English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


شعوبنا.. بين موات مرفوض وإنعاش مفروض

المسئولون عن الإحياء

06/04/2003

نبيل شبيب - بون

كلنا أو جلّنا يتساءل عن الشعوب العربية والإسلامية، وأين بقيت انتفاضتها التي بدا للوهلة الأولى أنها اندلعت مع اندلاع انتفاضة الأقصى منذ أيامها الأولى. وكلّنا أو جلّنا يعلم أن انتفاضة الشعوب العربية والإسلامية يمكن أن تصنع كثيرا من التغيير الذي يحقق المصلحة العليا لبلادنا -حكومات وشعوبا- ويعود بالسياسات المفروضة عليها من الخارج ومن الداخل إلى الطريق المنهجية القويمة التي تصدر عن المصلحة العليا فعلا لا قولا. وكلّنا أو جلّنا يطالب بأن تجدّد الشعوب تلك الانتفاضة، وأن تخرج من حالة الموات التي نشكو منها، ولكن من ذا يتحدّث أو يتساءل بصورة جادّة وهادفة عن موقعه هو من حمل هذه المسئولية، وأداء الواجب المفروض ليبدأ في حياته العملية وفيمن حوله تحويلُ هذا الكلام المتكرّر إلى درجة مملّة إلى واقع مشهود!

من السنن الاجتماعية والتاريخية ومن البدهيات المعروفة أنّ أيّ حالة اجتماعية ضربت جذورها في المجتمع وتفشّت مظاهرها -لا سيما السلبية- في حياته، وأصبحت جزءا من "الروتين" المألوف لديه، لا تتغيّر أو تنقلب رأسا على عقب هكذا دفعة واحدة، وبصورة تشمل بين ليلة وضحاها سائر من أصيب بتلك الحالة وسائر جوانبها. وما عرف تاريخ البشرية تغييرات متعدّدة الجوانب في وقت واحد -عقدية وفكرية واجتماعية سلوكية- وبصورة جذرية وشاملة وسريعة نسبيا، إلا عن طريق الرسل والأنبياء صلوات الله تعالى عليهم.

إنّما كانت بداية التغييرات الاجتماعية الكبرى الأخرى في تاريخ البشرية من صنع أفراد أو فئات محدودة العدد أيضا. وليس المقصود بطبيعة الحال أسلوب الانقلابات؛ فذلك أقرب إلى أعمال عصابات للسيطرة، ولا تدخل في نطاق التغيير الاجتماعي، وبالمقابل فإنّ الحديث عن استحالة التغيير إلاّ من قاعدة الهرم الاجتماعي، وإلاّ مع حلول مرحلة "كما تكونوا يولّ عليكم"، هذا الحديث لا يكتمل ويستقيم دون طرح السؤال عن كيفية تغيير ذلك الوضع الاجتماعي للقاعدة، دون أن تنطلق البداية من فرد أو أفراد، لا سيما في حالة من قبيل ما هو موضع الحديث هنا "حالة ما نسمّيه الموات"، وبالتالي ضرورة خروج المجتمعات إلى حالة الانتعاش والتحرّك المؤثر الفعال؛ فهنا بالذات تبرز قيمة العمل الفردي. وقد عرفنا ذلك في تقويم الإسلام لعمل الفرد المتميز، وذاك ممّا نفهمه مثلا من الآيات الكريمة عن التسابق في الخيرات، وعن فئة {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}، أو نفهمه أيضا من جعل مرتبة الإنسان الفرد -عندما تتوفر له الشروط من علم ومعرفة وتقوى، ويكون موضع القدوة المؤثرة- إذا ما قام إلى حاكم جائر فأمره ونهاه فقتله، كمرتبة "سيد الشهداء" حمزة رضي الله عنه.

كذلك يعلم الدارسون عموما -بغض النظر عن منطلقهم العقدي- أن عامّة أحداث التغيير في التاريخ البشري تنطبق عليها هذه السنة الاجتماعية التي أكّدها الإسلام، أنها حركة تبدأ بأفراد، وتتحوّل إلى تغيير في وضع الأمّة؛ فهي تسري من حيث جوهرها على سائر المجتمعات وسائر الظروف والأمكنة والأزمنة، وإن تبدّلت الأساليب والوسائل تبعا للمعطيات المتوفرة والأغراض المستهدفة.

إنّ السؤال الذي بات يُطرح في مواكبة أحداث الانتفاضة الفلسطينية في الدرجة الأولى، ويتجدّد مواكبا للتهديدات العدوانية ضدّ العراق عن أسباب "الموات" على مستوى الشعوب ما بين المحيطات الثلاث.. إنّما هو في جوهره سؤال مطروح عن الأفراد القادرين على الخروج بالشعوب ومع الشعوب من حالة الموات إلى حالة الإنعاش، ولا يصحّ طرحه -كما يجري الآن إلى حد كبير لا سيما عبر الفضائيات- بأسلوب إلقاء اللوم على الشعوب؛ كاللجوء إلى ما يشبه الصراخ في وجه الشعوب عبر بعض التعليقات والحوارات، أو بأسلوب مزيد من التيئيس من خروجها من تلك الحالة، كقول أحدهم بصيغة السؤال الاستنكاري: إن لم تتحرّك الشعوب وهي تشهد قتل الأطفال كالدرّة وحجو فمتى ستتحرك؟!

العلّة في أنفسنا أولا

إنّ الصيغة الأكثر صحة للسؤال هي: إن لم يتحرّك من يملك المواصفات اللازمة للتحرّك على طريق التغيير وفق سننه الاجتماعية؛ فمتى سيتحرّك إذن؟ وكيف تتحرّك الشعوب دون أن تقع فوضى كبرى وربما فتنة هائجة؟

وإنّ المضمون الأجدى في طرح هذا السؤال هو: من الذي يملك مواصفات أن يكون هو نفسه حيّا وقادرا على الإنعاش؛ ليؤدي واجب الإنعاش المطلوب على المستوى الشعبي، بصورة قويمة وهادفة؟

إنّ الفئات المحدودة العدد التي كانت تتحقق التغييرات التاريخية في مجتمعاتهم عبر تحركهم هم لم يكونوا "صفوة ونخبة وطبقة" منفصلة عن المجتمع، بل كانوا مع مواصفاتهم المتميزة وبسببها جزءا من المجتمع، يتحرّكون به ومعه ومن خلاله، وليس عبر ما نصنع الآن عندما ننظر عن بعد ونتأمل؛ فنحلّل وننتقد، وقد نأمر وننهى، ثمّ "نوجّه الآخرين" فكريا وثقافيا من أبراج عاجية الجدران نحو الخارج، وربما كانت سوداء مظلمة في الداخل. ثمّ إذا سأل سائل في مثل أوضاعنا المزرية القاتلة: أين المثقفون؟ وأين ضمير الأمة؟ وأين الأحرار والمفكرون والدعاة والقادة؟ فقد يأتيه الجواب تسفيها له ولسؤاله، أو يأتيه بتكرار التحليل والنقد والأمر والنهي والتوجيه عن بعد، دون الخروج من حلقة مفرغة حشرنا أنفسنا فيها حشرا.

إنّ حالة الانفصام الكبيرة بين الشعوب ومشاركتها في صناعة القرار الذي يحدّد واقعها ومصائرها ومستقبلها إنّما تعود -فيما تعود- إلى حالة الانفصام الكبرى بين النخبة أو الصفوة أو المثقفين -أو سمّهم ما شئت- والواقع الميداني من حولهم؛ فما يجري بين فلسطين والشيشان، أو كشمير والصحراء، أو الصومال والبلقان، وفي العراق وربّما غدا في سوريا أو سواها.. هو عند كثير منّا "ساحة للدراسة" وليس ساحة للتحرك، والمطلوب في اعتقاد غالبنا أن نقول رأينا فيه، وقد ننزعج ونعبّر عن انزعاجنا لأنّ رأينا لم يجد من يسمعه أو يطبّقه، ولا نتساءل إلا نادرا: هل العلّة فيمن نوجّه إليهم ما نقول أم العلّة الكبرى فيما نقول نحن وفي أنفسنا نحن؟!

وكم نردّد في بعض كتاباتنا الحديث عن نماذج تاريخية صنعت التغيير أو ساهمت فيه، ولكن يغيب عنّا أو نغيّب عن أنفسنا عندما يُطرح السؤال عمّا ينبني على ذلك الكلام من واجب وعمل.. أنّ الفاروق العادل لم يكن "يتحدّث" عن العدالة بل يمارسها، كما مارس صلاح الدين القيادة، أو مارس ابن تيمية والعز بن عبد السلام "الجهر بالحق" والمواجهة، أو مارس ابن سينا والفارابي والزمخشري وسيبويه وأقرانهم من السابقين واللاحقين الإبداع، كلّ في ميدانه؛ فلم يكتفوا برفعه راية فاسدة أو غير فاسدة، ولم يمضوا إلى احتكار ذلك الميدان كما لو كان بضاعة للاستمتاع فحسب!

وفي بعض الأحاديث النبوية الشريفة كالحديث عن انقراض العلم بانقراض العلماء، والحديث عن انهيار الأمم بوصول الجهّال إلى مواقع صناعة القرار وتنفيذه -وفق المصطلحات المتداولة هذه الأيام- وأحاديث أخرى.. إرشاد له مغزاه العميق إلى مكامن العلل في المجتمعات البشرية، بما فيها المجتمع الإسلامي. فالمشكلة ليست في وجود فئات تحمل اسم العلماء، أو الدعاة، أو المفكرين، أو المثقفين، أو عدم وجودها، بل إذا وجدت تلك الفئات وبقي المجتمع ضعيفا واهيا أو كما نقول الآن بقي تسوده حالة الموات.. فيعني ذلك أنّه لم يتوفر الشرط الأساسي لتكون هذه التسميات في مكانها، وإن تشبثت تلك الفئات بها كتشبثها بالحياة نفسها، أو بتعبير آخر -والكلام على التعميم ولا يغفل عن الاستثناءات- لم يتوفر لغالبية أفراد هذه الفئات من المواصفات الواقعية ما يجعلهم قادرين على أداء الأدوار المنوطة بهم في الظروف الآنية المحيطة بنا، والأولى أن نقول -على وجه الإجمال دون التخصيص- إن لدينا فئات "الصفوة والنخبة" من علماء مقصرين، ودعاة فاشلين، ومفكرين مزعومين، ومثقفين منحرفين!

ليست قيمة التسمية بلفظها.. بل فيما تتركه من أثر على أرض الواقع، وليس في هذا إنكار للفضل الكبير الذي خلّفه ويخلّفه فريق ممّن يجمع بين الاسم والواقع التطبيقي في حياته وإنجازاته، ولولاه ما كان ما نرصد من إيجابيات تجدّد الأمل جيلا بعد جيل في عصر الانحطاط الشامل الذي نعيش فيه. ليس المقصود إنكار شيء من ذلك أو التهوين من قيمته، ولكن يبقى من الثابت أن السؤال موضع الحديث هنا عن أسباب حالة الموات شعبيا لا يستقيم إلاّ بتحويله إلى السؤال عن أسباب حالة الموات في الفئات التي تحمل قبل سواها المسئولية والأمانة والواجب، وتملك أكثر من سواها نظريا على الأقل المواصفات الأساسية المطلوبة للخروج من حالة الموات التي نشكو منها، بل تشكو تلك الفئات منها وكأنّه لا علاقة لها بها، أو كأنه ليست هي التي تحمل المسئولية العظمى لأداء الواجب، وإنعاش الشعوب، وإيقاد انتفاضتها من جديد. ويقول المنطق: ما دام هذا لم يحصل حتى الآن؛ فمعنى ذلك أنّ هذه الفئات لم تتحرّك حتى الآن بالصورة الكافية على الطريق القويم لتحقيق ما ينبغي عليها القيام به.

التحرّك رغم العقبات

لا يقولنّ قائل: إنّ في بلادنا حكومات تمنع، ومخابرات تلاحق، وسجونا منتشرة، وهراوات شرطة ناشطة، وحرّاسا على الأمن الإسرائيلي أكثر من الأمن الفلسطيني والعربي والإسلامي. نعم جميع ذلك موجود، وينبغي التحرّك رغم ذلك، بل بسبب وجوده على وجه التخصيص؛ فلو لم يكن موجودا لسقط جزء كبير من المهمة المطلوبة والملقاة على عاتق تلك الفئات على طريق النهوض بالأمة عموما، ومن حالة الموات الراهنة على وجه التخصيص.

إنّ الإنعاش مطلوب في حالة الموات، وبسبب وجود من يصنع ذلك الموات صنعا، ومن يدعم بقاءه ويعمل على استمراره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولولا هذا فما المطلوب إذن من تلك الفئات الموصوفة بالنخبة والصفوة؟ ألا نريد أن نتحرّك إلا عندما تكون الطريق مفروشة بالورود والرياحين، وبعد أن تسقط العقبات من تلقاء نفسها فتزول الأسباب الداعية إلى التحرّك؟

ذاك ضرب من ضروب التبرير للقعود عن التحرّك، وربما لتهدئة الضمائر ذاتيا، وفي الحالتين لا يسمن ولا يغني من جوع؛ فلن تفرش الطريق بالورود والرياحين، بل بالأشواك، ولن تسقط العقبات.. بل قد تزيد على قدر "حجم التحرك الفعلي"، ولن تزول الأسباب تلقائيا إلا في أحلام الواهمين.

وبالتالي فإنّ كلّ تعليل لاستمرار مواتنا باستمرار وجود ذلك كله أو بعضه إنما هو في حدّ ذاته دليل على مواتنا الأكبر، مهما أطلقنا من ضجيج وصخب حول عناوين الصفوة والنخبة وما تصنعه، وهو ضرب من ضروب الهروب من أداء الأمانة، رغم العلم بأنّ لكل أمانة تكاليفها.

كذلك لا يقولنّ قائل بانعدام الإمكانات والوسائل أو ضعفها؛ فهو وكثير من الاعتراضات المشابهة يمليها الجدل في الدرجة الأولى، وليس البحث عن مخرج مع العزيمة للمضيّ عبره، وهو ممّا ينطبق عليه أيضا السؤال: أليس من المهمّة المطلوبة في المرحلة الراهنة أن نوجد الإمكانات والوسائل؟ ولو كانت متوفرة بصورة وافية، لسقط جزء من الواجب المطلوب، هذا مع التأكيد على أنّ من يُرد يجد الطريق، ويجد الوسائل، وذاك جزء من عقيدتنا، مصداقا لقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

إن إنعاش الشعوب العربية والإسلامية من حالة الموات السلبي إلى حالة اليقظة الواعية الهادفة الناشطة الفاعلة يتحقق عندما ينتقل الفرد منا -الكاتب أو المتكلم، والقارئ أو المستمع- من حالة طرح السؤال مرة بعد مرة إلى إعطاء الجواب بنفسه بصورة عملية تطبيقية جادّة، ومن حالة البحث عمّن يؤدي الواجب إلى الشروع في أدائه دون تسويف، ومن حالة تدافع المسئولية إلى التسابق على حملها، ومن حالة الانشغال بالتوافه والصغائر والضغائن والخصومات إلى الاشتغال بقضايانا الكبرى، والتعاون على الحق والوقوف معا في وجه المخاطر الخارجية.

ولن يتحقق هذا دون أن نفهم ونستوعب ونعمل؛ أي أن يفهم كل فرد منا ويستوعب ويعمل قدر الطاقات المتوفرة ووفق الموقع الذي يشغله، بمقتضى كلام الله عزّ وجل:

{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدً}.

{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

{ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

{إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

تابع في هذا المقال:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع