بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي 

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الأزمة العراقية.. قراءة في الموقف التركي

24/02/2003

محمد عبد القادر **

"إن الحرب حتمية مهما كانت التحركات والمبادرات.. وإن تركيا ستتأثر بشدة إذا ما تورطت في حرب، لكنها ستواجه خسائر خطيرة إذا لم تصبح جزءًا منها. إننا نعيش مأساة كاملة". هكذا لخص سليمان ديميريل الرئيس التركي السابق الموقف الصعب الذي تعيشه بلاده، موضحًا ما يبطنه هذا الموقف من تناقضات تعكس حالة التردد والقلق الشديد الذي تبديه الحكومة التركية حيال العمل العسكري المحتمل في العراق.

هذا المقال يحاول استجلاء المحددات الحاكمة للموقف التركي، والإستراتيجية التركية في التعامل مع الأزمة العراقية.

أولا- العوامل الحاكمة للموقف التركي:

أ- العوامل الداخلية:

1- الشعبية الجارفة التي حظي بها سياسيو تركيا الجدد في انتخابات نوفمبر 2002، وحملتهم إلى مقاعد السلطة، تشكلت في ظل المبادئ والتعهدات التي أخذتها هذه النخبة على نفسها أثناء حملاتها الانتخابية، وأكدت فيها التزامها الكامل برفض الحملة العسكرية ضد العراق، معلنة تمسكها بالعمل في إطار الشرعية الدولية، ووفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي، ومن ثم فإن الإخلال بما تعهدت به من قبل، يعني المساس بمصداقيتها، وانهيار شعبتيها لدى المواطن التركي، الذي يرفض، بل ويتظاهر بشكل يكاد يكون يوميا ضد هذه الحرب، فقد أكدت آخر استطلاعات الرأي التي أجراها معهد "أنار" في أنقرة أن 94% يرفضون حدوثها، وأن 78% منهم يطالبون بألا تكون تركيا طرفا فيها.

2- العلاقة السياسية بين "نخبة العدالة" والمؤسسة العسكرية التركية، لا تزال على المحك، وستظل كذلك لفترة يصعب التنبؤ بأمدها، خاصة في ظل الدور البارز لمجلس الأمن القومي الذي يوازي الجمعية الوطنية التركية، بل ويتعداها في ظل ما تتمتع به قراراته من أولوية داخل مجلس الوزراء، الذي لم يستطع رفض أي توصية له منذ إنشائه عام1961، عقب الانقلاب على حكومة عدنان مندريس، وفي ظل وجود قانون مجلس الأمن القومي والأمانة العامة رقم 2954، الذي ربط كل ما يتعلق بالأمن القومي بهذا المجلس، مقوضًا بذلك الكثير في سلطات البرلمان التركي.

3- خروج أنقرة من حرب الخليج الثانية مثقلة بخسائر اقتصادية كبيرة، بعد أن فقدت رابع أكبر شريك تجاري (العراق)، وصل حجم تبادلها التجاري معه عام 1991 إلى 5 مليارات دولار سنويا، فضلا عما تكبدته من خسائر جراء انخفاض حجم تجارتها، مع دول الخليج عبر الأراضي العراقية، وبسبب افتقادها لمصدر أساسي كان يمدها بما يقرب من نصف احتياجاتها النفطية بأسعار مميزة نسبيا، ثم تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي أصاب تركيا منذ خريف عام 2000.

4- يمثل الملف الأمني الهاجس الأكبر الذي يقض مضاجع الأتراك، منذ إعلان الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923، بعد أن رسمت حدودها النهائية مكتسبات اتفاقية لوزان الدولية في 24 يوليو من العام نفسه التي جاءت لتعيد تركيا إلى حيز الوجود الفعلي بعد أن أعادت تركيبها، وحافظت على بنائها الجغرافي، في ظل التهديدات بفقدان هويتها القومية الموحدة جراء اتفاقية سيفر في 11 أغسطس 1920 التي كانت قد قسمت تركيا جغرافيا وعرقيا ولغويا.

لذلك فالريبة التركية من تداعيات الأزمة العراقية على سلامة ووحدة الجسد التركي مردها إلى خبرة تاريخية ممتدة، وهي تبدي حرصًا على ألا يتسبب ذلك في إثارة النزعة الانفصالية لدى أكراد تركيا؛ وهو ما يعيد إلى الأذهان المآسي التي كانت قد تناستها تركيا نسبيا، عقب القبض على عبد الله أوجلان عام 1999، وبعد أن قدر نزيفها الاقتصادي السنوي بما بين 7 و8 مليارات دولار، وخلفت وراءها قتلى يتراوح عددهم بين 30 و50 ألف إنسان.

ب- العوامل الخارجية:

1- إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تطبيق مخططاتها العسكرية والسياسية إزاء العراق، وفقا لما يشير إليه نهج التعامل الأمريكي مع الأزمة، وكثافة الحشود العسكرية في المنطقة، ومختلف التصريحات الرسمية الأمريكية، التي كان أبرزها خطاب كولن باول وزير الخارجية الأمريكي، في مجلس الأمن الدولي في 6 فبراير 2003، الذي أكد بوضوح أن كل الأصوات داخل الإدارة الأمريكية، أضحت صقورا، ترى السلم على طريقة دعاة الحرب! وهو ما تأخذه تركيا بعين الاعتبار.

2- إن مواقف الدول العربية والإسلامية لم تتعد التصريحات الاعتيادية الحذرة على سلامة علاقتها الإستراتيجية والمصلحية النخبوية مع الولايات المتحدة، لتتخذ خطوات أكثر فاعلية توضح المعارضة الكاملة والحقيقية لأي عمل عسكري ضد العراق، وذلك بسبب إدراك راسخ لدى الجميع بأن للحركة شروطًا ومؤهلات ينكر الكافة توافرها لديهم.

ثانيا- إستراتيجية تركيا حيال الأزمة العراقية:

استندت إستراتيجية التعامل التركي مع الأزمة العراقية الراهنة إلى مبدأ رئيسي مضمونه الاستعداد لمختلف الاحتمالات، بما يخدم التطلعات التركية إلى تعظيم المكاسب ودرء المخاطر، وذلك من خلال نهج التعامل المباشر مع مختلف أوجه الأزمة، وجميع أطرافها، وبتقديم رسالة واضحة للجميع مفادها نحن معكم ما دامت الاعتبارات التركية تدخل في نطاق اهتماماتكم.

وقد كان ذلك جليا من خلال مرحلة الاستكشاف الأولى وما تلاها، والتي هدفت إلى تحديد دقيق للمسارات الممكنة للتواجد في كل الاجتماعات التي تناقش الأزمة العراقية، معلنة خلال تلك المرحلة أن أنقرة ترفض ضرب العراق خارج نطاق الأمم المتحدة، وأن أي دور لتركيا لن يتحدد إلا بعد الرجوع للبرلمان.

ولعل توصل أقطاب مجلس الأمن الدولي إلى القرار 1441، بعد جلسته الشاقة في 8 نوفمبر الماضي، شكل فرصة مواتية أتاحت مزيدًا من الوقت للحركة النشطة للدبلوماسية التركية الراغبة في منع الحرب، ولكن إدراكها لضآلة فرص ذلك صبغ مجمل سياستها، فأضحت تستهدف من وراء نشاطها تلبية احتياجاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وشرح موقفها في حال اندلاع العمل العسكري ضد بغداد.

وقد تحركت تركيا من أجل وضع رؤيتها الإستراتيجية موضع التنفيذ، على محاور عدة:

على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية تعمدت تركيا -رغم الزيارة المبكرة التي قام بها أوردوغان إلى واشنطن لتوضيح الصورة الحقيقية لحزبه ولحكومته، وتأكيد ثوابت العلاقات الإستراتيجية بين البلدين- ألا تبدي مرونة كبيرة تجاه المطالب الأمريكية، والإمعان في إظهار مخاوفها، حتى يتسنى لها الحصول على أقصى قدر ممكن من الضمانات، وبذلك تحول الموقف من سؤال حول هل ستدعم تركيا الولايات المتحدة في غزوها المتوقع للعراق من عدمه إلى سؤال مفاده كيف تدعم واشنطن أنقرة إذا ما وافقت الأخيرة على تقديم التسهيلات المطلوبة؟ أي أصبح الثمن -أو بالأحرى المطالب الاقتصادية والعسكرية والضمانات الأمنية- هي المحدد الرئيسي للموقف التركي. وقد وضح بالفعل أنه عندما يصل الأمر إلى هذا الحد لا يصبح من الصعب التعاطي أمريكيا معه، بعد أن وافق البرلمان التركي على طلب كان قد قدمه رئيس الوزراء التركي عبد الله جول إليه في 6 فبراير 2003، يسمح للخبراء الأمريكيين بتطوير المواني والقواعد التركية، وهو ما برره زعيم حزب العدالة رجب طيب أوردوغان بقوله: "إن تركيا إذا خرجت عن المعادلة من بدايتها فقد لا تكون في وضع يمكنها من السيطرة على التطورات في نهايتها، مما يعرضها للخطر".

إلا أنه على الرغم من ذلك، فإن هذا الموقف لم يثن الحكومة التركية عن عدم إرسال مذكرة التفاهم الثانية التي توصل إليها الطرفان، بشأن نشر الجنود الأمريكيين على الأراضي التركية، والتنسيق العسكري في حال نشوب الحرب إلى البرلمان التركي مرتين بسبب عدم نجاح زيارة وزير الخارجية التركي يشار ياقيشي برفقة علي باباجان وزير الاقتصاد إلى واشنطن في 12 فبراير 2003 في التوصل إلى اتفاق حول التسهيلات والضمانات المختلفة التي تطالب بها تركيا عوضا عن خسائرها المتوقعة إذا ما اندلعت الحرب.

وقد عبر أردوغان نفسه عن هذا الموقف بعكس ما ذكره من قبل حين توجه إلى المجموعة النيابية لحزبه، قائلاً: "على أصدقائنا الأمريكيين ألا يفسروا موافقة البرلمان على تحديث القواعد بأن التزام تركيا بلغ حدًّا لا يمكن العودة عنه"، الأمر الذي يبرز درجة المرونة العالية التي تتمتع بها الحركة السياسية والدبلوماسية التركية إزاء الموقف الراهن، وإن كان ذلك لا يتعدى اشتراطات "مناوراتية" في ظل المحددات المعطاة للتحرك على الصعيدين الداخلي والخارجي.

أما على صعيد العلاقات مع الدول العربية:  فكانت أولى جولات رئيس الوزراء التركي عبد الله جول هي جولته على الأطراف الإقليمية الرئيسية في المنطقة من أجل شرح أبعاد الموقف التركي، مؤكدًا أن السعي إلى تجنب العمل العسكري يتطلب تنسيقا مسبقا بين الدول الرئيسية لاتحاذ التدابير اللازمة لإعلان ذلك، ومن ثم كانت مبادرة إستانبول التي أطلقتها أنقرة بعد تنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية، وحملت رسائل متعددة:

- رسالة إلى العراق توضح حدود القدرة التركية والإقليمية على مساعدته في تجنب الحرب.

- إبراء للذمة أمام المواطنين الأتراك، وللإيحاء بأنها لم تدخر جهدًا، للحيلولة دون اندلاع الحرب، بالتنسيق مع دول العربية والإسلامية، لكن التيار الأمريكي كان أقوى من قدرات الجميع.

- محاولة لبناء علاقات أقوى مع الدول العربية والإسلامية، في ظل الحاجة الملحة للاستعانة بهذه الدول اقتصاديا، والتنسيق المسبق مع دول الجوار بشأن قضية الأكراد.

- رسالة إلى الغرب وواشنطن بصفة خاصة، مضمونها أن حدود الحركة التركية قد لا تكون بالضرورة محدودة النطاق؛ ولذلك فإن المقابل الذي تطلبه تركيا يستحق التفكير.

أما على صعيد العلاقات مع بغداد: فإن المصالح الآنية حدت بتركيا إلى الإعلان عن رفع تمثيلها الدبلوماسي مع العراق إلى درجة سفير-وفعلت بغداد مثلها- كما أنها سعت لفتح حوار مباشر مع بغداد من أجل توثيق العلاقات الاقتصادية المشتركة، ولحث النظام العراقي على التعاون الكامل مع القرارات الدولية، فقامت بإيفاد وفد تجاري عالي المستوى إلى بغداد، واستقبلت نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان، ونائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز.

وفي اتجاه آخر تحركت أنقرة على محورين رئيسين، الأول: هو دعم تواجدها العسكري على الحدود مع العراق من أجل وأد أي محاولة كردية تستهدف تعزيز انفصال شمال العراق، متذرعة بأن هذا التواجد يستهدف إيواء اللاجئين العراقيين في مناطق عازلة داخل الأراضي العراقية، ولحماية حقوق تركمان العراق. والمحور الثاني هو استضافة اجتماع ممثلي المعارضة العراقية في مدينة سيلوبي جنوب شرق تركيا قرب الحدود مع العراق، بحضور وبتنسيق مع الإدارة الأمريكية، وذلك من أجل تقسيم الأدوار العسكرية في شمال العراق حال انطلاق العملية العسكرية ضد النظام العراقي.

والسؤال الذي يثور بعد هذا التحليل هو: إذا كان المسرح التركي حسم الاتجاهات التي تتجاذبه، واختزلها في الاتجاه الذي يحقق مصالحه، من خلال سعيه لصيغ توفيقية توفر له عدم الانعزال عن أطراف الأزمة، وتجعله في مأمن عن تداعياتها الجمة، فهل تنجح تركيا بالفعل في الحفاظ على توازنها، وهي تتبع إستراتيجيتها التي تشبه السير فوق الحبل أم تفقد توازنها فتصبح العواقب وخيمة؟!

اقرأ أيضًا:


** باحث في الشؤون السياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع