|
ليس
موات الشعوب "مرضا وراثيا"، ولا
جاء في بلادنا العربية والإسلامية
بصورة مفاجئة أو نتيجة سلوك اعتباطي، بل
أصبح مع مرور الزمن حصيلة جهود متضافرة
يصنعها التخطيط والتنظيم والتوجيه
والمتابعة ممّن يرى مصلحته في عدم تحقيق
مصلحة الأمة وقضاياها المصيرية كما في
قضية فلسطين، أو قضية العراق، وهي جهود
هادفة يبذلها عدوّ خارجي، أو تبذلها من
داخل الصفوف أطراف توهّمت أن مصالحها
الذاتية لا تتحقق إذا قامت للشعوب
قائمة، وحكمت نفسها بنفسها، وعبّرت عن
تطلعاتها دون قيود.
صانعو
الموات من الخارج
تصنع
المواتَ عمدا جهاتٌ أجنبية معادية
وجهات داخلية ربطت نفسها بها. ولنأخذ
هنا باعتراض مَن يعترض كالمعتاد
وبأسلوب تقليدي ممجوج؛ فكل حديث عما
تصنعه تلك الجهات بالذات، حتى ولو صنعته
علنا وليس في جنح الظلام، وصرّحت
بمقاصدها منه هكذا باستهتار واضح دون
حياء، حتى في هذه الحالة.. فالحديث عنهم
عند بعض المعترضين محض اتهام موهوم من
نتاج "فكر المؤامرة".
لننظر
إذن في بعض جوانب ما يجري من صنع تلك
الجهات في الوقت الحاضر، ثم سيّان بعد
ذلك: هل قيل إنّها تتآمر أم قيل إنّها
تتصرّف بغباء أو نوايا طيبة أو جهل!! فما
يهمّ الطرفَ المتضرّر هو أنّ الحصيلة
واحدة؛ تسبب له الضرر، وتتضمّن فيما
تتضمّن ترسيخَ "موات الشعوب"،
وبالتالي فهي توجب العمل على معالجة
الموات من خلال مواجهة تلك الأسباب
الأولى ومَن يصنعها.
لقد
أصبح ما يمارسه عدوّ خارجي كالصهيونية
العالمية، أو طامع أجنبي كالقوى
الغربية المهيمنة على استغلال النفط
الخام في قلب بلادنا.. معروفا؛ فلا يتطلب
ذكره تفصيلا، إنّما نرى الارتباط
الوثيق بينه وبين ظاهرة ترسيخ الموات
على المستوى الشعبي في بلادنا، من خلال
عدد من العناصر الرئيسية، أبرزها في
المرحلة الراهنة:
1-
الأسلوب الاستعراضي في ممارسة
الاستغلال والهيمنة، وفي إظهار القدرة
على الجمع بين أسباب السيطرة على صناعة
القرار السياسي والاقتصادي والأمني
داخل عواصم بلادنا؛ فلم يعد ذلك يجري من
وراء ستار، بل هكذا علنا أمام أنظار
الشعوب، ولم يعد من المستهجن في وسائل
الإعلام وحتى على ألسنة بعض المسئولين
القول مثلا بكل تبجّح: إن واشنطن هي التي
منعت عقد لقاء قمة عربية، أو هي التي
أملت صياغة هذا الموقف العربي أو ذاك،
وهذا القرار الرسمي أو ذاك بعد انعقاد
القمم، أو إنّها تمارس الضغوط على
المسئولين السياسيين فيستجيبون، بل لم
يعد نادرا أن يقف وزير خارجية بلد عربي
ليتحدّث هكذا جهارا نهارا عن بعض جوانب
التبعية لواشنطن على الملأ، ويورد ما
يورد من تعليلات مخزية!
2-
نماذج التنكيل الرادع، وهو ما يزداد
مفعوله عندما يرافق استعراضَ الهيمنة
المذكورة جنبا إلى جنب، وقد أصبحت
ضرباته الخاطفة أو الطويلة الأمد شاملة
للدول والشعوب معا، بصورة مباشرة، أو
عبر تمكين القوى الإقليمية المعادية من
صنع ما تريد، ولئن أصبح التنكيل
الصهيوني الإجرامي مثالا نموذجيا في
حاضرنا "العربي المعاصر"، وأصبح
التخاذل الرسمي تجاهه من أشدّ عناصر
ترسيخ الموات على المستوى الشعبي في
الوقت الحاضر؛ فالواقع أنّ هذا يأتي
متضافرا مع سلسلة من عمليات تنكيل "نموذجية"
أخرى: حرب شاملة، أو قصف صاروخي خاطف، أو
حصار إجرامي، أو إهمال قاتل... وغير ذلك
ممّا يؤدي -سيان نتيجة قصد مباشر أو غير
مباشر- إلى أن يقف أي إنسان عاديّ أمامه
موقف المشدوه المذهول؛ إذ لا يكاد يصدّق
أنه يحصل فعلا وعلنا، وهذا بينما لا
ينقطع حديث الساسة المسئولين والإعلام
الموجّه داخل بلاده القائل: إنّه لم يصل
سنّ الرشد أصلا ليفهم ما يجري عبر الزعم
مثلا أن شعوبنا دون مستوى رفع وصاية "النخب
السياسية المزعومة" عنها، أو القائل
للفرد العادي: إنّه هو المتخلف العاجز
عن ممارسة المقاومة بأي شكل فعال، وإنّه
مجرّد فرد يعاني ما يعاني من مصائب
الفقر أو مصائب البطر. كأنّما تضافر
التعامل الدولي والمحلي مع نماذج
التنكيل الجارية تلك على جعلها مثل
الصدمات المتوالية؛ للتدويخ -إذا صحّ
التعبير- أي ليستفحل "موات الشعوب"
وينتشر. والأمثلة معروفة وإن اختلفت
الصور والأساليب ما بين الشيشان
والبلقان وجنوب الفليبين وكشمير
وأفغانستان والعراق وحتى السودان
والصومال.
3-
التيئيس من مخرج: وله سبل وطرق عديدة،
كان من أبرزها قبل الحرب ضد العراق
إقحام استخدام تعبير "الشرعية
الدولية" فيما يجري من تقتيل وتدمير
وعدوان وفق "شرعة الغاب" المحضة،
ونتيجة ترسيخ الاستبداد العالمي فحسب؛
فكأنّ المقصود بنسبة الإجرام المتواصل
إلى الشرعية الدولية هو ألا يبقى أمام
الشعوب بصيص أمل في أن تحصل على حقوقها
المشروعة فعلا، أو أن تنال العدالة في
التعامل مع قضاياها الذبيحة علنا،
طالما استمرّ الترويج بأنّ هذا الذي
يجري هو ما "اجتمعت عليه الأسرة
الدولية" كما يقال، واستمرّت المزاعم
الكاذبة بأنه هو ما يحمل صفة المشروعية
لمجرّد أنّه صدر في صيغة قرار عن مجلس
الأمن وإن طعنت المواثيق الدولية
ونصوصها الثابتة في الصميم.
إنّ
تعبير "الشرعية الدولية" الذي بات
أكثر المصطلحات المزيفة انتشارا فيما
يكتب ويقال بالعربية.. يتردّد -وهذا ممّا
ينشر التيئيس- على ألسنة "من يمثلّ
رسميا" أشدَّ المتضررين باستخدامه
المنكوس ذاك؛ أي داخل نطاق المسئولين في
بلادنا، وألسنة من يتبعهم أو يتبع الغرب
إلى "جحر الضبّ" في سائر ما يقول
ويصنع.
صانعو
الموات من الداخل
المشكلة
الكبرى ليست فيما تصنعه تلك الجهات
الخارجية ويرسّخ نشر ظاهرة الموات،
وإنّما هو فيما تصنع الجهات الداخلية في
هذا الاتجاه.
مهما
صنعت القوى المعادية من خارج الحدود؛
فإنّ مفعوله ردعا وتيئيسا لا يتحقق على
مستوى شعوبنا العربية والإسلامية، إلا
عن طريق الركائز التنفيذية المحلية،
التي تسوّق ما تريده تلك القوى، أو
تساعد في تثبيته، سواء عن غباء مطلق، أو
عن وهم خطير بتحقيق منفعة من المنافع
العامّة أو الذاتية.
مثال
ذلك قد يكون حديث واشنطن عن صور
المقاومة المشروعة العربية والإسلامية
لتحصيل حقوق مهضومة وفق المواثيق
الدولية بأنّه "إرهاب"، ويكون
إصدار واشنطن تقاريرها عن ذلك،
وتوجيهها الاتهامات وإصدارها الأحكام،
وفرضها الحصار والمقاطعات بدعوى مواجهة
"إرهاب دولي".. قد يكون جميع ذلك
مثيرا ومزعجا ومرعبا لبعض الجهات،
ولكنّه لا يحقق المفعول الإرهابي
الأمريكي الاستبدادي المطلوب منه تجاه
شعوبنا وبلادنا، إلا عندما يجد داخل
بلادنا من يتعامل مع تلك التقارير
الأمريكية العدوانية وكأنها "أحكام
قضاء وطني نزيه"، ويجد من يشاطر
واشنطن مباشرة في سائر ما تقول أو معظمه
على المستوى الإعلامي والرسمي، بل من
المستحيل أن يصنع الإرهاب الأمريكي
مفعوله لولا أنّه يجد محليا وإقليميا من
الركائز ما يوصل مثلا إلى مؤتمر نكد
كمؤتمر شرم الشيخ -في حينه- لمكافحة
الإرهاب (بمعنى خنق المقاومة الإسلامية
الفدائية في فلسطين المغتصبة)، أو ما
يوصل أيضا إلى أن يكون الميثاق العربي
الوحيد الذي صدر خلال سنين عديدة مضت،
وفي حقبة "منع عقد القمة العربية"
عمليا.. هو ما وقع عليه وزراء الداخلية
العرب، وأبرز محاوره التعاون لمكافحة
"الإرهاب"، وقد يكون فيه ما يستحق
هذا الوصف فعلا، إنّما المستهدَف أكثر
من سواه، كما تشهد الوقائع التطبيقية
على الأرض، هو في الدرجة الأولى ما بات
الاستبداد الدولي الأمريكي يعتبره "إرهابا
إسلاميا" كعدو بديل عن شيوعية منهارة!
ومثال
آخر: قد نرصد مفعولا سلبيا كبيرا من وراء
تجنيد وسائل الإعلام في بلادنا العربية
منذ عام 1967 على الأقل، لتسويق مصطلحات
صنعها المنظور الصهيوني الأمريكي لقضية
فلسطين، من أجل تحويلها في تصوّرات
الشعوب من قضية اغتصاب وتحرير إلى مشكلة
"نزاع فلسطيني إسرائيلي" انمسخ
لاحقا إلى حكايات إدارة ذاتية مقيدة،
وإلى أزمة "الشرق الأوسط"
الإقليمية التي انمسخت -تبعا لذلك- إلى
قضية حدود ومكاتب وسفارات وتعاون،
تماما كما أرادت القوى الغربية
المتضافرة مع الصهيونية العالمية
للانحراف بالقضية المصيرية عن مسارها
الأصيل. ربما كان مفعول تلك الحملة
الإعلامية المستوردة عبر صحف وأقلام
ارتبطت بالغرب وتصوّراته ارتباط الرقيق
بالسيد المالك للرقاب.. مفعولا سلبيا
على الوعي الشعبي في بلادنا بالقضية،
ولكن المفعول الأخطر هو أنّ الحكومات
المسئولة قد مضت على هذا الطريق، من قبل
مدريد وأوسلو، كما كان في كامب ديفيد
ومشروع فاس، وهي التي جنّدت ما تملكه من
وسائل السيطرة الداخلية لتحويل
التصورات المنحرفة إلى قرارات
وتوجيهات، فساهمت بذلك مساهمة مباشرة
في نشر "التيئيس" على المستوى
الشعبي من إمكانية العمل للتحرير، ومن
دعم من يعمل للتحرير، وذلك عبر تصوير
صنيع من يصنع ذلك "إرهابا" ودعما
للإرهاب تحت طائلة العقوبة!
وربما
كان من أسوأ أساليب نشر الموات على
المستوى الشعبي ودعمه هو تيئيس الشعوب
من الحكومات، وأعجب ما في ذلك أنّ هذه
الحكومات نفسها باتت تساهم في صنعه؛ فهي
تبلغ بذلك أقصى درجات المخاطرة.. ليس
بالبلاد فقط، بل بالمصالح الذاتية في
التمسّك بالسلطة، وإلا فهل يمكن -على
سبيل المثال- أن ينشر التيئيسَ القاتل
شعبيا أمر أكثر ممّا نشره انعقاد مؤتمر
بعد مؤتمر على أعلى المستويات؛ حيث
ألقيت بعض الخطب؛ كما كان في القاهرة
والدوحة وعمّان وبيروت وشرم الشيخ، ثم
لم ينفذ حتى القليل ممّا أعلن على شكل
توصيات أو قرارات. ثم انعقاد مؤتمرات
أخرى على غير انتظار وإلحاح، ومعظمها
على مستوى وزراء الخارجية، لتكرّر صورة
مؤذية، مثل إصدار قرار بترسيخ
المقاطعة، ثم ظهور مسئول بعد مسئول
بالتصريحات العلنية الاستعراضية أمام
الشعوب، في مسرحية تيئيس سياسي مأساوية
مخزية، بأنّ بلاده لا تلتزم بذلك، وهذا
بدءا بمصر والأردن، مرورا بموريتانيا
وانتهاء بقطر، ناهيك عمّن صمت كأن الأمر
لا يعنيه، وناهيك عمّن أعلن الاستهانة
بهذا كله هكذا جنبا إلى جنب مع مشاهد
الإجرام الإسرائيلي بفلسطين، ثم ما
أضيف عليها من مشاهد الإجرام الحربي
الأمريكي في العراق.
كيف
نقول بعد ذلك: إنّ ما يجري من نشر "الموات"
تيئيسا للشعوب يجري هكذا اعتباطا دون
قصد؟
ويوجد
مزيد من الأمثلة ولا يتسع المجال لها؛
فالآن مثلا لا يشذّ إلا شاذّ عن تلاقي
العلماء على اعتبار العمليات
الاستشهادية الفلسطينية صورة من أسمى
صور الجهاد على طريق الحق ضد الباطل،
ورغم ذلك لا تفتأ الأقلام ذات المداد
الصهيوني أو التابع للصهيونية
والاستبداد الأمريكي من ورائها تصرّ
على وصفها بـ"الانتحارية"، كما
تقول عنها القوى الصهيونية والغربية.
والآن
أيضا لا يكاد ينقطع الجهد الصهيوني
الأمريكي من أجل إثارة حرب أهلية
انتحارية فلسطينية داخل نطاق الشعب
الفلسطيني، عبر تجديد مهمة "الحراسة"
من جانب فريق فلسطيني ضدّ آخر لمصلحة
أمن العدو الصهيوني وسلامته. والفريق
الفلسطيني "الآخر" معروف، لا سيما
المجاهدون الاستشهاديون والفدائيون من
منظمات حماس والجهاد الإسلامي، وقد بدأ
يتحوّل إلى طريقهم الشطر الأكبر من
منظمة فتح أيضا، علاوة على بعض المنظمات
الأخرى، ثم أمام ذلك العداء الصهيوني
الأمريكي لا يصدر موقف عربي رسمي واحد
يدعم تلك المنظمات، ولا تتعامل معها
الغالبية العظمى من الأنظمة العربية
كما هي فعلا؛ كمنظمات مقاومة مشروعة ضد
كيان استعماري إجرامي باطل.. بل على
النقيض من ذلك تتضافر جهود فريق من
الدول العربية باسم "مبادرات السلام"
مع الجهود الغربية، وتصمت أخرى صمت
القبور، ويتحرّك فريق ثالث بأسلوب
الهيجان الفارغ المضمون من أي خطوات
عملية!!
ومثال
أخطر وأبعد مدى: إذا تحرّك بعض
المسئولين فقد بات يتحرّك لقتل محاولات
التحرّك الشعبي، كما حدث في أكثر من بلد
عربي؛ فمنهم من يحشر طلابه وراء قضبان
الجامعات وأسوار المساجد، ومنهم من
يلاحق نقابات بلده بالهراوات
والاعتقالات، ومنهم من يساهم على الأقل
في التعتيم على هذا وذاك وأمثاله.
إنّ
هذا الذي نسميه "موات الشعوب" (ونعني
به عدم تفاعلها تفاعلا حيا مع الأحداث
الدامية والمصيرية في أرض فلسطين
المغتصبة) إنّما "يساهم" في صنعه
أعداء خارجيون، وعداؤهم ظاهر للعيان،
ولا ينتظر إنسان عاقل واقعي منهم سوى
العداء، إلا إذا بلغت السذاجة منه
مبلغها! ولكن يصنعه أيضا على أرض بلادنا
أناس من داخل صفوفنا، بعضهم يحمل
المسئولية في الأصل عن مكافحة مظاهر
موات الشعوب لا ترسيخها، وإنّهم في ذلك
لا يصيبون بالضرر الكبير مصالح بلادنا
وشعوبنا وقضايانا المصيرية فحسب، بل
أصبحت مصالحهم ومنافعهم الشخصية
الذاتية أيضا غير مضمونة، ومثل هذا
السلوك لا يمكن وصفه بأقل من "الانتحار
السياسي".
تابع
في هذا المقال:
|