 |
|
الاستشهاديون أذاقوا الإسرائيليين من
نفس الكأس
|
رغم
الاتفاق التام بين مختلف الاتجاهات
الفكرية العربية حول حقوق الشعب
الفلسطيني في الاستقلال والتحرر، كان
هناك اختلاف حول الأسلوب المستخدم في
هذا الظرف الزماني، وبوجه خاص العمليات
الاستشهادية. وكان هناك اتجاهان
متمايزان:
أولا-
الاتجاه المعارض للعمليات الاستشهادية:
أ
- فريق يرفض نتائج العمليات الاستشهادية
وتوقيتها:
يرى
هذا الفريق أن هناك خطأ تمارسه الفصائل
المقاومة الفلسطينية يتمثل في قيامها
بعدد من عمليات المقاومة العسكرية في
توقيتات غير ملائمة سياسيًّا أو
عسكريًّا؛ الأمر الذي يعكس عدم قدرتها
على قراءة الواقع قراءة جامعة وشاملة
بعد أحداث 11 سبتمبر، وما نجم عنها من
تطورات جديدة ألقت بظلالها في
التفاعلات على كل الدوائر العالمية
والإقليمية والمحلية، وما ارتبط بذلك
من تأثير الخارج على الداخل والجدل
الثائر في هذا الشأن.
ويستعرض
هذا الفريق مبرراته الرافضة للعمليات
الاستشهادية فيما يلي:
1-
مبررات واقعية تتعلق بمستوى الإمكانات
والقدرات، وترى وجود خلل في موازين
القوة العسكرية، وافتقاد الانتفاضة أي
عمق إستراتيجي، واعتمادها على جهد ذاتي
بحت، ومن ناحية أخرى فإن هناك مبررات
ترتبط بالنتائج المترتبة على هذه
العمليات، مثل: "تدمير السلطة
الفلسطينية، الشلل الكامل لكل مظاهر
الحياة، إعطاء إسرائيل الذرائع لممارسة
الوحشية".
2
- مبررات نفسية تتمثل في توصيف هذه
الأعمال؛ باعتبارها عمليات يائسة نتيجة
قيود الاحتلال وحظر التجوال الذي يستمر
لشهور.
3
- مبررات دعائية تستغلها إسرائيل من
قبيل أن قتل المدنيين الإسرائيليين
يساعد الإسرائيليين على عرض الأعمال
المحدودة التي ينفذها الفلسطينيون على
أنها تهديد لشعب بأكمله، ولأسس بنيان
دولة إسرائيل؛ مما يستوجب تعاطفًا
دوليًّا معها، وهو في غير صالح القضية،
خاصة بعد 11 سبتمبر ومحاولات الربط
الدائبة بين تلك العمليات والإرهاب.
4
- مبررات بنائية هيكلية تتعلق بهيكل
المقاومة الهش الذي لا يجتمع حول مركز
ولا يدور حول إجماع وطني؛ وهو ما يؤدي
إلى تصدع في جدار الجبهة الوطنية
الداخلية.
ويرى
هذا الاتجاه أن الانتفاضة خلفت إشكالات
على شكل ثنائيات:
1
- ثنائية المقاومة والتسوية: هل كان من
الأجدى إعادة النظر في استمرار
الانتفاضة المسلحة والتركيز على عملية
التسوية أم الاستمرار في المقاومة؟
2
– ثنائية عسكرة الانتفاضة وسلميتها: هل
كان من الضروري التمسك بالعنف أم
الاكتفاء بالمقاومة غير العنيفة على
نمط مقاومة غاندي؟
3
– ثنائية تفاعلات الانتفاضة وتصاعد
مأزق السلطة الفلسطينية وضيق خياراتها
المتاحة في ظل حكومة شارون.
افتراضات
هذا الطرح قائمة على عدم مواءمة الظروف
لتلك العمليات؛ فلا توازن القوى يساعد
هذه العمليات، ولا تأييد أمريكا المطلق
لإسرائيل يسمح خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.
حتى إن الولايات المتحدة على لسان
رئيسها لم تتسامح مع هذه العمليات،
فيقول بوش: "لا شيء يبرر الإرهاب وقتل
المدنيين". وذلك في ضوء وصف العمليات
الاستشهادية بالإرهاب، وتصنيف
الولايات المتحدة أغلب فصائل المقاومة
الفلسطينية على أنها حركات إرهابية.
وبالإضافة إلى العامل الدولي المعوق
لتلك العمليات، والعامل الداخلي الذي
يتمثل في الانقسام حول جدواها، فإن هناك
انحسارًا في التأييد العربي.
ولكن
هذا الاتجاه رغم تحليله وتوصيفه للوضع
القائم لا يضع حلولاً ولا يضع "سيناريو"
تستخدمه حركات التحرر الفلسطينية أو
السلطة الفلسطينية للخلاص من الاحتلال.
المسكوت
عنه في هذا الخطاب:
1
- "لمن الأولوية".. للأرض أم
للإنسان؟ هل الأولوية لهذا الجيل أم
للجيل القادم؟ ببساطة.. هل تستحق
الأجيال القادمة التضحية الحالية؟ وهل
الأولوية للإستراتيجيات طويلة المدى
التي تستهدف البرنامج الصهيوني ذاته أم
لتحديات اللحظة كما يقول البعض؟
2
- أن حلول القضية تأتي من الخارج وليس من
الداخل إذا كان هناك تصور لحل القضية،
ويبرز ذلك من الإشارات إلى أهمية صورتنا
في الإعلام الخارجي التي تشوهها
العمليات الاستشهادية، وأهمية
المساندة الأمريكية.
3
- أن الثنائيات التي عرضها هذا الاتجاه
تنطوي على تفضيلات، وهي ألا تتعسكر
الانتفاضة، وأن يكون الحل من خلال
السلطة الفلسطينية.
ب
- فريق يرفض العمليات الاستشهادية
لأسسها القيمية والواقعية:
لا
يعبأ هذا الاتجاه بداية بالمسميات
الدالة؛ فمثلاً كلمة "استشهادية"
لا تثير لديه أي دلالات، بل هي على قدم
المساواة مع كلمة "انتحارية"، بل
يرى ذلك الاتجاه أن كلمة "استشهادية"
تسيء للقضية الفلسطينية؛ لأنها تربط
تلك العمليات بالدين.
ويرى
كذلك تقييم العمليات الاستشهادية وفقًا
لهدفها؛ لذلك إذا استهدفت هذه العمليات
مدنيين تتم إدانتها دون تحديد لمصطلح
مدني، وإن كان يبدو وكأنه يتفق مع
المصطلح من المنظور الغربي دون مراعاة
لخصوصية المدنيين في دولة الاحتلال.
علاوة
على ذلك فإن هذا الاتجاه يرى أن
العمليات الاستشهادية كان لها أثر
سلبي، وأدت إلى تعرض المجتمع الفلسطيني
هو الآخر للانهيار؛ فالأضرار التي
أصابت إسرائيل طالت الفلسطينيين بدرجة
ربما تكون أكبر مما طالت الإسرائيليين.
ويصل
هذا الاتجاه إلى القول بسوء النية في
تنفيذ بعض هذه العمليات من قبل
المقاومة، خاصة "حماس" و"الجهاد
الإسلامي"؛ وذلك لإحراج السلطة
الفلسطينية، حيث إنها تختار توقيتات
غير ملائمة تكون فيها عملية التسوية قد
بدأت تأخذ مجراها.
ويلاحظ
أن مبررات هذا الاتجاه تعتريها
التوترات، وتبدو انفعالية لا تعتمد
الحجة بقدر ما تعتمد إصدار الحكم.
أما
منطلقات هذا الاتجاه فهي نفسها منطلقات
الفريق الأول، إلا أنها تتفرد بإقصائها
للبعد الديني في القضية الفلسطينية،
وتحل الوطني محل الديني. وربما يقوم هذا
التصور على التعارض بين الديني والوطني.
ومع ذلك فهو لم يوضح كيف يضُرّ البُعْد
الديني بالقضية الفلسطينية، وإن كان
يتضمن الإشارة الضمنية إلى التعارض بين
المنطلقات والدوافع الدينية والمصالح
الواقعية البراجمتية التي تستجيب لضغوط
الواقع.
ثانيًا-
الاتجاه المؤيد للعمليات الاستشهادية:
ينبني
التأييد لهذه العمليات من وجهة نظر هذا
الفريق على حجج قانونية تدحض مقولة "إن
العمليات الاستشهادية تنفذ ضد مدنيين"؛
حيث يميز القانون الدولي بين ثلاثة
أهداف لحركات التحرر: عسكرية، وشبه
عسكرية، ومدنية. ويرى أن ما يحدث من
عمليات استشهادية في الأرض المحتلة يقع
في إطار الفئتين الأولى والثانية
اللتين يبيحهما القانون الدولي. وفي هذا
الصدد يجب ملاحظة:
1-
أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع معسكر.
2-
أن المستوطنات أهداف شبه عسكرية في بعض
الآراء.
وفضلاً
عن الحجج القانونية فإن هناك حججًا
نابعة من فقه الواقع، وأخرى دفاعية،
وأخرى تسعى إلى جبر الخلل وسد الثغرات..
فأما
ما يتصل بفقه الواقع، فإن تأثير
الانتفاضة على الكيان الصهيوني
وتوجيهها الضربات الموجعة له يُعد
مكسبًا، كما أن الصمت يعني الرضا
بالاحتلال ويحقق للعدو الإسرائيلي
الاستقرار.
أما
الحجج الدفاعية فترى أن بروز الجانب
العقدي في توجيه العدو لصراعه معنا
جوهري، حتى إن الشارع الإسرائيلي لا
يرفض عمليات شارون الانتقامية، ولو كان
رافضًا لثار ضد شارون، وهو ما لم يحدث،
بل على العكس من ذلك تزداد شعبية شارون.
أما
الحجج التي تسعى إلى جبر الخلل وسد
الثغرات فإنها ترد على الانتقادات
الموجهة إلى عدم وجود عمق إستراتيجي
للانتفاضة، فترى أن العمق الإستراتيجي
له طرفان: رسمي، وغير رسمي. وأن التعويل
يجب أن يكون على غير الرسمي (أي الشعوب)،
وبذلك يتحقق العمق وهو ما تفعله
الانتفاضة باعتبارها تحركًا شعبيًّا.
وينتقد
أنصار هذا الاتجاه الاتجاهين السابقين
من منطق أن القول بوجود سوء نية حركات
المقاومة في فلسطين نحو قيامها
بالعمليات الاستشهادية غير منطقي،
ويقوم على فكرة المؤامرة، وهي الفكرة
نفسها التي يستبعدها رافضو العمليات
الاستشهادية، وبهذا فالمؤامرة حينئذ
مقبولة كإطار تفسيري للداخلي، ومرفوضة
كإطار تفسيري للخارجي.
كما
يرد على أصحاب الاتجاه الأول بأن
معلوماتهم مستقاة من وكالات الأنباء
الغربية، ولا تطرح حلولا غير التفاوض،
وتتناول التفاوض وكأنه غاية وليس وسيلة
للتحرر الوطني.
أما
القول بأن العمليات الاستشهادية انعكست
على المجتمع الفلسطيني بأضرار بالغة،
فيردون عليه بأن قضايا التحرر
والاستقلال لا تقارَن نتائجها إلا
بنهايتها الأخيرة وليس بمراحلها
الجزئية التي تحتمل نوعًا من الإخفاق أو
قدرًا من النجاح كما يقول البعض.
وينطلق
هذا الاتجاه من افتراضات، أهمها:
-
ربط البعد الديني بالحركة السياسية.
-
أن حل القضية يأتي من الداخل.
-
اعتبار الخارج متحيزًا.
-
عدم الاعتراف بالوضع القائم على اغتصاب
الأراضي والاحتلال.
-
محاولة التأثير في الوضع الدولي من خلال
الفعل والحركة، وعدم الانصياع لحركة
النظام الدولي بالقنوط، وتأدية الدور
المطلوب، والرضا بالقيم التي يوزعها
ذلك النظام.
تابع
في هذا الملف:
اقرأ
أيضًا:
د.
محمد حمزة: النضال الفلسطيني يعود
للمربع صفر؟
أفكار
حول "عسكرة" الانتفاضة
شعث:
"نراهن على المجتمع الدولي"
تآكل
الفروق الأيدلوجية بين حركات المقاومة
الاستشهاد
في الواقع الفلسطيني
تفجيرات
أمريكا.. "نافذة فرص نادرة للصهاينة"!
**
باحث في الشؤون السياسية
|