 |
|
أثبتت حماس قدرتها على الاستمرار وتجنيد أجيال تحمل رأيتها |
كان
من الجلي أن إسرائيل في السنة الثانية
من انتفاضة الأقصى قد اتخذت نهجًا
استئصاليا تجاه "حركة المقاومة
الإسلامية" (حماس)، لا يفرق بين
جناحها العسكري والسياسي، أو المستوى
الدعوي أو النشاط الميداني الانتفاضي.
أي أن التوجه الإسرائيلي انتقل من
المعالجة إلى الاستئصال، ومن التقليم
إلى إنهاء الوجود، ومن الضربات الجزئية
إلى الضربات الشمولية، وذلك بعد أن فشلت
رهانات الإسرائيليين على تطويع
مقاومتها، واستدراجها إلى مسيرة أوسلو،
وكذلك مراهنتهم على الحفاظ على قوة "حماس"
في مواجهة القوى الداعية إلى التسوية
ليحدث اقتتال داخلي فلسطيني.
وساعد
في تقدم سيناريو الاستئصال وتفعيله
جملة ظروف دولية، استندت بأغلبها إلى
التوجهات الأمريكية الوقائية لضرب ما
تسميه "الإرهاب الإسلامي" من جهة،
وإعادة ترتيب المنطقة العربية من جهة
أخرى، وتصدّر ضرب العراق الأجندة
الأمريكية.
كل
هذا أدى إلى تحليل إسرائيلي يتوقع ما
يلي على صعيد علاقة إسرائيل
بالفلسطينيين عموما، وبـ"حماس"
تحديدا:
1-
إن الحرب ضد العراق واستحقاقاتها ستفسح
المجال أمام إسرائيل لممارسة أوسع
للمجازر، وأكبر أحجام من الاعتقالات
والملاحقات ضد الفلسطينيين، وإن كان
هذا يصدق على عموم الفلسطينيين؛ فهو
أصدق على "حماس"، بدليل أرقام
السجناء والشهداء وتحليل انتماءاتهم،
والأعداد هنا بالآلاف، ما بين شهيد
وجريح ومُطارَد ومعتقل، وليس بالعشرات
أو المئات .
2-
إن الحرب الأمريكية تفسح المجال أمام
إسرائيل لاحتلال قطاع غزة أو إثخانه
وضرب بنية "حماس" القوية هناك .
3-
استجابة السلطة للإصلاحات التي طلبتها
إسرائيل التي تتطلب مسبقا تقويض "حماس"
وضربها؛ كونها الحركة المنافسة
والبديلة؛ وذلك لإتاحة المجال أمام
القوى العلمانية القابلة بالتسوية
لتعزيز قوتها وسلطتها من جديد، وقد
رأينا مؤيدات تحليلية إسرائيلية حول
هذه الفكرة بعد تعيين أبو مازن رئيسا
للوزراء للحكومة الفلسطينية .
4-
افتراض النجاح في ضرب العراق يعني لدى
إسرائيل النجاح في ترتيب المنطقة؛ مما
يفرض على إسرائيل ضرب "حماس" كجزء
من مخطط الترتيب المتفاهَم عليه
أمريكيا وإسرائيليا، بفرض أن "ما بعد
العراق" هو تأديب المشاغبين في
المنطقة وفرض أوسلو جديدة.
5-
ترويج أن "حماس" هي التي أفشلت حوار
القاهرة بين الفصائل الفلسطينية،
واتخاذ ذلك مدعاة وتهيئة جيدة لضرب
الحركة أمام العالم والرأي العام .
6-
الخوف من تكرار النموذج اللبناني في غزة
من خلال تهديدات صواريخ "القسام"
سرّع السيناريو الاستئصالي أو رجّحه؛
خوفا من مواجهة استحقاقات مثيلة في غزة
أو الضفة الغربية.
7-
تكرار الدعاية الإسرائيلية لعلاقة حماس
بالقاعدة، وبالتالي تعزيزها كحركة
إرهابية أمام الرأي العالمي والدولي
يساعد في تشريع ضرب الحركة وسحقها .
الإجراءات
الإسرائيلية
تمثلت
الإجراءات الإسرائيلية لضرب "حماس"
وتصعيد الفعاليات الأمنية ضدها، والبدء
في مسلسل القضاء عليها بما يلي:
1-
تضييق الخناق السياسي على وجود الحركة
في الخارج، وإرسال تهديدات خفية بواسطة
أمريكا للدول العربية -سواء الراعية
لوجود "حماس"، أو تلك التي تتعامل
معها- وإكمال ذلك فعليا بعد الانتهاء من
العراق من خلال الضغط على سوريا ولبنان .
2-
ممارسة ما أمكن من محاولات أمنية لتصفية
قيادات الحركة في الخارج، وممارسة ذلك
فعليا أثناء الحرب أو بعدها؛ مخافة
التشويش على المعركة الدبلوماسية
الأمريكية، وإحراج الدول العربية
المتورطة بمواقف ضعيفة تجاه المسألة
العراقية .
3-
تضييق الخناق المالي على مصادر الحركة
وتحجيم دورها الخيري من خلال ملاحقة
أرصدتها في البنوك الشخصية والمؤسسية،
والضغط على الدول العربية لمراقبة
الجمعيات الإسلامية المتعاطفة معها -وتحديدا
في أوروبا والخليج- أو إغلاقها.
4-
حشد العملاء لمهمات ملاحقة الحركة
ونشاطاتها، ليس فقط العسكرية بل
والاجتماعية والدعوية، والاستمرار
بفاعلية في حملات الاعتقال، وهز صفوف
الحركة، وإرباك عملها الاجتماعي
والجماهيري، وتخويف المناصرين لها؛
بقصد تقليل دائرة الاستقطاب حولها أو
التعاطف معها .
5-
ممارسة اغتيالات معنوية و"تطهيرية"
ضد قيادات الحركة البارزة، وخاصة تلك
المعروفة بمواقفها الصلبة، واستغلال
أفضل الظروف أو العمليات الموجعة
لإسرائيل كمبرر لممارسة ذلك، مع ممارسة
دعاية ضد الشخص المغتال بعلاقاته
العسكرية لتبرير أسباب اغتياله .
6-
استخدام كل الوسائل الإلكترونية
والاتصالية والتقنيات التجسسية لرصد
الحركة واتصالاتها وتواجد مطارديها
وقيادتها.
الإجراءات
المضادة
لقد
استشعرت "حماس" كل هذه الأخطار،
ولكن متأخرا، وليس أدل على ذلك من
تصريحات قادتها المتعاقبة والمحذرة من
المخطط الإسرائيلي، وسعت إلى مواجهة
ذلك من خلال الآتي :
1-
التجاوب مع دعوات حوار القاهرة رغم
الأصوات الداخلية الكثيرة التي حذرت من
هذا الحوار واستحقاقاته، وطرحت الحركة
هدنة قديمة جديدة مشروطة، وجعلتها في يد
المصريين إذا ما جرى أخذ المقابل من
الإسرائيليين سياسيا وميدانيا، لكن
إسرائيل رفضت التحرك بمنطق الأنداد،
ومارست اغتيالات ومجازر مختلفة ضد
الناشطين الفلسطينيين، رغم أن العمل
العسكري الفلسطيني فعليا توقف أكثر من
شهرين. كل ذلك أجبر "حماس" على
العودة إلى مواقفها الأصلية، وسحب
الهدنة المقترحة؛ خوفا من تفسيرها كضعف
أو هدية دون ثمن أو مقابل .
2-
تأكيد شرعية المقاومة عبر الحوارات
المختلفة مع الأوروبيين أو الأمريكيين
والمسئولين العرب.. "بأن هدف الحركة
ونضالها ضد الاحتلال في فلسطين وليس
خارجها، وأن وقف العمليات الاستشهادية
هو رهن التجاوب مع شروط الحركة، ووقف
استهداف المدنيين الفلسطينيين".
3-
تكرار نفي علاقة الحركة بتنظيم "القاعدة"
وأساليبه الجهادية، وشن حملة علاقات
عامة تستهدف النخب والرأي العام، تفرق
بين مقاومة الحركة وأهدافها وجهاد "القاعدة"
وأساليبه.
4-
تعزيز شرعية نضالها من خلال الحرص على
الانخراط في لجان القوى الوطنية
والإسلامية في مختلف المحافظات
الفلسطينية؛ للتأكيد على أنها جزء من كلٍ
في المقاومة الشاملة ضد الاحتلال،
والحركة كثيرا ما تؤكد في جملة أدبياتها
أنها جزء من كل لتحرير فلسطين، الذي يتم
-برأيها- من خلال تعاضد العرب والمسلمين
والفلسطينيين جميعا، وليس حماس وحدها.
5-
أخذ الاحتياطات والبدائل الأمنية
والخطوط الخلفية بعين الاعتبار،
والقيام بحملة توعية وتعبئة للتحذير
والتنبيه من مخططات الاحتلال وعملائه .
6-
رصد كل الجهود العسكرية للتصدي لمحاولة
اقتحام غزة مع الاستمرار بقصف صواريخ
"القسام" على المستوطنات القريبة
من مدن غزة، منطلقة من تحليل؛ مفاده أن
"اقتحام غزة مستمر، سواء أوقفت حماس
هذه الصواريخ أم لم توقفها"، كما أن
الاستمرار بضرب هذه الصواريخ يؤكد
للاحتلال والمستوطنين -بنظر الحركة- أن
مقاومتها لا تزال قوية ومستمرة؛ أي هو
إثبات للذات من جهة، وتأكيد للحضور من
جهة أخرى، وتعزيز للمقاومة من جهة ثالثة.
7-
تشويش المخططات الأمريكية
والإسرائيلية، وتفعيل ما أمكن من أعمال
المقاومة؛ بهدف خلق رعب موازٍ من جهة،
وإثبات قدرة على الرد من جهة أخرى،
وضمان ديمومة للانتفاضة ما أمكن.
الأفــق
كما
هو جلي؛ فإن الاحتلال ساعٍ بقوة
لاستغلال فرصة الحرب على العراق،
والظروف والإشكاليات والنتائج
المترتبة عليها، وهو مصمم على ضرب "حماس"،
وإن أمكن سحقها، ولكن هذا الاحتمال ضئيل،
ويكاد يكون مستحيلا؛ لأسباب موضوعية
وذاتية، ملخصها:
1-
أن وجود الحركة في الداخل الفلسطيني هو
من وجود الشعب الفلسطيني؛ فهي حركة ليست
طارئة أو حديثة، إنما هي حركة ذات تاريخ
طويل، وقاعدة فكرية صلبة تستند إليها،
وشعبية كبيرة في صفوف الفلسطينيين،
ناهيك عن تمتعها بمصداقية عالية جدا لدى
فئات الشعب الفلسطيني.
2-
لقد تعرضت الحركة من قبل إلى أزمات
قاسية إبان عمليات التفجير الكبيرة
التي جاءت بعد اغتيال المهندس "يحيى
عياش"، وأدى ذلك إلى تجمع أكثر من 40
دولة -بما فيها دول عربية- ضد نشاطها في
القمة المعروفة بشرم الشيخ المعقودة ضد
"الإرهاب الفلسطيني" (أي ضد حماس)،
ومع ذلك بقيت بنية الحركة التنظيمية
موجودة رغم حجم الاعتقالات التي شنتها
السلطة الفلسطينية في حينه سنة 1996 .
3-
كما أن تناقضات مصالح أطراف المنطقة،
وتأكد عدم وفاء إسرائيل بالتزاماتها
أدى إلى تقوية الحركة من جهة،
واستفادتها من التناقضات والتقاطعات
الدولية من جهة أخرى، والخروج من الأزمة
أكثر قوة. ونحن لا نعتقد هنا بفرضية أن
الأمريكيين الماضين في حربهم ضد العراق
سينجحون تماما. صحيح أن نجاحهم قد يكون
جزئيا، لكنه سيتآكل مع الأيام،
وستستفيد الحركة مرة أخرى من كل ذلك.
4-
ربما سيتأثر وجود الحركة في الخارج،
وتنتقل من الحالة السياسية العلنية إلى
الحالة التنظيمية السرية، إذا نجحت
الحرب الأمريكية، وتفرغت الولايات
المتحدة لترتيب المنطقة مع تهديد
المشرعين لوجود الحركة في الخارج بشكل
سياسي مثل "لبنان وسوريا وإيران"،
ولكن لا يمكن القضاء على وجود الحركة في
الخارج؛ لأن شرعيتها هناك مستمدة من
القضية الفلسطينية من جهة، ومن وجود
الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء من
جهة أخرى، حتى لو جرى حل قضيتهم بطريقة
"إبداعية" -برأينا- فلن تصمد طويلا،
ما دامت التسوية فشلت بما هو أقل .
5-
سيتأثر الأداء العسكري للحركة في
البدايات بنتاج حجم الضربات. وينسحب على
ذلك تأثر أدائها الاجتماعي والدعوي،
ولكن بنية الحركة المرنة القادرة على
الاستيعاب ستمكنها من استقطاب الجدد من
الفلسطينيين، كما أن انتشار الخبرة
العسكرية ولجوء الحركة للسرية التحتية
سيمكنها من العودة من جديد وتنظيم عملها
العسكري، وستتغلب الحركة على مشكلات
التمويل والتنظيم بالاعتماد على جهودها
الذاتية، وعلى المناصرين لها من أفراد
وجماعات من أبناء الحركة الإسلامية
والمتعاطفين معها.
6-
ستساعد يمينية الحكومة الإسرائيلية
وتصعيد الخيار العسكري الصهيوني على
خلق تناقضات تصعب على أي قيادة فلسطينية
-أيًّا كان توجهها ومستوى علاقاتها مع
إسرائيل- تسويق تسوية سياسية جديدة،
وحتى إن جرى فرضها أمريكيا وقبولها
فلسطينيا تحت الضغط؛ فلن يكتب لها
الاستمرار؛ لتعقد حل مسائل مثل "القدس
واللاجئين والجغرافيا" في ظل تداخل
فلسطيني إسرائيلي، يكاد يكون مصيريا (أي
إما هم أو نحن).
الخلاصة
عموما
الأفق يحمل الألم والقهر للحركة
الفلسطينية "حماس"، وهو بالفعل
كموج يتبع إعصارا يتقوَّى مع الزمن، وفي
ضوء أن الحركة تعتبر ذلك ثمنا طبيعيا
لمواقفها الأساسية التي تشكل أساس
شرعيتها؛ فإن تمسكها بتلك المواقف،
وفشل مخططات الترتيب الأمريكي والسحق
الإسرائيلي، مع فشل التسوية في ظل تعقد
إشكالية حل القضية الفلسطينية.. كل ذلك
سيؤدي مرة أخرى إلى تصاعد قوة الحركة
ومنطقها، وعودة الأمور إلى دائرة
الاحتلال والمقاومة؛ حيث هناك ملعب
حماس ورؤيتها وشعبيتها ومصداقيتها .
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي فلسطيني
|