 |
|
امرأة كويتية تدلي بصوتها في انتخابات رمزية احتجاجًا على عدم مشاركة المرأة في الانتخابات |
شهدت
الكويت في الخامس من يوليو 2003 انتخابات مجلس
الأمة (البرلمان)، وهي الانتخابات العاشرة
للمجلس في تاريخه منذ العمل بالدستور في
العام 1963. وقد تنافس في المعركة الانتخابية 276
مرشحًا للفوز بـ50 مقعدًا، هي جملة الأعضاء
المنتخبين بالمجلس الذي يضم أيضًا الوزراء
بحكم مناصبهم، بشرط ألا يتجاوز عددهم ثلثي
عدد أعضاء المجلس، وليس لهم حق التصويت على
سحب الثقة من الوزراء أو على مبدأ عدم إمكان
التعاون مع رئيس الوزراء.
الانتخابات
في أجواء جديدة
وقد
حظيت هذه الانتخابات بأهمية كبيرة بالنظر إلى
عدة اعتبارات أساسية، يتمثل أهمها فيما يلي:
1-جرت
الانتخابات في ظل بيئة إقليمية جديدة، كان
أهم مفرداتها الإطاحة بنظام صدام حسين، وهو
الأمر الذي أدى إلى زوال التركيز على الهاجس
الأمني من برامج المرشحين، لصالح التركيز على
قضايا أخرى هامة، جاء في مقدمتها قضية تطوير
التجربة الديمقراطية، التي لم تحظَ بالتركيز
المطلوب خلال الدورات الانتخابية الثلاث
السابقة التالية لواقعة الغزو العراقي
للكويت في صيف عام 1990.
2-في
إطار التركيز على قضية تطوير التجربة
الديمقراطية، تم طرح العديد من القضايا
الهامة، في مقدمتها المطالبة بضرورة فصل منصب
ولاية العهد عن منصب رئاسة الوزراء، ومنح
المرأة كامل حقوقها السياسية. وعلى الرغم من
أن قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي كانت
مطروحة من قبل في الدورات الانتخابية لمجلس
الأمة، فإنها اكتسبت هذه المرة أهمية خاصة
بالنظر إلى عاملين أساسيين: أولهما، تصاعد
الضغوط الدولية (الأمريكية تحديدًا) الهادفة
إلى التدخل في الشئون الداخلية بزعم فرض
الديمقراطية. وثانيهما موجة الانفتاح التي
طالت النظم الخليجية الأخرى في مرحلة ما بعد
الانتخابات التشريعية الأخيرة التي شهدتها
الكويت عام 1999، ومثلت تحديًا للتجربة
الديمقراطية الكويتية صاحبة السبق في هذا
المجال.
ونشير
هنا إلى التطور الذي حدث في كل من البحرين
وقطر، وكلاهما ينتمي إلى مجموعة الدول
الصغيرة التي تنتمي إليها الكويت أيضًا، حيث
تم استئناف الحياة البرلمانية في البحرين بعد
تعطل دام أكثر من ربع قرن بعد تدشين المشروع
الإصلاحي من قبل الشيخ حمد الذي وصل للسلطة
عام 1999، وصدر الدستور القطري الدائم في النصف
الأول من العام الجاري ليحل محل النظام
الأساسي المؤقت الذي كان معمولاً به منذ
استقلال البلاد في عام 1970.
3-ارتفاع
نسبة المشاركة في العملية الانتخابية، حيث
وصلت نسبة الاقتراع إلى أكثر من 80% من جملة من
لهم حق التصويت (حوالي 136 ألفا)، وتصاعد معدل
التنافس بين التيارات المختلفة، الأمر الذي
أشار إلى حيوية الساحة السياسية.
الإسلاميون
والليبراليون نجما الانتخابات
خاض
المعركة الانتخابية عدة تيارات سياسية عبرت
عن مجمل الخريطة الفكرية والمجتمعية للكويت، لكن
المنافسة الأشد كانت بين التيارين: الإسلامي،
والليبرالي. وقد شمل التيار الإسلامي
بجناحيه -السني والشيعي- عدة قوى، جاء في
مقدمتها الحركة الدستورية الإسلامية (إخوان
مسلمون) بـ16 مرشحًا، جمعية إحياء التراث (سلفيون
تقليديون) بـ10 مرشحين، والحركة السلفية (سلفيون
جدد) بـ6 مرشحين، والتحالف الإسلامي الوطني (إسلاميون
شيعة) بـ7 مرشحين، والإسلاميون المستقلون من
السنة والشيعة بـ23 مرشحًا.
وخاض
الإسلاميون المعركة الانتخابية في ظل توتر
شديد غلّف علاقتهم مع الحكومة، في ظل إقدام
الأخيرة -وتحت تأثير من الهجمة الدولية على
الحركة الإسلامية بسبب المناخ المعادي لهذه
الحركة في عالم ما بعد 11 سبتمبر- على إغلاق
العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية بزعم
دعمها للإرهاب.
أما
التيار الليبرالي فقد شمل كلا من المنبر
الوطني الذي رشح 4 مرشحين فقط، والليبراليين
المستقلين الذي كان عددهم 13 مرشحًا. وقد كشفت
المعركة الانتخابية عن تباعد حدث بين هذا
التيار والحكومة، حيث شنّ الليبراليون
هجومًا كبيرًا على الحكومة متهمين إياها
بشراء الأصوات من أجل خلق مجلس موالٍ لها، بعد
أن تحالف الطرفان في انتخابات 1999.
ومن
ناحية أخرى كشفت الحملة الانتخابية عن وجود
تباين واضح في أولويات التيارات المختلفة، ففي
الوقت الذي ركز فيه التيار الإسلامي على
قضايا ذات صلة وثيقة بحياة المواطن، ركّز
الليبراليون على ضرورة تبني الصيغة الغربية
للديمقراطية، وهو ما صب منذ البداية في سبيل
التكهن بهزيمة قاسية لهم، في ضوء غلبة الطابع
التقليدي على الساحة الكويتية. ومن المهم
التأكيد في هذا الإطار على أن هذا الطرح
الجديد لليبراليين خالف تأكيدهم في الدورات
الانتخابية السابقة لمجلس الأمة على محورية
القضايا الحياتية للمواطن.
نتائج
الانتخابات ودلالتها
أسفرت
نتائج الانتخابات عن فوز التيار الإسلامي
المعارض بـ18 مقعدًا، وكان يشغل في المجلس
القديم 12 مقعدًا فقط، وفوز 20 عضوًا موالين
للحكومة، فيما مُني التيار الليبرالي بهزيمة
ثقيلة -كما كان متوقعًا- حيث حصل على 3 مقاعد
فقط، بعد أن كان يشغل 8 مقاعد في المجلس السابق،
وفازت المعارضة المستقلة التي تحمل اسم
التكتل الشعبي بـ6 مقاعد، وفاز بالمقاعد
الباقية مرشحون مستقلون، من بينهم إسلاميون
وقبليون وليبراليون.
وقد
توزعت المقاعد الـ 18 التي فاز بها التيار
الإسلامي، على عدة قوى، عكست توازنًا جديدًا
داخل هذا المعسكر، حيث حصلت الحركة الدستورية
على مقعدين، وكانت تشغل 5 مقاعد في المجلس
السابق، وحصل التيار الشيعي على 5 مقاعد
بخسارة مقعد واحد عن تمثيله في المجلس القديم؛
وكانت الحركة السلفية هي أكبر الفائزين، حيث
رفعت عدد مقاعدها إلى 6 مقاعد، فيما كانت تشغل
4 فقط في المجلس السابق. وفاز في الانتخابات 22
عضوًا جديدًا، من بينهم نواب شباب يدخلون
المجلس للمرة الأولى، فيما ظل 28 عضوًا من
المجلس القديم.
وتنطوي
هذه النتائج التي أسفرت عنها العملية
الانتخابية على عدة دلالات هامة، يتمثل أهمها
فيما يلي:
1-أحدثت
النتائج تجديدًا كبيرًا في هيكل عضوية مجلس
الأمة، بلغ نحو 46%، وأدت هذه النتائج إلى
إحداث تغير لافت في معادلة التوازن التي كانت
قائمة بين القوى السياسية المختلفة، بل وداخل
كل قوى على حدة، ما يعطي للعملية الانتخابية
قيمتها الحقيقية كآلية للتجديد الدوري
للنخبة، وهذا مؤشر هام فيما يتصل بقضية
التحول الديمقراطي.
2-مثّل
فوز التيار الإسلامي مفارقة هامة، كونه جاء
في وقت تتعرض فيه الحركة الإسلامية بمختلف
ألوانها لهجمة دولية شرسة، خلقها المناخ
المعادي للقوى الإسلامية في مرحلة ما بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد جاء هذا
الفوز تاليًا لفوز مشابه حققه الإسلاميون
خلال العامين الأخيرين في كل من البحرين
والمملكة المغربية وتركيا وباكستان، ما يدل
على عمق التوجه الإسلامي في الساحة العربية
والإسلامية.
3-على
الرغم من أن التيار الليبرالي لن يشكل قوة ذات
بال في المجلس القادم، فإنه ومن خلال ممثليه
سوف يظل يطرح نفسه كفكر آخر في مواجهة
التوجهات الإسلامية، ما يعني استمرار حالة
الشد والجذب في الساحة السياسية. وعلى الرغم
من أنه لا ضير في ذلك، فالبرلمانات وجدت لتكون
ساحة للتفاعل بين التيارات المختلفة، فإن
هناك خوفاً -في ظل التشاحن القوي بين الطرفين-
من انعكاسات سلبية لهذا الصراع على علاقة
المجلس بالحكومة، في ظل الخلل الذي يطبع هذه
العلاقة لصالح الحكومة.
4-حصل
التيار الموالي للحكومة على نسبة كبيرة من
المقاعد، ما يعني أن معادلة القوة داخل
المجلس سيكون طرفاها كلاًّ من التيار
الإسلامي والتيار الحكومي، بعد أن كان التيار
الليبرالي رقمًا مهمًّا في هذه المعادلة، ما
يعنى تبديلاً في مقدرات القوة بين التيارات
السياسية بالمجلس من ناحية. ويطرح التساؤل من
ناحية ثانية حول إمكانية قيام المجلس بدور
فاعل على صعيد عمليتي الرقابة والتشريع في
ضوء هذا الوجود القوى لتيار الحكومة.
ضرورة
تفعيل القيمة الديمقراطية
على
الرغم من المؤشرات الإيجابية التي كشفت عنها
العملية الانتخابية لجهة تفعيل التجربة
الديمقراطية الكويتية، فإن هذه التجربة تظل
في حاجة إلى العديد من الاستحقاقات الضرورية
لتوسيع آفاقها المستقبلية، وصولاً إلى تدشين
نظام ديمقراطي حقيقي.
وتنصرف
هذه الاستحقاقات بالأساس إلى ضرورة تعديل
هيكل توزيع السلطة في النظام السياسي، حيث
يعانى هذا الهيكل خللاً واضحًا لصالح السلطة
التنفيذية يحول دون تغليب الإرادة العامة
ممثلة في مجلس الأمة.
ويتضح
هذا الخلل في مؤشرات عدة، أهمها: الجمع بين
منصبي ولاية العهد ورئاسة الوزراء؛ فالدستور
يشترط مبايعة ولي العهد من قبل مجلس الأمة وفي
الوقت نفسه إمكانية محاسبة رئيس الوزراء من
خلال آلة عدم التعاون، ولكن عندما يكون ولي
العهد هو نفسه رئيس الوزراء، فإن ذلك يخلق
حالة من عدم التوافق بين نصوص الدستور. عندما
يقرر المجلس عدم التعاون مع رئيس الوزراء -ولي
العهد- فإننا نكون إزاء شخص فاقد لثقة الأمة،
معزولاً من منصبه، وفقًا لنص المادة (102)،
ولكنه سوف يكون الحاكم القادم. ومن هنا فقد تم
تجميد نص المادة المذكورة عمليًّا، بإحجام
المجلس عن إعلان عدم تعاونه مع رئيس الوزراء
خوفًا من سحب الثقة من ولى العهد.
وبالإضافة
إلى ذلك، ثمة أهمية خاصة لإعادة صياغة وتعديل
بعض الأبعاد الدستورية والقانونية للنظام
السياسي، ونشير هنا إلى قضيتين هامتين:
-الأولى،
خاصة بوضع القوى السياسية المختلفة لجهة
مشروعيتها في العمل كأحزاب سياسية، فقد التزم
الدستور الصمت إزاء تكييف وضع تلك القوى، حيث
لم يقرر بشكل صريح حق تأسيسها، والبعض يرى أن
الدستور لم يرفض مشروعيتها، استشهادًا بنص
المادة (45) التي تقرر حق الهيئات النظامية
مخاطبة السلطات العامة. وتستمد هذه القضية
أهميتها من كون أن الأحزاب السياسية تُعَدّ
ركنًا أساسيًّا للنظام الديمقراطي، وعلى
الرغم من أن القوى السياسية الكويتية تعمل
على أرض الواقع بلغة الأحزاب، فإن مشكلة
تكييف وضعها القانوني تحدّ من قدرتها على
القيام بالدور المنوط بها في دفع التجربة
الديمقراطية.
-أما
القضية الثانية، فتنصرف إلى وضع المرأة،
التي ما زالت محرومة من حق التصويت والترشيح،
ما يؤدي إلى تشويه عنصر الإرادة العامة، وهو
الركن الركين في النظام الديمقراطي، والأساس
الذي قامت عليه أصلاً فكرة البرلمانات.
وفضلاً
عن ضرورة تفعيل الشق المؤسسي لعملية التحول
الديمقراطي، هناك أولوية لتفعيل الشق القيمي،
وذلك في ضوء نفاذة العنصر القبلي في العملية
السياسية الكويتية، وطبيعة التفاعل بين
التيارات المختلفة من جهة، وبين هذه التيارات
والحكومة من جهة أخرى، والذي يتعدى حدود
التنافس ليغلب عليه في أحيان كثيرة الطابع
الإقصائي بين الفاعلين في الساحة السياسية.
فالديمقراطية
تحتاج -لكي تنمو- إلى وعاء حضاري ومناخ ثقافي
واجتماعي مواتٍ على صعيد المعايير القيمية،
وعلى صعيد النشاط الإنساني المتعدد الوجوه.
والمهم في هذا السياق بناء ثقافة سياسية
جديدة لدى الحكومة والمعارضة على حد سواء،
تصدر العملية السياسية بوصفها منافسة
اجتماعية سلمية، وتطوق غريزة التفرد بضرورة
مراعاة مصالح الأطراف الأخرى وتقديم بعض
التنازلات عند الاقتضاء.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام
|