 |
|
حلم التحرير لم يزل براقا
|
مثّل
شهر مايو خيبة أمل كبيرة للمؤسستين
الأمنية والسياسية في دولة الاحتلال
إسرائيل، فقد كان أحد أهم رهانات دوائر
صنع القرار الإسرائيلية على العدوان
الأمريكي على العراق أن تتولد قوة دفع
ذاتية تعمل على تآكل الطاقة الكامنة
لانتفاضة الأقصى، وتهاوي أسس المقاومة
الفلسطينية، حيث توقع الإسرائيليون أن
تساهم الصدمة الناجمة عن احتلال أمريكا
للعراق في تدمير معنويات الفلسطينيين
وإجبارهم على التراجع عن المقاومة
كخيار لتحقيق الأهداف الوطنية.
ما
حدث في شهر مايو كان تذكرة للإسرائيليين
بأن رهانهم قد فشل مبكرًا وبأسرع مما
توقعوه. ففي هذه الشهر عادت العمليات
الاستشهادية لتضرب من جديد العمق
الإسرائيلي بعد أن قطعت دولة الاحتلال
شوطًا كبيرًا في إقامة الجدار الأمني
الفاصل، وبعدما جندت أكثر من عشرة آلاف
جندي وشرطي لمنع تسلل الفلسطينيين إلى
عمق المدن اليهودية.
العمليات
الاستشهادية التي وقع أربع منها في أقل
من 48 ساعة تركت صدمة في نفوس أولئك الذين
يرسمون السياسات الأمنية الإسرائيلية،
وأصبح هؤلاء يتعرضون لحملة انتقادات
شديدة في وسائل الإعلام الإسرائيلية
التي وصفتهم بالعجز رغم استثمار
إمكانيات جبارة في الجهد الأمني لقمع
الانتفاضة.
ليس
هذا فحسب، بل إن العمليات الاستشهادية
عادت لتترك تأثيرها على كل مناحي الحياة
في إسرائيل، فتقلص من جديد الإقبال على
استخدام وسائل النقل العام، وتدنت
أعداد الذين يتجهون إلى دور التسوق
الكبيرة وأماكن اللهو والفنادق.
لكن
في مقابل ذلك واصل جيش الاحتلال تنفيذ
سياسة قمعية في مواجهة الفلسطينيين،
وفي أحيان كثيرة غير مسبوقة. فحكومة
شارون التي أُجبرت لأسباب عديدة على
الموافقة بتحفظات على خطة "خريطة
الطريق"، توصلت إلى قناعة مفادها أنه
يتوجب تكثيف عمليات القمع ضد الشعب
الفلسطيني حتى يتم تطبيق المرحلة
الأولى من الخطة.
مجازر
وعمليات واسعة
كثّفت
قوات الاحتلال من عملياتها الواسعة،
سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال
شهر مايو. وإن تشابهت آليات عمل قوات
الاحتلال، فإن مسوغات هذه العمليات ظلت
متباينة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
فلم تزل إسرائيل تعتبر أن مدينة رفح
تشكل نقطة ضعف كبيرة لها، حيث تتهم
الفلسطينيين بأنهم يقومون بتهريب وسائل
قتالية من مصر عبر أنفاق تصل رفح
المصرية برفح الفلسطينية، وعادة ما
يتخذ جيش الاحتلال هذا الادعاء كتبرير
لشنّ حملات واسعة ومتواصلة على
المدينة، لا سيما الضواحي الجنوبية
منها المتاخمة للحدود مع مصر.
وعمليات
التوغل التي تستهدف المدينة والتي تهدف
إلى تدمير الأنفاق والمنازل التي
تتواجد فوقها، في بعض الأحيان تكون
مترافقة مع مجازر بشعة يقدم عليها جنود
الاحتلال، كما حدث في الأول من الشهر،
عندما اجتاحت قوات الاحتلال المدينة
وشنّت حملة واسعة قتل فيها تسعة
فلسطينيين وجرح أكثر من تسعين. وخلال
عمليات التوغل الواسعة يتم تجريف
مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
ولعلّ
المثال الأوضح على ذلك ما حدث ويحدث في
محيط بلدة "بيت حانون"، شمال قطاع
غزة. فقادة جيش الاحتلال يدعون أن رجال
المقاومة الفلسطينية، لا سيما عناصر
"كتائب عز الدين القسام"- الجناح
العسكري لـ"حماس"- يتخذون من
الحقول الزراعية المحيطة بالبلدة نقطة
انطلاق من أجل قصف المدينة الإسرائيلية
"سديروت" التي تبعد أقل من كيلومتر
عن المزرعة الخاصة لرئيس الوزراء
الإسرائيلي إريل شارون بصواريخ "القسام".
وتحت هذه الحجة قامت قوات الاحتلال
باجتياح البلدة، وتجريف كل الأراضي
الزراعية والأشجار المحيطة بها، مع
العلم أن المنطقة من أفضل المناطق
الزراعية في القطاع، بحيث استحالت
البساتين الغنّاء التي كانت تحيط
بالبلدة أرضًا جرداء تناثرت فيها أكوام
الحجارة والرمل وأغصان الأشجار المجتثة.
من
الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن
العمليات الواسعة في قطاع غزة تختلف عن
العمليات الواسعة التي يقوم بها جيش
الاحتلال في الضفة الغربية، من حيث إن
العمليات في القطاع لا تعتمد بشكل خاص
على معلومات استخبارية دقيقة، فهدف
العمليات في غزة تنفيذ العقوبات
الجماعية، في حين إن العمليات الواسعة
في الضفة الغربية تعتمد بشكل أساسي على
معلومات استخبارية دقيقة حول وجود
مجموعة من المقاومين في مكان ما؛ الأمر
الذي يتطلب توجيه قوة عسكرية لإلقاء
القبض عليهم أو تصفيتهم، كما حدث في
عمليات التوغل التي قامت بها قوات
الاحتلال في مدينتي "طولكرم"، و"جنين"
شمال الضفة الغربية مؤخرًا، حيث كان
الهدف إلقاء القبض على بعض المطلوبين.
عمليات
التصفية والاعتقال
نشطت
قوات الاحتلال في هذا الشهر في اغتيال
عدد من نشطاء المقاومة. وقد نقلت القناة
الأولى في التلفزيون الإسرائيلي عن
وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز
قوله لقادة أركان الجيش إنه يتوجب "إزاحة
أكبر عدد من رءوس" رجال المقاومة
الفلسطينية قبل تطبيق "خريطة الطريق"،
لكن الإسرائيليين عندما يترك لهم
الخيار بين الاعتقال والتصفية، فإنهم
يختارون الاعتقال، على اعتبار أن
اعتقال المقاومين يسمح لعناصر
الاستخبارات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك"،
بالحصول على معلومات تساهم في إحباط
عمليات المقاومة.
وفي
ظل هذه السياسة تتوالى الشهادات التي
تؤكد الواقع المأساوي الذي يحياه
الأسرى الفلسطينيون في السجون
الإسرائيلية. إذ إن الأسرى الفلسطينيين
يؤكدون أن ما يحصل عليه أي أسير فلسطيني
من غذاء يشكل ربع ما يحصل عليه أحد كلاب
الحراسة في السجن.
تدمير
المنازل
خلال
شهر مايو 2003 واصلت قوات الاحتلال عمليات
تدمير المنازل، كصورة من صور العقاب
الجماعي الشديد ضد الفلسطينيين. وتركزت
عمليات تدمير المنازل بشكل خاص في مدينة
"رفح" بدعوى أن هذه المنازل تغطي
على وجود أنفاق تستخدم في تهريب السلاح.
لكن
في أرجاء الضفة الغربية فإن تدمير
المنازل جاء إما لأن هذه المنازل تعود
لأسر شارك أبناؤها في عمليات
استشهادية، أو لأنها بنيت بدون ترخيص.
جيش
الاحتلال قال خلال الشهر بأنه قام
بتدمير 774 منزلا فلسطينيا تعود لأسر
استشهاديين أو أسرى، أو استخدمت في
إقامة الأنفاق، أو لأنها شيدت بدون
تراخيص من سلطات الاحتلال. هذه الحصيلة
لا تتضمن المنازل التي دمرت في منطقة
القدس؛ لأنها لا تخضع لسلطة الجيش، بل
الشرطة.
ومع
ذلك فإن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن
أكثر من ألف منزل قد تم تدميرها من قبل
قوات الاحتلال منذ اندلاع انتفاضة
الأقصى.
الإبعاد
إلى غزة
خلال
مايو وبعد موجة العمليات الاستشهادية
قررت الحكومة بضغط من القوى اليمينية
والجيش العودة إلى أسلوب الإبعاد من
الضفة الغربية إلى قطاع غزة. وعمليات
الإبعاد هي نوع من أنواع العقاب
الجماعي؛ إذ إنها تتم ضد أناس على علاقة
قرابة أولى بمنفذي عمليات استشهادية أو
عمليات مقاومة أخرى، دون أن يكون لقوات
الأمن الإسرائيلية أي إثبات أن لهم
علاقة بهذه العمليات.
في
هذا الإطار أبعدت قوات الاحتلال خلال
الشهر الجاري شقيق ناشط في "سرايا
القدس" -الجناح العسكري لحركة الجهاد
الإسلامي- من جنين إلى قطاع غزة، وأصدرت
أمرًا بإبعاد أربعة آخرين. وجميع
المبعدين كانوا أسرى إداريين لم تنجح
قوات الاحتلال في صياغة لائحة اتهام
ضدهم.
المقاومة
تتجاوز الاحتياطات الأمنية
في
الفترة الممتدة بين فجر الثامن عشر من
مايو إلى عصر اليوم التالي، وقعت أربع
عمليات استشهادية، تركت المؤسسة
الأمنية في ذهول تام. وعبّر عن ذلك أوري
ساغيه -الرئيس السابق لجهاز
الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية-
قائلا: "إن نجاح الفلسطينيين في تنفيذ
هذه العمليات هو خير دليل على فشل كل ما
قمنا به في مواجهة الانتفاضة. والأفضل
أن نركز على الآفاق السياسية للخلاص من
هذا الواقع".
لكن
العمليات لم تنحصر في مجال العمليات
الاستشهادية، فقد قامت حماس بعمليتين
نوعيتين في قطاع غزة، عندما قامت بقصف
مقر قيادة قوات الاحتلال في القطاع
والكائن في مستوطنة "نافيه ديكاليم"،
حيث أسفرت العملية عن إصابة عشرة جنود
في 13 مايو. ولهذه العملية أهمية خاصة
لكونها أول عملية قصف بالهاون تسفر عن
هذه الإصابات وفي عمق قاعدة عسكرية
محصنة.
كما
نجحت حماس في تفجير عبوة جانبية ضد
حافلة للمستوطنين كانت في طريقها من
مستوطنة "نيتساريم" -جنوب مدينة
غزة- إلى معبر "كارني" -شرق القطاع-
الأمر الذي أسفر عن إصابة تسعة مستوطنين.
كما قامت "كتائب شهداء الأقصى" -الجناح
العسكري لـ"فتح"- في السادس من
الشهر بنصب كمين مسلح أسفر عن مقتل
مستوطن وإصابة آخر.
خلاصة
في
مايو 2003 استطاعت المقاومة الفلسطينية
أن تُفهم دوائر صنع القرار السياسي
والأمني في دولة الاحتلال أن إرادة
الشعوب في التحرر والانعتاق من
الاحتلال لا يمكن أن تتآكل بسبب هذا
التطور الإقليمي أو ذاك، فما دامت
الأسباب التي انطلقت من أجلها المقاومة
موجودة، فإن المقاومة ستتواصل. ولعل
المؤرخ العسكري الإسرائيلي رؤفين
جوبيزون كان أول من حذر من أي رهان
إسرائيلي على نتائج العدوان على العراق
في كل ما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية،
حيث استند إلى التاريخ القديم والحديث
لكي يذكر قادة دولته بأنه لا مناص من
التوافق مع القوى العلمانية
الفلسطينية، مع كل ما يتطلبه ذلك من
ثمن، حيث يبقى ذلك أفضل -حسب رأيه- من
واقع تواصل فيه دولة الاحتلال مواجهة
مقاومة فلسطينية مؤمنة بحق شعبها في
العيش بحرية وكرامة.
اقرأ
أيضًا:
**مراسل "إسلام أون لاين.نت" للشئون الإسرائيلية- غزة.
|