|

|
|
البرادعي .. هل ستستغله واشنطن ضد إيران ؟
|
يبدو
أن المظاهرات التي شهدتها إيران على
مدار 5 أيام في جامعة طهران التي طالبت
بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ونددت
بسيطرة المراجع الدينية المتشددة على
الحكم كانت مرتبة من قبل إدارة الرئيس
الأمريكي من أجل الضغط على الحكم
الإيراني داخليا لتسهيل قبول إيران
لضغط آخر خارجي من الوكالة الذرية
الدولية يسمح بتفتيش مفاجئ لمنشآت
إيران النووية.
ويبدو
أن هذه المظاهرات -على عكس ما أظهر
الأمريكيون من دهشة تجاهها- لها بالفعل
علاقة بالمحاولات الأمريكية للتأثير
على الوضع الداخلي الإيراني، وتأليب
الشارع الإيراني على قادته لصعوبة
العمل العسكري ضد طهران على غرار الحالة
العراقية، بدليل قول متظاهرين لمحطات
فضائية بأنهم خرجوا إلى الشوارع بعد أن
سمعوا "نداءات من قنوات تليفزيونية
فضائية لمنفيين إيرانيين مقيمين
بالولايات المتحدة" تدعوهم للذهاب
إلى الحرم الجامعي بعد احتجاجات طلابية
هناك يوم 10-6-2003!
وربما
لهذا وصف مرشد الجمهورية الإسلامية
الإيرانية "آية الله علي خامنئي"
المتظاهرين بأنهم "مرتزقة" يعملون
لحساب العدو، ودعا أنصاره لعدم إعطائهم
الفرصة لخلق اضطرابات؛ وهو ما أدى في
نهاية الأمر لتقلص المظاهرة من 3 آلاف في
اليوم الأول إلى بضع مئات ثم عشرات في
اليوم الثالث.
ولكن
لماذا اندلعت هذه المظاهرات في هذا
التوقيت تحديدًا؟ ولماذا لقيت كل هذه
المساندة الرسمية الأمريكية بداية من
الرئيس بوش وحتى أصغر مسئول أمريكي؟!
الإجابة
ربما لا تحتاج إلى ذكاء كبير.. فرغم أن
هذه المظاهرات معتادة، وسبق أن وقعت
أعنف وأكبر منها في نوفمبر 2002؛ فقد لوحظ
أن هتافات هذه الأخيرة اختلفت عما
سبقها، وأنها كانت أشد نقدًا لكل أركان
النظام الإيراني بما فيهم مرشد الثورة
والرئيس الإيراني (على عكس المظاهرات
السابقة التي كانت تساند إصلاحات خاتمي).
كما
أنها جاءت قبل أسبوع واحد من بدء
اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة
الذرية التابعة للأمم المتحدة (16 يونيه
2003) التي سيُرفع فيها تقرير حول النشاط
النووي الإيراني، وتسعى واشنطن وأوروبا
خلالها لفرض "بروتوكول" على إيران
يسمح لوكالة الطاقة الذرية التابعة
للأمم المتحدة القيام بعمليات تفتيش
مباغتة لمواقع مشتبه بها هناك من جهة
ثانية!
بعبارة
أخرى: وجد مخططو السياسة الأمريكية أنه
من المناسب ممارسة هذا القدر من الضغط
الداخلي على إيران -مستغلين وجود تيار
إصلاحي إيراني يتظاهر من حين لآخر- بهدف
تحقيق الضغط الخارجي (الأهم)، وهو لعبة
الوكالة الذرية الدولية لإجبار
الإيرانيين على السماح بتفتيش منشآتهم
النووية، وإلا فالبديل إظهار إيران على
أنها تنتج أسلحة نووية وأسلحة دمار
شامل، وإعادة تكرار نفس سيناريو الكذب
بشأن أسلحة العراق، وبدعم دولي هذه
المرة!
فليس
سرًا أن هناك مخاوف أمريكية وإسرائيلية
من التطور الكبير في برنامج التسلح
الإيراني، وخصوصًا برنامج الصواريخ (شهاب
3 و4 و5) القادر على الوصول إلى الدولة
العبرية (وزير الدفاع الإسرائيلي موفاز
قال بأنها ستكون قادرة على الوصول إلى
أمريكا!)، وأن المخاوف الكبرى هي من
تحميل هذه الصواريخ مواد نووية أو
كيماوية.
وليس
سرًا أن الإدارة الأمريكية -حسبما أكدت
صحف أمريكية وإسرائيلية في إبريل 2002-
غيرت تقديراتها المتعلقة بالوقت الذي
سيستغرقه تسلح إيران بأسلحة نووية،
وبات المسئولون الأمريكيون مقتنعين
بحصول إيران على مثل هذه الأسلحة في
غضون سنتين فقط وليس عدة سنوات؛ الأمر
الذي دعاهم للتحرك بسرعة كبيرة ضد إيران.
وربما
كان من علامات هذا القلق الأمريكي
والإسرائيلي حيال هذه التقديرات غير
المؤكدة تحول قمة أفيان الفرنسية
الأخيرة وقمة بطرسبرج بين بوش وبوتين
إلى التركيز على أسلحة إيران النووية،
والضغط على الرئيس الروسي لإعلان وقف
التعاون النووي مع إيران (بوتين نفى)،
إضافة إلى كثرة الحديث في تل أبيب
وواشنطن عن ضربة وقائية لمفاعل بوشهر
كما حدث مع مفاعل أوزوريس العراقي.
وهو
ما دعا وزير الدفاع الإيراني علي شمخاني
لتوعد إسرائيل في فبراير 2003 في مقابلة
تلفزيونية مع قناة الجزيرة بما أسماه
"ضربة لم يحلم بها أي سياسي إسرائيلي"،
إذا قامت الأخيرة بمهاجمة مفاعلها
النووي.
وقد
حاول الأوروبيون الضغط بدورهم على
إيران عبر اتفاقيات التعاون التجاري
والصناعي للقبول بتوقيع هذا
البروتوكول، ولكن طهران أعلنت عدة مرات
رفضها توقيع هذا البروتوكول الذي يلحق
بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة
النووية، ويسمح لوكالة الطاقة الذرية
التابعة للأمم المتحدة القيام بعمليات
تفتيش مباغتة لمواقع مشتبه بها؛ وهو ما
دعا الاتحاد الأوروبي للتلويح بدوره
بالقوة، وأعلن يوم 16 يونيه 2003 -في تحول
مهم تجاه التفكير العسكري الأمريكي- أن
"استخدام القوة قد يكون ضروريًا حين
تفشل الدبلوماسية في معالجة التهديدات
من أسلحة الدمار الشامل"!
ويبدو
أن الضغوط عبر المظاهرات أو التلويح
بالقوة العسكرية دفعت الإيرانيين للجوء
إلى التهدئة والبحث عن حلول وسط؛ ولهذا
قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية (آصفي):
"نحن مستعدون للأخذ في الاعتبار
مخاوف الوكالة، وإذا ما أظهرت الوكالة
مرونة فإننا مستعدون لأن نفعل الشيء
نفسه ونعثر على حل"، كما ذكر علي
صالحي -ممثل إيران في وكالة الطاقة
الذرية- أنه يعتقد أنه "يمكن التوصل
إلى حل"، وقال: "نحن في وضع أعتقد
أنه سيتم التوصل إلى حل له" دون أن
يوضح الإيرانيون ما هي طبيعة هذا الحل
من وجهة نظرهم.
تقرير
البرادعي.. والضغوط الأمريكية
والمشكلة
أن التقرير الذي وضعه محمد البرادعي
رئيس وكالة الطاقة الذرية الدولية ونشر
قبل عقد اجتماعات الوكالة(!) يقول بأن
وكالة الطاقة الذرية تتهم طهران
بالإخفاق في الالتزام بالواجبات
المنصوص عليها في معاهدة الحد من انتشار
الأسلحة النووية، إلا أنها تتخذ خطوات
لتعود إلى الالتزام بتلك المعاهدة.
ويتخذ
الأمريكيون هذا حجة للحديث عن أن إيران
تعمل سريا لصنع قنبلة نووية، وأنها بذلك
لم تحترم بعض البنود الواردة في
المعاهدات الدولية حتى إن تداركت ذلك
اليوم، ويضغطون على الوكالة الذرية (لاحظ
أن هانز بليكس رئيس مفتشي الأمم المتحدة
السابق كشف عن وجود ضغوط أمريكية من هذا
النوع على العاملين بالأمم المتحدة)
لإصدار تقرير يدين إيران، ويكون مقدمة
حملة الهجوم على إيران لإخراجها من
معادلة التهديدات الموجهة لأمريكا
وإسرائيل في نهاية الأمر.
وقد
صرحت مستشارة الأمن القومي الأمريكي في
البيت الأبيض كوندوليزا رايس بأن تقرير
الوكالة يشير إلى أن إيران "تفعل
بالضبط ما كانت الولايات المتحدة تعتقد
أنها تفعله"؛ أي استخدام طرقها "للقيام
بأمور يمكن أن تؤدي إلى برنامج للأسلحة
النووية، وهو أمر غير مقبول".
حيث
يشير تقرير الوكالة إلى استيراد إيران
كميات من اليورانيوم في 1991 بدون الإبلاغ
عن ذلك، ونقل تلك الكميات لمعالجتها،
وقالت الوكالة بأنه منذ ذلك الوقت قامت
إيران بتقديم تقارير حول وارداتها
النووية، إلا أنه لا يزال يتعين عليها
تقديم المعلومات "حول نقل المواد
لمعالجتها واستخدامها". وأضافت
الوكالة أن كميات المواد النووية ليست
كبيرة، وتتطلب إعادة معالجتها
لاستخدامها في إنتاج أسلحة نووية، إلا
أن "عدد المرات التي لم تبلغ فيها
إيران عن المواد والمواقع والنشاطات
بشكل منتظم كما يتوجب عليها (...) أمر يثير
القلق".
ومعروف
أن الضغوط الأمريكية تستهدف الوصول
بالأزمة إلى ذروتها ما لم تخضع إيران
كما فعل العراق بحيث تطلب من الوكالة
الدولية رفع مسألة الخروقات النووية
الإيرانية إلى مجلس الأمن الدولي، وهو
الإجراء الأخير الذي يمكن أن يؤدي إلى
فرض عقوبات دولية على طهران، وربما
تبرير قرار الحرب ضدها في النهاية إذا
لزم الأمر!
التحريض
العسكري بدأ
ولأنه
ليس هناك صدفة في الأمر برمته وتبدو
الطبخة مكتملة؛ فقد لوحظ أن الصحف
الأمريكية القريبة من دوائر
الاستخبارات الأمريكية بدأت تنشر
أخبارًا مواكبة للمشكلة تطالب الإدارة
الأمريكية بالتحرك لمجابهة الخطر
النووي الإيراني.
حيث
ذكرت صحيفة "واشنطن بوست"
الأمريكية 15-6-2003 أن المناقشات بشأن
إيران محتدمة سواء داخل الإدارة
الأمريكية أو خارجها، وقالت: "إن
البعض داخل الإدارة الأمريكية يعتبر أن
إيران مهيأة لقيام ثورة، في حين يؤكد
البعض الآخر أنه ليس هناك ضمانات قوية
على أن تغييرًا جذريًا سيحصل خلال
السنوات الثلاث المقبلة، وهي الفترة
التي تحتاج إليها إيران بنظر عدد من
الخبراء المستقلين للتزود بأسلحة نووية.
ويرى
هؤلاء -حسبما قالت الصحيفة- أن على
الولايات المتحدة أن تفكر في تحركات
أخرى، بما في ذلك عملية وقائية ضد
المواقع النووية المشبوهة"؟!
هل
يمكن القول بعد ذلك بأن مظاهرات طهران
عفوية وشعبية؟! وهل الضغوط الحالية
لإدخال الإيرانيين حظيرة وكالة الطاقة
الذرية ودوامة التفتيش والمفتشين مقدمة
لنزع أسنان (أسلحة) الطاووس الإيراني
وتطويعه، وحذف اسمه من قائمة "الشر"
الأمريكية؟!
تابع
حول نفس الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
**
محلل الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين. نت
|