفتين
الشيعية من جهة والسنية (بما فيهم الأكراد) من جهة أخرى
يصب في خانة ومصلحة الاحتلال ليبقى هناك بدعوى حفظ الأمن
والاستقرار، والأهم ليلعب على حبال القوى المختلفة
ضمانا لمصالحه النفطية والاقتصادية والسياسية في العراق
مستقبلا.
الخسائر
الأمريكية في العراق ومسلسل التراجع هو بالتالي العنوان
الأنسب للثلاثة الأشهر الأولى من حكم الأمريكان في
العراق.. ولكن المخاوف الحقيقية هي أن تسعى قوات الاحتلال
–عبر إجراءات التراجع– لخلق واقع جديد يزيد الهوة بين
العراقيين، ويعمق جراح الطائفية ويعلي شأن النعرة
القبلية والدينية بهدف خدمة مصالح المحتل في النهاية!
**محلل
الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين. نت
|