 |
|
الانفتاح السياسي لم يواكب الانفتاح
الاقتصادي
|
أولا-
إصلاح الأنظمة العربية:
جاء
على رأس الحديث عن الإصلاح في المناقشات
أن بروز قيادات شابة في أماكن متفرقة من
الدول العربية -بما يحمله حماس الشباب
من رغبة في التحديث- كان مصدر الإصلاح في
عدد من الدول العربية، وهو أمل عملية
الإصلاح السياسي في الدول المرتقب
قيامها بالإصلاح.
وأشار
المتناقشون إلى أن موضوع الإصلاح
السياسي لا يُطرح من فراغ، وإنما بالنظر
إلى أداء جديد بدأت دول عدة تشهده
كالمغرب وسوريا وعدد من دول الخليج
العربي، مثل إجراء انتخابات نيابية
بقدر أكبر من الشفافية، وحرية أكبر
للمجتمع المدني، وغيرها من الإجراءات
التي تشير إلى أن المياه بدأت تتحرك تحت
الجسور بعد طول ركود.
في
مقابل هذا الاتجاه برز اتجاه آخر يقول:
إن هذه الإجراءات كافة ليست إصلاحًا.
فالإصلاح هو مفهوم له تعريف محدد،
وآليات لا تنصرف إلى ما تشهده الدول
العربية. فالإصلاح عند هذا الفريق يعني
التغيير الجذري لمؤسسات قائمة ثبت
فشلها، أو في أفضل الأحوال توانيها عن
أداء ما وُكل لها من وظائف، وإن محاولة
الإصلاح التي تمت في المؤسسات القائمة
إنما تدخل تحت مسمى التطوير لا الإصلاح.
تحرك
إيجابي
اتفق
أصحاب الاتجاهين (الذي يسمي الإجراءات
السابقة إصلاحًا، والذي يصفها بالتطور)
أن عام 2001 شهد العديد من الإجراءات
والسياسات التي تصب في اتجاه التحرك
الإيجابي لمزيد من الديمقراطية. كما
يتفق الاتجاهان أن ظل أحداث 11 سبتمبر
موجود في خلفية مختلف هذه التطورات..
فالحديث عن مزيد من الانفتاح السياسي
والديمقراطية في الدول العربية ارتبط
بتساؤلات من قبيل: هل أثرت أحداث 11
سبتمبر على مسألة الديمقراطية في
العالم العربي؟ وما أثر العوامل
الخارجية على التحولات الداخلية التي
تشهدها الدول العربية؟
بتعبير
آخر: إذا كانت الولايات المتحدة وقبل
ذلك التاريخ من أكثر المناصرين لمنح
المزيد من الحرية للعمل الأهلي، وكانت
تشجع على إجراء انتخابات نزيهة... بوصفها
راعية للديمقراطية وحقوق الإنسان في
العالم.. فهل تأثر هذا التوجه الأمريكي
بأحداث سبتمبر؟ وفي أي اتجاه؟
ثمة
رأيان في هذا الصدد:
1
– الأول: يرى أن الولايات المتحدة سوف
تولي مزيدًا من الاهتمام بقضية
الديمقراطية في العالم العربي في إطار
ما تسميه تجفيف منابع الإرهاب؛ لأن
إرهاب 11 سبتمبر يعود -في التصور
الأمريكي- في جزء منه إلى حالة الانغلاق
السياسي في العالم العربي الذي تمخض عن
خلق جماعات سرية تناصب الأنظمة العداء،
تطورت لاحقًا حتى وصلت إلى "القاعدة"
التي ترى أن الولايات المتحدة تعضد
الأنظمة القائمة، ومن ثَم يجب مواجهة
الولايات المتحدة.
2
- الاتجاه الآخر: يرى أن سلوك الولايات
المتحدة ما بعد 11 سبتمبر تجاه العرب
والمسلمين في داخل الولايات المتحدة
وخارجها يشي بالعكس. فمن ناحية ستكون
الإدارة الأمريكية مشغولة بمشكلاتها مع
الإرهاب وغيره، ولن تجد من الوقت ومن
الموارد ما تنفقه على دعم عملية التحول
الديمقراطي في العالم العربي. ومن ناحية
ثانية فإن الولايات المتحدة بدأت تطالب
الدول العربية ذاتها بإجراءات غير
ديمقراطية، وتدخل في مسمى التعسفية،
مثل التدخل في مناهج الشريعة في المملكة
العربية السعودية، والمطالبة بتوجيه
مساعدات خليجية بأنصبة معينة إلى
أفغانستان وباكستان، والضغط على إيران
لوقف دعم "حزب الله"، ومع هذه
الإجراءات من الصعب تصور أن يكون للخطاب
الأمريكي عن الديمقراطية في العالم
العربي أي مصداقية. وبالتالي هذا
الاتجاه غير متفائل تمامًا، ويرى أن
التغيير حتى لو أتى مفروضًا من الولايات
المتحدة فإن له سقفًا سيقف عنده.
نماذج
للتطور
وعلى
صعيد التطور الداخلي في الدول العربية
جاءت المناقشة بأمثلة على بعض التجارب
الناجحة في منح المزيد من الحريات؛ فقد
شهد عدد من الدول الخليجية -البحرين على
وجه التحديد– مزيدًا من إطلاق يد
المجتمع المدني عبر تكوين جمعيات
أهلية، منها جمعية لمناهضة التطبيع؛
الأمر الذي يُعَدّ سابقة مهمة في
مجتمعات عرفت بمحافظتها، حتى إن عددًا
من المجتمعات الخليجية شهد ولادة
جمعيات نسوية للدفاع عن حقوق المرأة
وحريتها، وشهد إنشاء مجالس عليا لها،
وتنامت على أساس من ذلك الأصوات التي
تنادي بمنصب وزيرة. وقد كان ذلك أمرًا
جديرًا بالتوقف؛ إذ هو يتعدى كونه
إنجازًا إلى كونه إشارة إلى تغير نوعي
في ثقافة تلك المجتمعات.
كذلك
يجب ألا يغفل دور الجمعيات الأهلية
وسائر مؤسسات المجتمع المدني التي
شاركت في مؤتمر دربان في جنوب أفريقيا،
ونجاح هذه المؤسسات في اعتبار
الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية،
وهو النجاح الذي يعود إلى التنسيق
العالي الذي شهدته فترة ما قبل المؤتمر
بين تلك الجمعيات، وإلى أداء المؤسسات
المعد سلفًا بدرجة عالية من التنظيم
أثناء المؤتمر.
لكن
يبدو أن الصورة ليست مضيئة تمامًا؛ فقد
سبق المؤتمر خلافات شهدتها علاقات
جمعيات ببعضها –مثل بعض الجمعيات
المصرية– وحدث أن اصطدمت بعض تلك
الجمعيات بالحكومات، حتى إن حكومات
عربية منعت عددًا من تلك الجمعيات من
المشاركة في المؤتمر خشية المساس
بحكوماتها.
الفساد
السياسي
على
هامش تناول قضية الإصلاح السياسي في
العالم العربي، أثيرت قضية الفساد
السياسي الذي تعرفه جميع الدول
العربية، واتفقت الآراء على أن محاربة
الفساد الضارب بجذوره في أغلب مؤسسات
الحكم في الدول العربية، ومستقبل
الديمقراطية في العالم العربي صنوان،
وإنه لن يكون هناك مستقبل للديمقراطية
أو حتى تطوير باتجاه تحقيق الديمقراطية
ما لم تكن هناك مواجهة حقيقة وعلنية
للفساد المؤسسي الطاغي على أغلب عمليات
صناعة السياسة في العالم العربي، الذي
يجد أكثر من شكل يظهر فيه ويتلوَّن بحيث
يصعب تحديده أو تعريفه بشكل دقيق.
وأشار
عدد من المناقشين إلى أن الحديث عن
الفساد يجب ألا يقف عند النخبة الحاكمة؛
إذ إنه موجود داخل مؤسسات المجتمع
المدني العربي أيضًا، ويستعين في وجوده
داخل المجتمع المدني بالفساد في
المؤسسات الحاكمة؛ إذ إن الأخيرة تتستر
عليه بسبب علاقاته الدولية، وما يمكن أن
تثيره هذه المؤسسات المدنية من متاعب
لحكوماتها إن هي اتهمتها بالفساد، أو
مارست سلطة الحظر باتجاهها.
ثانيًا-
حالة النظام المصري:
أثار
النقاش حول إصلاح النظام السياسي
المصري عديدًا من القضايا المتداخلة مع
ما سبق تناوله بشأن أحداث 11 سبتمبر،
وانعكاساها على الأنظمة العربية
عمومًا، وأبرز هذه القضايا فيما يتعلق
بالنظام المصري: تلازم الإصلاح السياسي
والإصلاح الاقتصادي، ومعوقات الإصلاح،
وحالة الحريات العامة.
أ
- تلازم الإصلاح الاقتصادي والإصلاح
السياسي:
تعددت
وجهات النظر بشأن الترابط بين الإصلاح
في المجالين السياسي والاقتصادي على
النحو التالي:
1
- الوجهة الأولى: ترى أن ذلك التلازم
حتمي اعتبارًا بخبرة أوروبا الغربية
باستثناء حالات محدودة (ألمانيا
وأسبانيا).
2
- الوجهة الثانية: ترى عدم التلازم بين
الإصلاح السياسي والاقتصادي بالنظر إلى
خبرة النمور الآسيوية التي اتسمت بقدر
عالٍ من الليبرالية الاقتصادية دون
ليبرالية سياسية موازية.
3
- الوجهة الثالثة: ترى ذلك التلازم في
إطار زمني مرحلي، وأنه إذا كان التلازم
غير ضروري في المرحلة الأولى للإصلاح
الاقتصادي، فإنه يلازم المراحل
اللاحقة؛ حيث تستتبع التحولات
الاقتصادية غالبًا تحولات سياسية.
ويلاحظ
هذا الاتجاه أن الإسراع في المجال
الاقتصادي في النظام السياسي المصري
أعلى من الإصلاح السياسي عمليًّا، وذلك
على خلاف ما تعلنه المستويات الرسمية،
ويرى أن الإصلاح السياسي يجب أن يراعي
الخصوصيات الداخلية، ويكون متدرجًا؛
لأن هناك ملفات سوف يتم فتحها؛ مثل ملف
تعديل الدستور، وإدراج الجماعات
الإسلامية في إطار الشرعية، وموقف
المؤسسة العسكرية من الإصلاح، وملف
الإصلاح الحزبي والانتخابي.
وخلاصة
ذلك العرض هو بروز إشكالية الترجيح بين
رؤيتين: الأولى هي الإسراع بالإصلاحات
الديمقراطية وفقًا لما ترتضيه الولايات
المتحدة. والثانية هي اعتماد مرحلية هذه
الإصلاحات وفقًا لما تقتضيه الظروف
الداخلية حسب رأي البعض.
وبالإضافة
إلى هذه الإشكالية يبرز تساؤل، وهو: "ألم
يَعُد لدينا القدرة الذاتية على
التجديد بدون صدمة أو ضغط خارجي؟".
ب
- معوقات الإصلاح:
1-
عوائق ترتبط بالبيئة المحيطة بالتحول
الديمقراطي، وتتلخص في درجة التطور
السياسي للنظام السياسي المصري، التي
لا تسمح في هذه المرحلة بفتح الملفات
الحزبية والدستورية والعسكرية... إلخ.
ويضاف إلى ذلك الضعف البنيوي للأحزاب
التي تعتمد على محددات بيروقراطية
لإنشائها دونما اهتمام بالعمل
الجماهيري، أو امتلاك فعالية ترتبط
بنشاطات اجتماعية؛ أي أن الأحزاب ترجح
من وزن المشروعية القانونية على
الشرعية الجماهيرية. وتلك المعوقات
تحدّ من تسريع الاتجاه نحو التحول
الديمقراطي. ويلاحظ أن هذه الرؤية تهتم
بتهيئة الداخل للتحول الديمقراطي،
والتوفيق بين الضغوط الخارجية والظروف
السياسية الداخلية.
2
- عوائق ترتبط بالقيم والثقافة
السياسية؛ حيث يمثل الفضاء الثقافي
السياسي العام معوقًا للتحول
الديمقراطي في مصر، فلم تتغير قيم
النظام السياسي جذريًّا منذ ثورة 23
يوليو؛ لذلك فإن بعض التغييرات في شكل
النظام السياسي لم تكن مؤثرة في الاتجاه
نحو التحول الديمقراطي. ولذلك مثلاً فإن
التحول الظاهري نحو نظام تعدد الأحزاب
وإنشاء لجنة شؤون الأحزاب السياسية
بمجلس الشورى لم يحد من الدور القضائي
لنشأة الأحزاب. كما أن آليات عمل المجلس
التشريعي المفترض أنه يدعم الديمقراطية
تعمل أحيانًا على إجهاض الاستجوابات من
أعضاء الأحزاب المعارضة؛ وهو ما يؤدي
إلى استمرار ثقافة عدم احترام الأحزاب
وتحييد أثر دورها، وإن كان ذلك لا يمنع
من الاعتراف أنه في بعض الأحيان تكون
هناك قوة استثنائية لبعض أعضاء هذه
الأحزاب فيما يتعلق بتوقيع طلباتهم.
ج
- تطور الحريات العامة:
إذا
كانت مناقشة أداء النظام السياسي
المصري في مجلس الشعب وفي القضاء وفي
الأحزاب ألقت الضوء على نمط من أنماط
الحرية المصاحبة للنظم الديمقراطية،
وهي الحرية السياسية؛ فإن مناقشة أوضاع
المجتمع المدني وأزمات الجمعيات
الأهلية والصحافة قد ألقت الضوء على
نمطين آخرين للحرية، وهما: الحرية
الاجتماعية، والحرية الأخلاقية. وإذا
كان النمطان الأول والثاني من الحريات
"السياسية والاجتماعية" في مصر
مقيدين ومحدودين، فإن النمط الثالث من
الحريات "الأخلاقية" مفتوح بلا
حدود.
فعلى
صعيد الحرية الاجتماعية من خلال
التركيز على أزمات الجمعيات الأهلية،
كان هناك اتفاق حول الاعتراف بالمعوقات
الحكومية الرسمية في إنشاء وتمويل
الجمعيات الأهلية من خلال الإجراءات
البيروقراطية، ومن خلال التضييق على
ممارسة الجمعيات لأدوارها الخدمية
والتنموية بإثارة المخاوف حول تأميم
نشاطها الخيري.
ورأى
البعض أن الخلل في أداء الجمعيات
الأهلية لا يعود فقط على العامل الرسمي
الحكومي، ولكن أيضًا إلى بعض الثغرات في
البنية الهيكلية للجمعيات الأهلية التي
تنبع من الفجوة القائمة بين منظّري
المجتمع المدني والمنخرطين في ممارسته.
فقادة التفاعلات المدنية ليسوا هم
منظّريها، ويضاف إلى هذه الثغرة ثغرة
أخرى تتمثل في ضعف الأثر الفعلي
لممارسات العمل المدني بالمقارنة ببحث
دور المؤثرات الأخرى على مدركات
الجماهير (كالإعلانات التليفزيونية
والملصقات الإعلانية)، وذلك في إشارة
إلى تخلف الوسائل المستخدمة من قبل
الجمعيات الأهلية في التأثير على وعي
الجمهور.
وعلى
صعيد البعد الأخلاقي للحرية نالت قضية
أخلاقيات الممارسات الصحفية نصيبًا
كبيرًا من الاهتمام، وترى وجهة النظر
الداعية للاهتمام بالبعد الأخلاقي في
الدراسات السياسية أن إهمال المسائل
الأخلاقية يرجع إلى الخلط بين الطرح
الإسلامي والطرح الأخلاقي؛ بحيث أصبحت
دائرة الأخلاق تهمل؛ لأنها إسلامية في
تصور البعض، أو تترك لتدرس في إطار
إسلامي.
وتسعى
وجهة النظر هذه إلى إعادة الاعتبار
للمحور الأخلاقي مقارنة بالسياسي.
وتضرب لذلك مثلاً بعودة صدور صحيفة "النبأ"
رغم انحرافاتها الأخلاقية، واستمرار
إيقاف صحيفة "الشعب" رغم صدور حكم
قضائي لكليهما بعودة الصدور. إلا أن
الاعتبارات السياسية منعت تنفيذ الحكم
القضائي الخاص بجريدة الشعب، على حين لم
تمنع الاعتبارات الأخلاقية صدور صحيفة
النبأ.
تابع
في هذا الملف:
اقرأ
أيضًا:
هل
تفرض واشنطن إصلاحاتها على النظم
العربية؟!
الحاكم
العربي.. المحاسبة عيب اجتماعي
الديمقراطية
الخليجية.. غطاء حديث لأنظمة عتيقة
البشري:
أمريكا لا تريد ديمقراطية في العالم
العربي
القيادات
العربية الجديدة.. قيادات إدارة منزوعة
السياسة
مصر
و11 سبتمبر.. ركود سياسي ونشاط إسلامي
**
باحثان في الشؤون السياسية
|