|
في
ضوء الحقائق السياسية، يعني تحرير
العراق من صدام حسين بالقوة أن يتمتع
العراقيون بفرصة لترتيب شئون الحكم
باختياراتهم المحلية في ظل حماية
دولية، وأي طريق آخر غير هذا لتحرير
العراق يعني هيمنة دول الجوار على شئون
هذا البلد، وبالتبعية "حرب أهلية"
على غرار النموذج اللبناني، تغذيها دول
الجوار.
ولا
تملك إلا أن تنتهي إلى هذا الاستنتاج
وأنت تقرأ مطالبة حركة "الثورة
الإسلامية الشيعية في الجنوب العراقي"
باستبدال مشروع "إقليمي" لتحرير
العراق بالمشروع الدولي الذي تقوده
الولايات المتحدة.
وعندما
أقول "إقليمي" فإنني لا ألتفت إلى
عبارة "رص الصفوف لتحقيق التحرير من
الداخل" فهذا يشبه قول آخرين "اتركوا
تحرير الكويت لأهل المنطقة" عام 1991،
فكلنا يعلم عجز دول المنطقة عن تحرير
الكويت آنئذ، فضلا عن تحرير العراق
اليوم.
لقد
كشفت تجربة رئاسة لبنان لاجتماع وزراء
الخارجية عن الأسلوب القاسي الذي تدير
فيه دول المنطقة الكبيرة الجار الصغير
الذي تهيمن على مقاليد الأمور فيه، حيث
لا تدع له أبسط معاني الكرامة الوطنية
التي يتحملها اللبنانيون في الداخل على
مضض، وجاءت قمة القاهرة لترغمها على
ممارستها، وعلى العلن!!
هذا
ممكن أن يحدث في صورة مكبرة لو تحرر
العراق –جدلا- بجهود دول الجوار، ولهذا
فليس أمامنا إلا التشكيك في مصدر تلك
الدعوة التي إما أن تكون من عراقيين لم
يستفيدوا من دروس الآخرين، وإما من
وكلاء عن الجيران الأعزاء.
أما
التحالف الدولي فقد سبق أن أثبتنا
بالوقائع السياسية والاقتصادية أن
الكويت لم تُرغم على اتخاذ أي قرار ضد
قناعاتها.. ارجع إلى مناسبة ضغط الوزير
وارن كريستوفر، وإلى مشروع شركة إنرون
في الكويت، وقارن ذلك بتجربة لبنان في
قمة القاهرة (...).
إن
النصيحة التي نقدمها للمتعاطفين بعض
دول الجوار في العراق وإيران -على سبيل
المثال- بلد يسعى للخروج من الدوامة
السياسية الدولية والمحلية، وهو يملك
فرصا جيدة جدا للنهوض، وبالتالي فإنه لن
يجازف بها لدعم فصيل عراقي ليكرر حرب
السنوات الثماني، ومن الأفضل لإيران
والعراق البحث عن صيغ حضارية لحفظ
الحقوق المالية والوطنية للجنوب.
"يا
جماعة" ألا تكفي دروس نصف قرن من
المهازل حتى نعود إلى طريقة فتح
الدكاكين وشغل "القبضايات؟؟؟"
اللبناني وأسلوب القبائل الأفغانية؟!!!
نظام
بغداد -من الناحية العسكرية- يتوقع حربا
قادمة من جهة غير محددة، وفي الجهتين
هناك عمق إستراتيجي للقوات المهاجمة،
فالأتراك متمرسون في الحركة السريعة
بين حياد الأكراد، وقد وضعوا خبرتهم في
صالح التحالف، إضافة إلى الدعم
اللامحدود من الأرض، ممثلا بالشعب
الكردي.
الجنوب
يمتد حتى خليج عمان وهو مشحون بالقوات
الضاربة بحرا وبرا.
ترى
هل يتكرر سيناريو حرب 1991، ويكون الدخول
من أقصر الطرق إلى بغداد.. الأردن؟!
ففي
1991 تم الدخول من وسط العراق، وليس من
الجنوب كما كانت بغداد تتوقع الحشود
العسكرية في الشمال والجنوب تتم تحت
أضواء وسائل الإعلام ليل نهار، أما
الحشود في الأردن فهي تتم بصمت مطبق!
من
جانب آخر، فإن اتجاه المخطط المعلن إلى
تسليم البريطانيين شئون الإدارة
المدنية للعراق، فيما يتولى الأمريكان
الإدارة العسكرية، يأتي انسجاما مع
الخبرة الطويلة للإنجليز في إدارة
الأقاليم المتنوعة في العراق، بين
مناطق الأهواز النهرية والمدن الرئيسية
والصحراء.
وعندما
استلمت بريطانيا حكم العراق بعد
الأتراك وجدت بنية تحتية مهترئة فأقامت
نظام النقل البحري الحديث، وأنشأت نظام
الاتصالات البريدية. ومن يقرأ مذكرات
تلك الفترة يجد أنهم اعتمدوا وسيلة "تقديم
خدمات أكثر" كممر للسيطرة على شئون
البلاد جنبا إلى جنب مع الانتشار
العسكري.
في
مذكرات "غلوب باشا" نقرأ عن خبراته
في صحراء العراق. وفي مذكرات الكولونيل
"ديكسون" نقرأ عن تجربته في إدارة
"سوق الشيوخ" والتعامل مع قبائل
العراق الأوسط... المنتفق والديلم.. إلخ،
كما نقرأ عن زيارة ديكسون للحوزة
الدينية في النجف ممثلا عن بيرسي كوكس
للاعتذار عن إصابة حائط مسجد بالخطأ...
إلخ.
إنها
خبرة تختلف عن خبرة جمال باشا السفاح
الذي نصب المشانق في دمشق، وطارد
الزعامات القبلية المعارضة، وأوجد شرخا
مؤسفا بين المسلمين العرب والأتراك، لا
تزال جراحه ماثلة إلى اليوم.
إن
العراق بحاجة ماسة إلى فترة انتقالية
يجمع خلالها ما تشتت من أمره طوال فترات
الحكم القمعي، ولا بد من التذكير بأن
الاستعمار البريطاني قد رحل عن منطقتنا
العربية بقرار بريطاني، فليس من سبيل
لعودة الاستعمار، وإن المستفيد من
التواجد الدولي هو شعوب المنطقة بعد ما
ذاقت الأمرين من بني جلدتها، وأي مزايدة
على هذه الحقيقة هي من التلاعب بمصائر
الشعوب.
لقد
لبس صدام حسين –وغيره- لشعوبه المسوح،
ثم مسح بهم الأرض وجعلهم في مؤخرة الأمم.
الصوت
العراقي غير مسموع.. تقريبا
تتساءل
د. رندة وهي رئيسة الرابطة العراقية في
واشنطن قائلة: "من الغريب أن نُطالب
نحن العراقيين في أوروبا وفي شمال
العراق ومع ذلك تعارض مجموعة غفيرة في
أنحاء كثيرة من العالم إزاحة هذا النظام
بمختلف التبريرات، ومن كل لون ربما يعكس
هذا تقصيرا منا نحن العراقيين في إعلام
العالم بحقيقة ما يجري داخل العراق".
أقول
للدكتورة رندة: إن العراقيين ليسوا "ربما"
مقصرين، بل فعلا الشعب العراقي مقصر كل
التقصير، وبالذات الموجودون منه في
الخارج، وعلى الأخص القيادات الفكرية
والإعلامية والسياسية من العراقيين.
العالم
بأسره يعرف يا أخت رندة أن صدام حسين
قاتل، ويراه يطلق النار في الهواء، ولكن
الفرق كبير جدا بين أن "يعرف" وأن
يشعر العالم بهذا البطش، ولا يتحقق
الشعور والإحساس بذلك البطش إلا بمجهود
إعلامي على نحو ما فعله الكويتيون.
لقد
كانت المقاومة الكويتية في الداخل،
والتحرك الإعلامي المكثف في الخارج من
قبل الضحايا أو أسرهم، وزياراتهم
المتكررة للمنظمات الدولية ومشاركة كل
الفئات الثقافية من كتاب ومحاضرين
وفنانين -كانت سببا لالتفاف أصحاب
الضمير الحي حول قضيتهم.
إنني
أقرأ لبعض الإخوة العراقيين ممن
يعارضون النظام من غير العراقيين موقف
بالغ الحرج، وباستثناء أصوات قليلة
كانت تصل بعض الفضائيات، فقد افتقدنا
حركة إعلامية بحجم هذه الحركة الكونية
من أجل تغيير نظام صدام، وكذلك بحجم ما
فعله الكويتيون.
وهذا
رغم أن المعاناة من نفس النظام وبطشه،
وبالرغم من أن من بين العراقيين من
المثقفين والفنانين ومن أصحاب المعاناة
الطويلة والقصص الدامية ما تتفتت له
أكباد العالم.. لو وصلت إلى أسماعه.
إن
العذر التقليدي بأنهم لا يعطوننا فرصة
الكلام غير مقبول، حيث تتسابق أجهزة
الإعلام في كل أنحاء الدنيا لبث كل رأي
يتصل بهذه القضية التي تشغل العالم،
وأما الاحتجاج بوجود أفراد من أسرة أي
شخص يتحدث داخل العراق فهو حال واجهه
الكويتيون، وتحدثوا وقاوموا نفس النظام
وبطش بهم وقتلهم وأسرهم، ولم يزدهم ذلك
إلا إصرارا ومقاومة.
ازدواج
المعايير.. مرفوض كله!
الأمة
العربية تعيش مفارقة تاريخية غاية في
الغرابة، ففي منطقة الخليج هناك شعوب
تتمنى الخلاص من حاكم ظالم أسرف في
الظلم والبطش على شعبه وجيرانه، وفي أرض
فلسطين هناك شعب يجاهد عدوا شرسا، كذلك
أسرف في القتل والنهب.
في
الشارع العربي من يقول للشعب العراقي:
لا تستعجل الخلاص، قف بالدور؛ فهناك شعب
في فلسطين أولى منك فقد انتظر 50 سنة،
وأنت انتظرت 30 سنة فقط (!!) وهو قول يجافي
المنطق.
آخرون
يقولون للعراقيين: "لا يجوز أن يكون
خلاصكم على يد المعتدي على الشعب
الفلسطيني". وإذا سألوا: "إذن على
يد من نتخلص، وقد عجزنا نحن وكل العرب
والمسلمين؟!" كان الجواب غامضا، وهو
أقرب إلى: هذه مشكلتكم!!
الفارق
بين المعركة في فلسطين والمعركة
الثانية في الخليج هو أن شعوب الخليج
تئن لجراحات الشعب الفلسطيني، وتتبرع،
وربما كانت أجهزة الإعلام الفضائية-
الخليجية هي الأعلى صوتا للقضية
الفلسطينية، ولكن يقابل ذلك أن يرفع "البعض"
في صفوف الفلسطينيين صور القاتل "صدام
حسين" الذي سفك دماء العراقيين
والخليجيين، لمجرد أنه قال "كلاما"،
ولم يدفع مالا ولا سلاحا للشعب
الفلسطيني..!!.
المطلوب
هو المساواة، فلا يجوز أن أبكي
لجراحاتك، وتضحك أنت على قتلاي (!) .. ليس
لنا خيار، ستبقى فلسطين القبلة والضمير
والقضية الطاهرة، مهما ألحق بها البعض
من (...)!.
نعم
يجب ألا يكون هناك ازدواج في المعايير
فيعتبر تحرير الكويت والعراق واجبا،
بينما يتجاهل العالم تحرير فلسطين.
ومن
ازدواج المعايير أن يتم استقبال الرئيس
كلينتون عام 1997 في الضفة وقطاع غزة برفع
عشرة آلاف علم أمريكي، بينما بلاده تدعم
إسرائيل، ويتم تجريم تعاون الخليج مع
الولايات المتحدة لإزالة صدام، وقبل
ذلك طرده من الكويت، فإذا جاز استقباله
وهو في جانب المعتدي، فلماذا لا يجوز
التعاون معه وهو في الجانب الآخر
لمواجهة المعتدي صدام حسين؟!
لماذا
يجوز التعاون مع واشنطن إبان حرب تحرير
أفغانستان من السوفيت، ولم يعتبر ذلك
التعاون احتلالا لها في الثمانينيات،
بينما يتم تصوير تعاون اليوم بأنه
احتلال؟!
نعم..
يجب أن نضع حدا لازدواج المعايير بكل
صدق وأمانة، فإن الصدق منجاة.
كان
المغيرة بن شعبة واليا على البحرين،
وأراد نفر من أهلها نزعه منها، فأرسلوا
رجلا إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
ومعه مائة ألف درهم يزعمون أنها رشوة
طلبها منهم المغيرة، فاستدعاه عمر أمام
الرجل، وسأله فقال المغيرة: "نعم هذه
مائتان فاطلب منه الباقي وافعل بي ما
شئت"... فافتضح أمر الرجل وأقر
بالوشاية، فلما سئل عمر المغيرة قال:
"أراد الخبيث أن يكذب عليه فأردت أن
أخزيه"!.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب كويتي.
|