|

|
|
مظاهرات تحذر من نزعات بوش التوسعية |
طالما
جاءت استطلاعات الرأي العام الأمريكي
مخيبة للآمال الأخلاقية والإنسانية،
قبل العدوان وبعد احتلال العراق؛ فقد
بقيت أرقامها الكبرى ملكًا خالصًا
لمؤيدي سياسة إدارة بوش الاستعمارية،
رغم الارتفاعات والانخفاضات التي طرأت
عليها في تلك الفترة؛ وهو ما كان له أثر
كبير في تيسير اعتداء واشنطن على دولة
ذات سيادة، مخترِقة بذلك الشرعية
الدولية. وفي السابق كان البعض يعول على
معارضة مؤثرة من الشارع الأمريكي لمنع
تلك الجريمة التي خطط لها بإحكام بالغ
مسبقًا.
وسُمعت
أصوات شعبية أمريكية في تقارير نشرتها
صحف، منها "لوس أنجلوس" (20 مارس 2003)،
تقول: "إن الحرب ضرورية حتى لا يعيش
الأمريكيون في رعب دائم"، وإن
استطلاعًا آخر أجرته الجريدة يومي 2 و3
شهر أبريل 2003 أكد أن 3 من بين كل 4
أمريكيين يؤيدون العدوان، وتوصل معهد
"جالوب" إلى أن 53% من مواطني
الولايات المتحدة -يفكرون في أنفسهم فقط-
يرون أن بلدهم سيصبح أكثر أمنًا بعد شن
"الحرب" على العراق، ودون النظر
إلى كوابيس الرعب والفزع والموت التي
أحاطت بالشعب العراقي المعدم تحت حمم
مكثفة، ألقيت عليه ليلا ونهارًا من أضخم
آلة عسكرية في العالم (أمريكا) وأكبر
ترسانة حربية في أوروبا (إنجلترا).
وبعد
أسابيع قليلة من سقوط النظام الحاكم
ببغداد أشار استبيان نشرته جريدة "واشنطن
بوست" الأمريكية 3-5-2003 إلى أن 52% من
الأمريكيين يرون أن إدارة بوش تسير
ببلدهم في الاتجاه الصحيح بشأن "الحرب"
على العراق ومكافحة ما يسمونه بـ"الإرهاب"
وسياسة الأمن الداخلي، بينما أعرب 46%
منهم عن اعتقادهم بأن وطنهم ينحرف عن
الطريق القويم على نحو خطير فيما يخص
تلك القضايا.
إرهاب
المعارضين
على
الرغم من أن السواد الأعظم من
الأمريكيين المناهضين لـ"العمل
العسكري" ضد العراق كانوا يعارضونه
لأسباب تتعلق بمصلحة بلدهم في المقام
الأول، وخوفًا من الآثار السلبية
المحتملة على اقتصادهم وزيادة البطالة
وأمنهم، وحفاظًا على حياة مواطنيهم
المجندين بالجيش.. فإن مؤيدي إسرائيل
وإدارة بوش لم يتوانوا لحظة عن توجيه
حرابهم المسمومة إلى رقاب كل من يخالفهم
الرأي، وكانوا يتهمونه دون تردد
بالعداء للولايات المتحدة ورئيسها
وحزبها الحاكم.
ومنذ
أن سقطت بغداد في يد قوات الاحتلال بدأت
حرب عارمة في أمريكا ضد كل الشخصيات
البارزة التي عارضت الحرب، وعمدت محطات
تليفزيونية وإذاعية إلى استضافة أشخاص
معروف عنهم أنهم سيهاجمون تلك الشخصيات
بقسوة، إضافة إلى صيغة العداء الواضح
التي غلفت حديث مقدمي البرامج، كما نشرت
الصحف مقالات وحوارات بها ما يكفي من
النقد اللاذع للمعارضين.
ولم
يتوقف إرهاب المعارضين عند هذا الحد.. بل
امتد إلى الإضرار بأعمالهم مثلما حدث
للممثل الشهير سيان بين الذي أكد في
دعوة قضائية أنه فقد دورًا في فيلم بسبب
موقفه من الحرب، كما تعرضت "ألبوم
نتالي مينز" إلى هبوط حاد بعد إطلاقها
تصريحًا معاديا لغزو العراق، وحرم "تيم
روبنسون" و"سوزان سارا ندون" من
حضور حفل المشاهير الذي يقام بقاعة الـ"بيسبول"،
ثم مُنعا من المشاركة في اجتماع "فلوريدا
يونايتد واي".
ويؤكد
هذا الهجوم الإعلامي على مناهضي الحروب
أن هناك إعدادًا مبكرًا لسلسة من
الجرائم المماثلة سترتكب ضد دول عربية
وإسلامية، وأن التشويه والتجريح لسمعة
الذين عارضوا غزو العراق سيبعثان
برسالة واضحة إلى كل من يفكر من
الأمريكيين في انتقاد شريعة الغاب التي
ينتهجها نظام واشنطن الحاكم، ويمثلان
وسيلة للردع حتى لا تعطي تلك الشخصيات
وزنًا أكبر للمعارضة داخل الولايات
المتحدة.
مجتمع
محبط
هذه
الأجواء المسمومة دفعت بالكثيرين من
مناهضي الحرب الأمريكيين إلى اليأس؛
فمثلا أكد الدكتور روبرت جنسن أستاذ
الصحافة بجامعة تكساس -وهو أحد أبرز
الكتاب المعارضين للسياسة الأمريكية في
الشرق الأوسط- أن إحساسه قد تبدل، وبدأ
يشعر بالنفور من موطنه الذي ولد فيه،
وأن تلك المشاعر قد تخللته بعد أن هاجمت
بلاده العراق، وأنه الآن معزول داخل ذلك
المجتمع رغم كثرة المحيطين به، ولم يعد
يتواصل سوى مع عدد لا يتجاوز أصابع اليد
الواحدة بشأن الحديث عن خطورة الوضع
الذي تمر به أمريكا، وأنه يشعر بأن
الكثيرين يتفقون معه في الرأي،
ويستمعون إلى حديثه لكن دون مشاركة
إيجابية في الحوار، وهو ما دفعه إلى
توسيع دائرته الاجتماعية عبر الحديث
الإلكتروني "الشات".
وتقول
الدكتورة آني هيجنز (أو"تهاني" وهو
اسمها العربي المفضل): إن الأمريكيين
الآن يمرون بحالة جد خطيرة؛ فهم لا
يحبون الاستماع إلى الآراء المخالفة
لسياسة بلدهم، وإذا استمعوا إليك فلن
يصدقوك؛ فهم يثقون بشكل مبالغ فيه
بمسئوليهم وبإعلامهم الذي أصبح أشبه
بالحكومي، وتشعر "آني" باليأس من
هذه الأوضاع، وتمضي وقتها بالقاهرة في
إلقاء محاضرات بالجامعة الأمريكية، وفي
أحاديث إعلامية لقنوات وصحف عربية، بعد
أن رفضت وسائل إعلام أمريكية نشر
رسائلها وتعليقاتها على تغطية أنباء
الاعتداءات الوحشية في فلسطين والعراق.
وتحكي
"آني" في محاضراتها ورسائلها
الإلكترونية إلى أصدقائها في الولايات
المتحدة تجربتها في جنين بفلسطين، وكيف
رأت قمع إسرائيل ووحشيتها. ويبدو مجتمع
مناهضي الحروب في أمريكا كأنه دائرة
مغلقة على عدد محدود من النشطاء الذين
يدورون في فلك واحد معزول عن بقية الشعب
الذي أسكرته الخمور المغشوشة المقدمة
من إدارة بوش، والتي يدفع الأمريكيون
ثمنها من دمائهم وأموالهم.
كشف
دور إسرائيل
ولد
العدوان الأمريكي البريطاني على العراق
حالة محدودة، إلا أن لها بعدًا إيجابيًا
يتعلق بإثارة الجدل حول مدى تعارض
المصالح بين أمريكا وإسرائيل؛ فقد شهدت
ساحة الإعلام الأمريكي سجالا حادًا بين
3 من كبار الكتاب والمعلقين السياسيين.
فقد
دافع عن الحرب ديفيد فروم؛ الكاتب
اليهودي الذي وضع خطاب "حالة الاتحاد"
الذي ألقاه جورج بوش الابن يوم 28 يناير
2002، ووصف فيه العراق وإيران وكوريا
الشمالية بأنهم محور الشر في العالم.
وأما الآخران فكانا معارضين للحرب وهما
بات بوكانان، وروبرت نوفاك. أما بوكانان
-معلق سياسي شهير، وقد خاض منافسة 3 مرات
للترشيح لانتخابات الرئاسة- فيقول:
نعتقد أن هناك مؤامرة من جانب بعض
المتشددين والمسئولين الرسميين تسعى
إلى الزج ببلدنا في سلسلة من الحروب
التي لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة،
وبالتواطؤ مع إسرائيل لإشعال هذه
الحروب".
وأما
روبرت نوفاك فقد وجّه انتقادًا حادًا
لفروم قائلا: "إنه من الصعب تذكر
مساعد رئاسي سابق استحوذت عليه جذوره
العرقية بهذه الصورة. ففروم أكثر تصلبًا
في دعمه لإسرائيل أكثر من أي قضية أخرى؛
وهو ما يطرح تساؤلا لا مفر منه حول ما
إذا كان هذا هو السبب الرئيسي وراء
دخوله البيت الأبيض".
وقد
يترك مثل هذا الجدل الساخن الذي بُث عبر
قنوات تليفزيونية، ونُشر في صحف ومجلات
عدة.. آثارًا وتساؤلات في العقل
الأمريكي عن مدى تطابق مصالح بلده مع
مصالح إسرائيل، وما هي جدوى دعمها على
حساب مصالح وطنية أمريكية.
ثقة
غريبة
جاء
في صدر الصفحة الأولى لجريدة "هيرالد
تريبيون" الدولية عدد 3-4 شهر مايو 2003..
أن معدلات البطالة الأمريكية قد بلغت
أعلى معدل لها منذ 8 سنوات؛ حيث وصلت إلى
6%، وفي ذات الفترة صدر استطلاع للرأي
أجرته "واشنطن بوست" يشير إلى أن
نسبة 64% من الأمريكيين يرون أن اقتصاد
بلدهم ليس جيدا بالقدر الكافي، في حين
اعتبر 36% منهم أنه جيد، وكشف الاستطلاع
عن أن مقارنة بين مدى استفادة بوش الأب
وبوش الابن من حربهما على العراق جاءت
المقارنة في صالح الابن.
يأتي
ذلك في الوقت الذي استنزف فيه العدوان
على العراق عشرات المليارات من
الدولارات المأخوذة من ضرائب
الأمريكيين، ولم يحقق بعدُ العائدَ
الذي خططت إدارة بوش لسلبه من ثروات
العراقيين.
ويولي
الأمريكيون جل اهتمامهم لسياستهم
الداخلية، رغم التحول الذي طرأ عليهم
بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر2001، وينتقد
مايكل مور في كتابه "رجال بيض أغبياء"
توجه بوش نحو زيادة الأموال المخصصة
لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون"
إلى 1.6 تريليون دولار، في حين يحتاج قطاع
التعليم إلى 112 مليار دولار فقط لا
يستطيع تدبيرها.
رغم
ذلك يرى البعض أنه ليس باستطاعة أحد من
الديمقراطيين منافسة بوش في انتخابات
الرئاسة القادمة، ونسمع عن أن الحزب
الديمقراطي يبحث بدأب عن مرشح يستطيع
مواجهة الرئيس الحالي للولايات المتحدة
في تلك الانتخابات.
اقرأ
أيضًا:
**صحفي مصري- محرر موقع 4newworld.com
|