 |
|
الضحايا الحقيقيون للحرب |
لم
يكد الشعب الصومالي يتنفس الصعداء
بعدما نجحت الفصائل الصومالية المجتمعة
في كينيا من التوصل لاتفاق أشبه
باتفاق إطار في أكتوبر الماضي، حتى عادت
عقارب الساعة من جديد في الآونة
الأخيرة، حيث شهد الأسبوع الأخير من شهر
فبراير عدة تطورات في هذا الشأن: منها إعلان الحكومة
في 25-2-2003
انسحابها من المفاوضات بسبب عدم
جديتها، وانحياز إثيوبيا -عضو
اللجنة الفنية الثلاثية التابعة
لـ"الإيجاد"
والمشرفة على جهود المصالحة-
لبعض الفصائل الموالية لها.
وحدّدت
الحكومة عدة شروط للعودة لمائدة
التفاوض من أبرزها وضع اللمسات
النهائية لقائمة المشاركين بها ونسب
تمثيلهم، ووضع سقف زمني
للمحادثات، فضلاً عن المطالبة بأن تكون
كينيا -التي
تستضيف المحادثات- الوسيط الوحيد في هذا
الشأن، واستبعاد
إثيوبيا.
هذا
الموقف لم يقتصر على الحكومة،
فقد انسحب قبلها بيومين "ائتلاف
وادي جوبا" احتجاجًا على الدعم الإثيوبي لبعض
الفصائل. ولعلَّ
هذه التطورات المتلاحقة تطرح عدة
تساؤلات بشأن جهود المصالحة الحالية.
ولكن قبل هذا وذاك، ينبغي أولاً التعرف
على ما تم التوصل إليه في الجولة الأولى
من المحادثات التي استضافتها كينيا في
الفترة من 15-27
أكتوبر الماضي،
على اعتبار أنها الأساس الذي انبنت عليه
جولتا
المحادثات الثانية والثالثة.
نقاط
إيجابية..
ولكن!
توصل
الفرقاء الصوماليون المشاركون في الجولة
الأولى من المفاوضات إلى عدة نقاط
إيجابية في طريق المصالحة، وإحلال
السلام في البلاد،
لعلّ أبرزها ما يلي:
1
- ضرورة إنشاء هياكل
فيدرالية في الصومال، وإقرار مبدأ
اللامركزية، واعتماد ميثاق أو دستور
يمثل الجميع، وموافقة سائر الأطراف على
ضمان حقوق وتمثيل وحماية كل المواطنين
والجماعات الصومالية، إضافة لوقف
الأعمال العدائية اعتبارًا
من 27-10-2002.
2
- نبذ العنف واستخدام
الوسائل السلمية لتسوية الخلافات.
3
- التنفيذ الكامل لقرار
مجلس الأمن الدولي رقم 733 لسنة 1992 الخاص
بحظر تصدير الأسلحة إلى الصومال.
4
- ضمان وتأمين وصول
الإمدادات والمساعدات الإنسانية
للصومال، وضمان أمن وسلامة موظفي الأمم
المتحدة والمنظمات غير الحكومية
العاملة في هذا المجال.
5
- الإعلان عن مكافحة كافة
صور الإرهاب، والتعاون مع المجتمع
الدولي لهذا الغرض طبقًا
لقرار الأمم المتحدة رقم 1373 لسنة 2002،
والحيلولة دون استخدام الأراضي
الصومالية كقواعد للأنشطة الإرهابية.
6
- دعوة "الإيجاد"
والاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي
لمساندة ومتابعة ومراقبة تنفيذ بنود
الاتفاق.
وفي
خطوة عملية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه،
تم تشكيل ست لجان لوضع تصور للبلاد خلال
مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وهذه
اللجان هي:
1
- لجنة الدستور
والفيدرالية.
2
- لجنة نزع السلاح وتأهيل
المليشيات.
3
- لجنة الاقتصاد وإعادة
الإعمار.
4
- لجنة التعاون الدولي
والإقليمي.
5
- لجنة المصالحة وحل
الخلافات والنزاع حول ملكية الأراضي.
6
- لجنة زعماء الفصائل.
ولضمان
سير هذه اللجان أوفدت الدول والمنظمات
المعنية بالأزمة كالاتحاد الأوروبي وفدًا
من الخبراء للمساهمة في صياغة الدستور
والهياكل المؤسسية لمرحلة ما بعد
المصالحة،
وتنسيق أنشطة اللجان
المختلفة.
قضايا
شائكة
بدأت
الخلافات تدب كالعادة خلال الجولة الثانية التي
بدأت في 3-12-2002،
وتوقفت قبل نهاية العام بسبب
الانتخابات في كينيا
-البلد المضيف-
في 27-12-2002، ثم عطلة أعياد الميلاد، ومرة
أخرى استؤنفت الجولة الثالثة من
المحادثات في 10-1-2003، وقد تمثلت أبرز
القضايا الخلافية فيما يلي:
1
- محاولة
قادة الفصائل المشاركة تهميش دور
منظمات المجتمع المدني
التي كانت إحدى الدعائم الأساسية في
مفاوضات "عرتا"
التي عقدت في جيبوتي عام 2000.
ولعلّ
سبب محاولة استبعاد هذه
المنظمات هذه المرة يرجع
لرغبة قادة الفصائل في الحصول على نسب
أكبر من مقاعد التمثيل في المؤتمر، بعد
ما أعلن -من
قبل كينيا والدول الراعية- عن الرغبة في تقليل عدد
المشاركين من 900 عضو لكل الفصائل إلى 300
عضو فقط؛
بسبب تكاليف الإقامة التي تزيد عن 80 ألف
دولار يوميًّا، ولكن استبعاد هؤلاء يعني أن
المصالحة لن تتم على مستوى وطني بقدر ما
تتم على مستوى قبلي، حيث إن
القبيلة ستكون معيار الولاء والانتماء
في الفترة القادمة وليس المجتمع؛ وهو ما
يؤدي إلى إمكانية حدوث
التفتت من جديد.
ولعلّ
ما تم التوصل إليه في 20-12-2002 بشأن نسب التمثيل خير
دليل على ذلك،
حيث استأثرت القبائل الخمس الرئيسية،
فضلاً عن الحكومة بنصيب الأسد، حيث حصلت القبائل
الأربعة الكبرى (وهي
الدر -
الدارود
- الهوية -
الديجل والمرفلة)
على 53 مقعدًا
لكل منها، فيما حصلت القبيلة الخامسة
وهي قبيلة الأسباهيسي
على 26 مقعدًا،
وفي المقابل حازت الحكومة على 46 مقعدًا،
في حين تم تخصيص 11 مقعدًا
فقط لمنظمات المجتمع المدني، و 5 مقاعد للنساء.
2
- عدم تمكن اللجان
الست
من أداء عملها، وذلك بسبب الخلاف حول نسب
التمثيل داخل هذه اللجان، حيث إن
الفصيل الذي لا يتمكن من المشاركة في أي
منها يفسر ذلك بأنه بمثابة استبعاد
وتهميش له.
3
- استمرار انسحاب بعض
الفصائل
في أثناء المفاوضات.
ولعلّ
هذا يُعَدّ
مؤشرًا
خطيرًا
يهدد جهود المصالحة مستقبلاً،
حيث إن
التوصل لأي قرار في عملية المصالحة قد
لا يكون ملزمًا
لهذه الفصائل،
على اعتبار أنها لم تشارك في اتخاذه، وهو
ما
حدث في المصالحة الوطنية في "عرتا" التي لم يشارك فيها حسين
عيديد،
ومن ثَم
لم يعترف بالرئيس الحالي عبد القاسم
صلاد حسن، ولا بالحكومة الحالية،
ويطالب في المقابل بالبدء في المفاوضات
من نقطة الصفر. والمشهد يتكرر الآن،
فقد انسحب الرئيس السابق علي مهدي محمد
من الجولة الأولى بسبب احتجاجه على
التدخل الإثيوبي، ثم انسحب بعد ذلك كل
من موسى سودي يلحو -رئيس
جناح المؤتمر الصومالي الموحّد-
الذي يسيطر على أجزاء من العاصمة، وبرى
هبرلي زعيم "ائتلاف
وادي جوبا"
الذي يسيطر على محافظتي جوبا السفلى
والوسطى من المفاوضات الحالية،
بسبب إثيوبيا أيضًا.
4
- عدم نزاهة الوسطاء
الحاليين، (كينيا وإثيوبيا)،
ولعلّ
هذا يرجع بالأساس إلى رغبة كلتا الدولتين
في استمرار الصومال ضعيفًا
من أجل عدم المطالبة بأراضيه المحتلة من
قبل كل من إثيوبيا (إقليم الأوجادين
العربي المسلم) وكينيا (إقليم النفد).
ويلاحظ
أن إثيوبيا لم تكف عن تدخلاتها سواء في
المفاوضات أو في الأراضي الصومالية، من
أجل مناصرة القوى الموالية لها. ويلاحظ
أن رئيس الوزراء الإثيوبي زيناوي
لم يخف هذا التدخل في الأراضي الصومالية،
وبرّر
ذلك بتتبع العناصر الإرهابية التابعة
لتنظيم القاعدة،
التي
يزعم أن لها علاقة بجماعة
الاتحاد الإسلامي الموجودة في الصومال.
5
- مشكلة
التمويل:
ويمكن أن تؤدي إلى توقف المفاوضات في أي
لحظة، كما أنها تجعل الفرقاء دائمًا
خاضعين لتوجهات الدول
الممولة.
وقد سبق أن تأخر عقد مؤتمر المصالحة
الوطنية في "بيداوا"- الذي كان أحد نتائج
اتفاق القاهرة للسلام (ديسمبر 1997)-
بسبب عدم توافر الدعم المادي لعقده،
والذي بلغ 4.5
ملايين
دولار آنذاك، لولا تعهد قطر وليبيا -بصورة
منفردة أيضًا-
بتوفير هذا المبلغ،
وهذه المرة يتم التمويل من خلال الاتحاد
الأوربي.
ويفترض أن الجامعة العربية خصصت صندوقًا
لدعم الصومال في مرحلة إعادة البناء،
وقد سبق أن قرّرت
قمة بيروت العربية العام الماضي تخصيص
مبلغ 450 مليون دولار لإعادة الإعمار،
ولم يصل منها سوى 3.7 ملايين
دولار من الإمارات.
6
- مشكلة
نزع سلاح المليشيات: وهي مرتبطة بالأساس
بقضية التمويل.
فقد ذكر مستشار الرئيس الصومالي للأمن
القومي في تصريحات لصحيفة "الشرق
الأوسط" اللندنية 19-1-2003
أن عملية إحلال السلام يمكن أن تتم من
خلال استقطاب ما
بين 3000، و5000 من
قوات حكومة سياد بري المنحلة، وتجهيزها
بالعتاد العسكري حتى يتم نزع سلاح
المليشيات، الذي لا يتم إلا من خلال
بديلين:
الأول القوة العسكرية، والثاني شراء
الأسلحة من هذه المليشيات، وكلا
الخيارين غير متوفر الآن. وتبلغ تكلفة
تسليح هذه القوات 10 ملايين
دولار لمدة عام واحد فقط.
7
-غياب الآليات
اللازمة لتنفيذ ما اتفق
عليه،
فقد تعرض اتفاق وقف إطلاق
النار،
الذي تم التوصل إليه في نوفمبر الماضي،
لعدة خروقات من جانب مختلف الفصائل. ولم
يتم تطبيق أي من العقوبات عليها، الأمر
الذي يجعل من السهل عليها عدم تنفيذ أي
اتفاق لا يروق لها.
8
–إصرار "جمهورية
أرض الصومال"
التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991
على موقفها: وهو رفضها الانضمام لجهود المصالحة
الوطنية، وتواصل هذه الجمهورية المنشقة،
التي يرأسها حاليًّا
طاهر ريال،
تثبيت هذا الوضع عبر الانتخابات
الرئاسية الجديدة التي ستشهدها خلال
شهر مارس
2003.
خلاف
حول نظام الحكم
ويرتبط
بالقضايا الشائكة السابقة
مشكلات أخرى لا تقل أهمية -وربما تعصف بالمفاوضات-
وهي تلك المتعلقة بشكل نظام الحكم
والأشخاص الذين سيتولون زمام الأمور في
البلاد خلال الفترة القادمة.
فقد أعلن العقيد عبد الله يوسف (مؤسس
دولة "بونت
لاند"
في الشمال)
أن الرئيس عبد القاسم صلاد حسن عرض عليه
تولي منصب رئيس الحكومة بدلاً من
الترشيح لمنصب الرئاسة خلال الانتخابات
القادمة، لكنه (يوسف)
رفض ذلك.
وفي
المقابل أعلن القادة المشاركون في
المفاوضات عن الحصول على خطة حكومية حسب زعمهم تتضمن وضع تصور
لشكل الحكم خلال الفترة القادمة،
حيث نصّت
الخطة على إقامة نظام حكم رئاسي يتكون
من رئيس وأربعة نواب، وتشكيل حكومة
ولجنة مركزية تمثل فيها جميع
الفصائل، فضلاً عن وجود برلمان معين
يمثل جميع هذه الفصائل خلال فترة
انتقالية مدتها أربع سنوات، يتم بعدها
إجراء انتخابات حرة.
لكن
هذه الخطة حظيت بمعارضة شديدة خاصة من
حسين عيديد -رئيس
التحالف الوطني المعارض-
الذي أكّد
أن تولي شخص مقاليد الحكم في البلاد
أسلوب ثبت فشله،
في إشارة إلى انتخابات علي مهدي محمد
عقب الإطاحة ببري، وعبد القاسم صلاد حسن
في أعقاب مؤتمر عرتا،
وأشار في المقابل إلى إقامة نظام مجلس
حكم،
يضم جميع قادة الفصائل، وتكون
رئاسته بالتناوب من أجل ضمان مشاركة
الجميع في إدارة البلاد.
الخوف
من التراجع
مما
سبق،
يمكن القول إن
جهود المصالحة الوطنية تواجه عدة عقبات
بعضها داخلي، وثانيها إقليمي، وثالثها
دولي يتمثل في إطلاق واشنطن العنان
لإثيوبيا للتدخل بالوكالة في الشأن
الصومالي،
كما اتضح من تصريحات قائد القوات
الأمريكية في المنطقة "جون
ساتلر"
أثناء زيارته لإثيوبيا في 21-2-2003،
حيث أعطى إثيوبيا ضوءاً أخضر للتوغل
داخل الصومال بدعوى ملاحقة الإرهابيين.
ولا
شك أن هذه العوامل مجتمعة
من شأنها تعقيد الأزمة. كما أن الحجم
الضخم للوفود المشاركة من شأنه استمرار
عملية المفاوضات لفترة طويلة. لكن ينبغي
القول إن
هؤلاء الفرقاء مطالبون بإيجاد حل
للأزمة الراهنة قبل أغسطس القادم، وهو
الموعد الرسمي لانتهاء ولاية الرئيس
الحالي؛ إذ قد تواجه البلاد فراغًا
سياسيًّا
يسعى الجميع لملئه بمعرفته، الأمر الذي
يؤدي في النهاية إلى انتكاسة
لا تحمد عقباها.
اقرأ
أيضًا:
الصومال
يستجير من الفوضى بالتدخل الدولي
الصومال..
خطأ الحكومة وخطيئة المجتمع الدولي
الصومال..
عقارب الساعة تدور للوراء
حكومة
الصومال: الميلاد الصعب
الحركات
الإسلامية الصومالية.. ذريعة أمريكا
للتدخل والتقسيم
خلافات
بمؤتمر المصالحة الصومالي بكينيا
**
باحث في الشئون الإفريقية - القاهرة
|