|
فجأة
انتقلت أخبار المظاهرات المصرية
الرافضة للحرب الأمريكية على العراق من
الصفحات الداخلية في الصحف المصرية إلى
الصفحات الأولى والمانشتات الرئيسية،
بعدما كانت توضع مثل هذه الأخبار عادة
في صفحات الحوادث!!
وفجأة
تحول الحزب الوطني الحاكم في مصر للدعوة
لتسيير مظاهرات حاشدة ضد الحرب على
العراق، وضد العدوان الصهيوني على
الشعب الفلسطيني، بعدما كانت حكومة
الحزب ترفض التظاهر، وتعتبره نوعا من
أنواع الفوضى والتخريب ومخالفة القانون
الذي يمنع التظاهر!!
وفجأة
أيضا أعلنت وزارة الداخلية المصرية
موافقتها على مظاهرتين مليونيتين
لأحزاب المعارضة والحزب الحاكم على
التوالي، وحشدت قواتها لتنظيم هذه
المسيرات والمظاهرات بعدما كانت تحشد
القوات لمواجهتها، كما خففت حدة قبضتها
نسبيا على المظاهرات الأخرى (غير
المسموح بها رسميا)، وبدأت تتعامل مع
المتظاهرين بتفاهم أكبر، ويقتصر دور
الأمن على حماية وتطويق المظاهرة
باستثناء بعض التجاوزات مثل اعتقال
حوالي 12 متظاهرا.
وفي
كلتا المظاهرتين شاركت رموز حكومية
وأخرى معارضة وثالثة مستقلة، وحدث نوع
من الانصهار في بوتقة الغضب الشعبي ضد
السياسات الأمريكية والإسرائيلية
العدوانية.. ففي المظاهرة الشعبية شاركت
كل القوى السياسية تقريبا، ولم يحدث
إقصاء لأحد، وكانت كلمات ممثلي الإخوان
والناصريين واليساريين والوفديين
والمستقلين تتقاطر مرتدية نفس الثوب
الوطني، وشعارات رموز كل فريق لا يكاد
يميزها أحد عن الأخرى، أما المظاهرة
الحكومية فيكفي أن الأمين العام للحزب
الحاكم صفوت الشريف اختار أن يعطي
الميكروفون لقادة الأحزاب الوفدية
والناصرية واليسارية قبل رموز من الحزب
الحاكم نفسه.. فما الذي جرى؟!
التساؤلات
الحائرة للمحللين دارت حول عدة تفسيرات
لهذا التحول أو التغيير المفاجئ، سواء
من زاوية تعامل القوى المعارضة مع بعضها
البعض واختفاء لغة الإقصاء بينها، أو من
جانب الحكومة في مظاهرة الحزب الوطني
الحاكم حيث شاركت فيها رموز حزبية غير
الحزب الحاكم.
-
البعض وصف ما حدث بأنه مجرد محاولة من
جانب الحزب الحاكم.. ليس فقط لإظهار أنه
يساند الرأي العام الرافض للحزب (ضياء
رشوان من مركز دراسات الأهرام - مصر)،
وأنه ليس معزولا عن الشعب، ولكن أيضا -في
رأيي- كبداية للتحرك الشعبي للحزب
الحاكم، واتصاله بالجماهير عقب عملية
تطوير الحزب التي جرت العام الماضي،
وطالت رموزا كبيرة فيه.
-
والبعض الآخر -كما أتصور- اعتبر سماح
الحكومة بخروج مظاهرات شعبية سواء من
جانب المعارضة أو الحزب الحاكم نوعا من
التغطية على سلبيات داخلية تتمثل في
ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل
جنوني عقب تعويم الجنيه المصري وانخفاض
قيمته بما لا يقل عن 25%؛ وهو ما يسمح
بتنفيس الغضب خارجيا بدلا من أن يتحول
داخليا، فضلا عن أن السماح بالتظاهر جاء
للتغطية على قرار مدّ حالة الطوارئ
ثلاثة أعوام أخرى، وإظهار أن الطوارئ
ليست لقمع الحريات كما يقول المعارضون.
-
وهناك فريق ثالث دخل في مقارنة بين
مظاهرة المعارضة التي سيطرت عليها
جماعة الإخوان المسلمين ومظاهرة الحزب
الوطني الحاكم، واعتبر الثانية ردا على
الأولى ومزايدة عليها، كما هو رأي نائب
مدير مركز دراسات الأهرام وحيد عبد
المجيد، الذي يقول: إن تظاهرة الحزب
الحاكم جاءت ردا على مسيرة المعارضة
الشعبية التي كانت إخوانية بنسبة 97% كما
يقول.
بل
إن هذا الفريق يذهب لأبعد من هذا،
معتبرا أن سماح الحكومة بمظاهرة
المعارضة (قانون الطوارئ يمنع التظاهر)
استهدف توجيه رسالة قوية إلى معارضي
تمديد قانون الطوارئ في مصر؛ مفادها أن
قانون الطوارئ وممارسات حكومة الحزب
الحاكم أرحم من وصول الإخوان للحكم
بعدما ظهرت قوتهم في هذه المظاهرة، حتى
أن د. عبد المجيد أشار إلى أن "قادة
الأحزاب الأخرى التي شاركت في التجمع من
جميع الاتجاهات شعروا بالخوف من قدرة
التنظيم الحديدي للإخوان..، وأن الحكومة
نجحت في إتاحة الفرصة أمام الناس
لمشاهدة "الوحش" بهدف إخافتهم!
رسالة
المظاهرات
ومع
أن كل التفسيرات السابقة تحمل قدرا من
الصحة والخطأ على السواء؛ فالذي لم
يلتفت إليه أحد من المحللين أن هاتين
المظاهرتين المليونيتين دفعتا باتجاه
مهم، قد تظهر آثاره الإيجابية في الشارع
السياسي المصري مستقبلا، وهو خروج
الأحزاب والقوى السياسية المصرية -وعلى
رأسها الحزب الوطني الحاكم- إلى الشارع،
وبدء ممارستها السياسة الحقيقية كأحزاب
وظيفتها الأساسية التفاعل مع الجماهير
في الشارع، والسعي لتلبية مطالبها في
مرحلة الانتخابات التالية.
فليس
سرا أن هذه هي المرة الأولى تقريبا التي
يخرج فيها الحزب الوطني الحاكم بمظاهرة
ضخمة تندد بالحرب الأمريكية، ويدعو لها
كافة قوى الشعب المصري منذ المظاهرات
الحاشدة التي كان يقوم بها "الاتحاد
الاشتراكي" الذي كان الحزب الواحد في
عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر،
خصوصا أن هناك رغبة للحزب الحاكم -عقب
مؤتمر تطويره العام الماضي- في العودة
إلى الساحة السياسية بقوة، والانخراط
في الشارع المصري بعد اتهامات من جانب
معارضيه بأنه لا وجود له في الشارع
المصري.
كما
أنها المرة الأولى التي تشرف فيها قوات
الأمن على تنظيم المظاهرات (المعارضة
والحكومية) بعدما كانت وظيفتها تنحصر في
قمع المظاهرات، وإطلاق الغازات المسيلة
للدموع.
وليس
سرا أن المعارضة والحزب الحاكم على
السواء سعَيا للتقيد بشدة بتعليمات
الأمن والبعد عن التهييج والإثارة، أو
رفع شعارات تخرج عن الهدف (لا للحرب)؛
حتى وصل الأمر لتنظيم شباب جماعة
الإخوان مظاهرة المعارضة التي شارك
فيها ربع مليون -وفقا لبعض التقديرات-
بحيث لم يجد رجال الأمن غضاضة في
الجلوس، واحتساء الشاي دون توتر، فضلا
عن عدم إعطاء الميكروفونات حتى لخطباء
لا يرضى عنهم الأمن (الشيخ حافظ سلامة
مثلا)!
ولا
شك أن هذا التنظيم الدقيق والتوحد في
المواقف بين قوى المعارضة، فضلا عن نجاح
مظاهرة الحزب الوطني الحاكم في حشد نصف
مليون مواطن -بصرف النظر عن الطريقة
التقليدية في حشد الطلبة والعمال- سوف
يشجع الجميع على تكرار هذه التجربة
الناجحة؛ بحيث يتم السماح بتنظيم
المظاهرات لاحقا في أماكن متفق عليها
لتنفيس الغضب الشعبي بدلا من الصدام
معها، طالما أنها ستخرج في كل الأحوال.
ومن
الطبيعي -والحال هكذا- أن تسهم هذه
النقلة السياسية الجديدة التي نتجت عن
المظاهرات المليونية بشكل ما في نوع من
الحراك داخل الأحزاب -من جهة- بما فيها
الحزب الحاكم، وداخل القوى السياسية
المحرومة من العمل السياسي أيضا بما
فيها جماعة الإخوان التي تفضل الحركة
السياسية الهادئة على الصدام، وسوف
تكون أكثر المستفيدين من هذا الهدوء
وعودة السياسة (بمعنى التواصل الحزبي
بالجماهير) إلى الشارع المصري.
تحفظات..
تحفظات!
ولكن
هل صحيح أن سماح الحكومة المصرية
بالمظاهرات الممنوعة هو سياسة جديدة
رسمية؟ بمعنى أنها ربما ستصبح تقليدا
متبعا مستقبلا، أم أن الظروف الدولية
والداخلية سمحت بنوع من التنفيس؟!
المستشار
طارق البشري -نائب رئيس مجلس الدولة
الأسبق- يرى في تفسيره للسماح بخروج هذه
المظاهرات أنها نتاج "حرج حكومي مما
حدث في أوروبا وأمريكا؛ حيث خرجت
مظاهرات مليونية ترفض الحرب، ومن باب
أولى كان المفروض أن تخرج هذه المظاهرات
من دول عربية"!
ويضيف:
"ليت هذا الحرج يتحول إلى سياسة
رسمية، وتقتنع الحكومة أن من حق الشعب
أن يتحرك ويتظاهر عبر تجمعات".
ويقول:
نأمل أن يعكس هذا تغييرا في السياسة
الرسمية تجاه حق التظاهر، ولو أنه لا
يحدث هذا حتى الآن شيئا من هذا.. حيث لا
يعكس السماح بمظاهرتين مليونيتين شعبية
ورسمية وجود سياسة رسمية مصرية جديدة في
هذا الصدد حتى الآن.
وهنا
نشير إلى واقعة ذات مغزى تتلخص في رفض
نشطاء في المظاهرات المصرية الشعبية
المشاركة في مظاهرة الحزب الحاكم،
وتوزيع نداءات تدعو لهذا، أو بمعنى أصح
تساوم الحزب الحاكم على المشاركة بشرط
واحد، هو أن تفرج حكومة الحزب الحاكم عن
المعتقلين الذين اعتقلتهم في مظاهرات
سابقة رغم أنهم تظاهروا لنفس السبب الذي
تظاهر له الحزب الحاكم!
ووصل
الأمر لحد إرسال هؤلاء النشطاء -ممن
سخروا من دعوة الحزب الحاكم إلى مظاهرة
ضد الحرب في الوقت الذي تقوم فيه حكومة
الحزب باعتقال متظاهرين آخرين ضد الحرب-
برسائل إلى الرئيس المصري حسني مبارك
ورئيس الوزراء ووزير العدل ووزير
الداخلية على البريد الإلكتروني لكل
جهة يطالبون فيها بالإفراج عن معتقلين
سبق أن اعتقلتهم أجهزة الأمن من قوى
سياسية مختلفة لمشاركتهم في مظاهرات ضد
الحرب على العراق.
وفي
هذا الصدد تقول الناشطة المصرية "إيمان
بدوي" التي تشارك في أغلب المظاهرات
الشعبية ضد الحرب -في رسالة مطولة عبر
البريد الإلكتروني- موجهة الحديث إلى
الحزب الوطني المصري: "أسالكم كيف
تريدون أن يصدقكم الناس ويخرجون في
مظاهرتكم التي تدعو للتضامن مع العراق
وفلسطين، وفي نفس الوقت قبضت حكومة
الحزب الوطني على من شارك في مظاهرات
مماثلة ولنفس الهدف؟!".
رسائل
الحكومة والمعارضة في المظاهرات
وبالطبع
لم تخلُ المظاهرات الشعبية أو الحكومية
من توجيه رسائل ذات مغزى للداخل والخارج
على السواء.
فمن
شاهد مظاهرة القوى الوطنية المصرية
الأولى يوم 27 فبراير الماضي في إستاد
القاهرة الرياضي لاحظ بوضوح أنه رغم
مشاركة "رموز" القوى المختلفة فيها
فقد كانت المظاهرة إخوانية المحتوى
والمظهر، بداية من الحضور والشعارات
والهتافات، وأنها كانت منظمة بشدة من
جانب شباب الإخوان، حتى وصل الأمر
لاستقبال أعضاء مكتب إرشاد الجماعة
للجمهور على الأبواب، وتوصيل الشباب
لهم إلى أماكن الجلوس المخصصة للنساء أو
الرجال أو القيادات، وفي المحصلة
النهائية كانت رسالة من الإخوان
للحكومة بقدرتهم التنظيمية، ونيتهم
السلمية، وعدم إقصائهم لبقية القوى
السياسية بشكل لا تحتاج معه الجماعة سوى
لوعاء رسمي (حزب أو جماعة رسمية معترف
بها) للعمل من خلاله.
أما
مظاهرة الحزب الوطني الحاكم فظهر أن
الهدف منها تجديد ثقة الشعب بالحزب،
وتوجيه رسالة للداخل بأن الحزب متصل
بالجماهير، أو على الأقل بدأ مرحلة
جديدة -عقب تطويره- للاتصال بهم، وانتهت
مرحلة القطيعة والجلوس في المكاتب، وهو
ما قاله رموز الحزب بوضوح شديد!.
فقد
أكد صفوت الشريف الأمين العام للحزب
الوطني الديمقراطي، وزير الإعلام أن
مسيرة الحزب بمثابة "رسالة حضارية من
حزب الأغلبية الذي يتزعمه الرئيس حسني
مبارك"، وقال: "بالرغم من أن
الحكومة والدبلوماسية المصرية تعبران
عن وجهة نظر مصر، وبالرغم من تطابق فكر
الشعب مع الرئيس مبارك.. فإن الحزب يتيح
الفرصة لأبنائه لأن يعبروا ويشاركوا في
القضايا الوطنية، وذلك من خلال الفكر
الجديد الذي ينادي به الحزب بالمشاركة
والتفاعل لكل أبناء مصر".
وقال:
"إن المسيرة تعبر عن نبض الجماهير
ونبض الأغلبية الذي يتفق والحكمة
والمصالح العليا للوطن التي يعبر عنها
الرئيس، وإنه من حق الملايين من أبناء
الحزب المشاركة في التعبير عن عمق
القرار المصري وجذوره، وإنها تعبير عن
حق أبناء الحزب في التعبير والمشاركة في
القضايا العليا للوطن".
وربما
كان د. علي الدين هلال وزير الشباب وأمين
التدريب والتثقيف السياسي بالحزب
الوطني أكثر وضوحا، عندما قال: "إن
المسيرة تعبر عن جزء من تطور نشاط الحزب
في العمل الجماهيري المباشر، وتعميق
معنى المشاركة بين أعضاء الحزب،
والتطور في إطار الفكر الجديد".
ورغم
أن هذه حالة مصرية خاصة؛ فقد شهدت عواصم
عربية أخرى محاولات مشابهة -ربما كان
أبرزها في المغرب- لقيام مظاهرات
مليونية عربية شعبية وحكومية لذات
الأهداف، بعدما استشعرت الحكومات
العربية الحرج من المظاهرات الأوروبية،
كما استشعرت -أيضا- الحرج من القمم
الأوروبية والآسيوية الرافضة للحرب -على
حد قول قادة عرب- فعجلت بالقمة العربية
ثم الإسلامية!
فهل
تنجح "حرب المظاهرات المليونية"
العربية في إنعاش الحياة السياسية
للدول العربية في وقت تستعد فيه واشنطن
لطرح قضايا مثل "تعليم العرب
الديمقراطية" عقب ضرب العراق.. أم أن
المسألة ليست سوى عملية تنفيس سياسي
لأزمات داخلية في أزمات أخرى خارجية؟!
اقرأ
أيضًا:
الحزب
الوطني المصري.. تغيير أم تجميل؟!
مصر..
أضخم مظاهرة بموافقة السلطة
نوح:
مبادرة "الخيار الرابع" بين
الحكومة والإخوان
الحزب
الوطني.. ينافس نفسه في الانتخابات
**
محلل سياسي بموقع إسلام أون لاين-
القاهرة
|