|
رغم
أن دول آسيا الوسطى فور استقلالها في
تسعينيات القرن العشرين سعت إلى اللحاق
بالمجتمع الدولي، وإرضائه بإظهار
الاهتمام بعملية الإصلاح الديمقراطي
وحقوق الإنسان؛ فإن الخوف من فَقد
موقع السلطة أدى بالنخب ذات الماضي
الشيوعي لإعادة النظر في هذه السياسة،
خاصة مع استعداد الغرب لتقديم المعونات
والخبرات اللازمة، دون الاهتمام بمسألة
التحول السياسي والاقتصادي فيها، مقابل
الحصول على الاستقرار في هذه المنطقة
المهمة، وعدم إعطاء أي فرصة لبروز قوى
مناوئة، مثل "الأصولية الإسلامية"،
مع ضمان مصالح الغرب في الاستثمارات
والاكتشافات البترولية. وبهذا شهدت
دول آسيا الوسطى ارتدادًا مبكرًا
لمحاولات الإصلاح.
"ارتدادات"
مبكرة
ففي
كازاخستان
تم حل البرلمان عام 1995، وطرحت مذكرة
لتمديد السلطة الرئاسية حتى سنة 2000،
واستبدل بالدستور دستور آخر أكثر
سلطوية وسلطة رئاسية مركزية، كما حُلت
أيضًا المحكمة الدستورية، وتم تبني
العديد من التشريعات والقوانين الجديدة
من أجل تحجيم الحريات المدنية، ووسائل
الإعلام الجماهيري؛ وانتهى الأمر
بانتخابات مزيفة عام 2000. وبعد أحداث 11
سبتمبر قام الرئيس الكازاخي نور سلطان
نزارباييف بهندسة تغييرات تشريعية تجعل
من الصعوبة على أحزاب المعارضة القيام
بحملات دعاية انتخابية، وفرض قيود على
وسائل الإعلام المستقلة.
وفي
أوزبكستان
قام الرئيس إسلام كريموف في يناير 2002
بإجراء استفتاء لتمديد فترة الرئاسة من
خمس إلى سبع سنوات. وتمثل الدور
الأمريكي والأوروبي في رفض إرسال
مراقبين، بسبب عدم وجود ضمانات كافية
لإجراء انتخابات حرة ونزيهة على حد قول
المتحدث باسم الخارجية الأمريكية
ريتشارد باوتشر. كما تخوفت منظمات حقوق
الإنسان من نتيجة التحالف الأوزبكي مع
الولايات المتحدة، باعتباره يمكن
كريموف من إسكات الانتقادات الموجهة
إليه، خاصة بعد زيادة حجم التعاون
العسكري بينهما منذ أكتوبر 2001، وغض
الولايات المتحدة الطرف عن الانتهاكات
الأوزبكية لحقوق الإنسان بعد أن كانت من
أكثر معارضيها.
ومما
يجذب النظر في الشأن الأوزبكي أن
أوزبكستان تقدم حالة للقياس عليها
بالنسبة لدول آسيا الوسطى. وفي هذا
الإطار جاء استحسان الرئيس القازاقي
نزارباييف للخطوات التي اتخذها إسلام
كريموف ضد النشاط الإسلامي "المتطرف"
في أوزبكستان، وتقليله من أهمية ما وصفه
"بالمزاعم" حول انتهاكات حقوق
الإنسان؛ وذلك خلال قمة قادة دول آسيا
الوسطى، مشيرًا إلى قيام الولايات
المتحدة وبريطانيا بتشديد قوانين
مناهضة الإرهاب كرد فعل على هجمات 11
سبتمبر. ومن جانب آخر فإنه –
وفي إطار تزايد سلطوية نظم آسيا الوسطى
بعد أحداث 11 سبتمبر- أصبحت بعض
التحليلات ترى في أوزبكستان ملمحًا
لأكثر دول المنطقة رغبة في القيام
بأعمال تحريرية، حيث قامت أوزبكستان في
مارس 2002 بالتسجيل الرسمي لمنظمة حقوق
الإنسان المستقلة…
ولكن يبقى كريموف بشكل عام معارضًا
للمشاركة السياسية.
أما
في
تركمنستان
فإنه عادة ما يتم وصف الأوضاع هناك
بأنها لم تتغير عما كانت في العهد
السوفيتي. وإن كان هناك تغيير فهو
للأسوأ،
حيث لا توجد حرية تعبير عن الرأي بشكل
عام. وعادة ما يُوصف
النظام
القائم
في تركمنستان بأنه أشد نظم آسيا الوسطى
ديكتاتورية، وأنه نظام عبادة الفرد،
حيث تتمحور الحياة حول الرئيس صابر مراد
نيازوف. ورغم أن تركمنستان تتمتع بثروات
طبيعية ضخمة، فإن
البلاد
تعيش
أوضاعًا
اقتصادية
واجتماعية متردية،
حتى إن معدل الدخل للفرد يبلغ
33 دولارًا في الشهر؛
وهو الأمر الذي يشكل بيئة خصبة لنمو
المعارضة.
بل
والأكثر من ذلك، فقد فرض الرئيس
التركماني بعد أحداث 11 سبتمبر قيودًا
على جميع مصادر المعلومات، وقطع
الإرسال التلفزيوني القادم من روسيا؛
وكذلك الاشتراكات في الصحف الروسية
التي تنتقد أسلوب الحكم في تركمنستان.
كما أغلق معظم مقاهي الإنترنت في
البلاد، وأصدر كتابًا يسمى "الروناما"،
تم إدراجه في مقررات وزارة التربية
والتعليم، والاقتصار على دراسته، هو
وبعض الرياضيات.
وفي
قرغيزستان
اتخذ الرئيس عسكر أكاييف إجراءات
مماثلة ضد المعارضة، حيث قام بحملة "إصلاحات"
دستورية خلال عام 2002 تهدف إلى زيادة
السلطات التنفيذية بشكل كبير. كما قامت
الحكومة في 9 سبتمبر 2002 بتقديم مشروع
قانون يقضي بمنع جميع أشكال الاحتجاج
السياسي المنظم لمدة ثلاثة شهور. وفي
حين تنتقد المعارضة الرئيس القرغيزي
لتحوله نحو الاتجاه السائد في المنطقة
لدى دول آسيا الوسطى الأخرى من سحق
المعارضة السياسية، وتقييد الإعلام،
والتلاعب في الانتخابات، فإن الحكومة
تبرر بعض الإجراءات المتخذة بدواعي
مواجهة المتطرفين، أي تيارات الإسلام
الحركي التي تتمركز في وادي فرغانة.
وقد
أعرب عدد من المسئولين الأمريكيين
وأعضاء في الكونجرس عن قلقهم من التراجع
الديمقراطي الذي تشهده قرغيزيا والضغوط
التي تتعرض لها المعارضة والصحافة
المستقلة. وقد تم الإعراب عن ذلك في جلسة
مفتوحة استضافتها مفوضية هلسنكى
-المكونة
من خمس دول أوروبية من أعضاء منظمة
الأمن والتعاون في أوروبا- في 12 ديسمبر
2001. وقد تم التأكيد خلال هذه الجلسة على
ما أصاب الإصلاحات الاقتصادية ومسيرة
الديمقراطية في البلاد من جمود في
السنوات الأخيرة، وذلك مقارنة بما كانت
عليه الأوضاع بعد الاستقلال، حيث
كانت قرغيزيا أكثر جمهوريات آسيا
الوسطى تقدمًا.
وفي
طاجيكستان
أعرب قادة حزب النهضة الإسلامي -الذي
يمثل جزءاً من الحياة السياسية في
البلاد بعد الحرب الأهلية في
التسعينيات، والحزب الإسلامي الوحيد
المعترف به في آسيا الوسطى- عن تخوفهم من
الأثر الممكن للحرب الأمريكية في
أفغانستان، من تهديد مساعيهم لدمج
الإسلاميين في الحياة السياسية.
كما
تشهد دول المنطقة عمومًا صراعًا متفاوت
الحدة بين الإسلاميين والحكومة؛ وهو
الأمر الذي تزايد في إطار الحملة
العسكرية الأمريكية، كما تزايدت
قدرة الحكومات على مواجهة المعارضة
خاصة الدينية بحرية أكبر.
العرب
شيء.. وآسيا شيء
في
ديسمبر 2001 اتهم اتحاد هلسنكى حكومات دول
آسيا الوسطى باستغلال الحرب ضد
الإرهاب، ذريعة لفرض المزيد من القيود
وملاحقة معارضيها، مؤكدًا أن دول آسيا
الوسطى لم تحقق أي تقدم باتجاه إحلال
الديمقراطية منذ استقلالها عن الاتحاد
السوفيتي، وذلك في الوقت نفسه الذي
تحدثت فيه صحيفة واشنطن بوست عن تحالف
أمريكا مع نظم دكتاتورية تسلطية؛ ولم
تربط الجريدة هذا التحالف الأمريكي مع
هذه الدول بطبيعة الحرب ضد الإرهاب فقط،
ولكنها اعتبرت أن هذا التحالف جاء منذ
استقلال دول آسيا الوسطى، حيث قامت
الولايات المتحدة بتقديم المساعدات
الاقتصادية والعسكرية لهذه النظم على
أمل التوصل إلى استغلال موارد بلادهم
الطبيعية من الطاقة وغيرها…
وحذرت من أن استمرار التجاوز الأمريكي
لانتهاكات هذه النظم للديمقراطية وحقوق
الإنسان لن يثمر على المدى الطويل؛ وأن
خبرة الحرب الباردة أثبتت -كما تقول
الصحيفة- أن الحليف الديمقراطي هو
الحليف الموثوق به.
وهذا
الأمر -وإن
أبرز شيئًا- فإنه يبرز طبيعة التعامل
الأمريكي المنطلق من حماية المصالح
الأمريكية وليس القيم الديمقراطية.
ولذلك فإن كل حالة في التعامل الأمريكي
مستقلة بذاتها؛ فالتعامل الأمريكي مع
دول آسيا الوسطى لا يرى في النظم
القائمة تهديدًا لمصالحه، في نفس الوقت
الذي تنطلق فيه دول آسيا الوسطى ذاتها
من رغبتها في حماية الاستقرار
والاستقلال، وبالتالي السعي لدعم الغرب
باعتباره الحليف الأجدر على تقديم
المساعدات والخبرات التكنولوجية. هذا
في حين أن الأمور تختلف بالنسبة للمنطقة
العربية لاختلاف المصالح الأمريكية
وتحالفها مع إسرائيل، وبالتالي تعارض
مصالحها مع الدول العربية في المنطقة.
المعارضة
أيضًا تزداد قوة!
ورغم
ما يحمله الحديث عن استغلال دول آسيا
الوسطى لعلاقتها بالولايات المتحدة،
فإن المراقبين لشؤون المنطقة يرون أن
انتهاء الحرب الأفغانية أمر من شأنه أن
يؤدي إلى زيادة التعاون بين دول آسيا
الوسطى-سواء دبلوماسيا أو تجاريا- بما
يقوي من فرص نجاحهم، ويقلل من عزلة
المنطقة عن الخارج، مع إتاحة المجال
لانفتاح أسواق آسيا الوسطى على الأسواق
الأوروبية والعالمية، وهو ما يمكن في
هذه الحالة أن يؤدي لتحولات بعيدة المدى
في طبيعة المشاركة السياسية والضغوط
الشعبية.
ومما
يدعم من هذه التوقعات طبيعة التظاهرات
الشعبية التي شهدتها دول آسيا الوسطى
خلال عام 2002. فكما استغلت السلطات في
آسيا الوسطى أوضاع ما بعد 11 سبتمبر
للضغط على المعارضة، فإن المعارضة
استغلتها في محاولة لإظهار مساوئ النظم
الحاكمة في هذه الدول، حيث سعت حركات
المعارضة إلى تنظيم صفوفها لتبرز
تحديات واضحة لحركات المعارضة في
تركمنستان وكازاخستان وقرغيزستان
بشكل واضح بعدها.
فقد
بذل قادة المعارضة التركمانية في
الخارج جهودًا لتنحية الرئيس صابر مراد
نيازوف عن الحكم، كما ظهرت في كازاخستان
حركة معارضة قوية في أوائل عام 2002 - وهي
الاختيار الديمقراطي الكازاخستاني-
واستمرت مظاهرات الاحتجاج في
قرغيزستان؛ وركزت المعارضة السياسية
القرغيزية -في برنامجها–
على إجبار الرئيس أكاييف على الاستقالة.
وبهذا.. فإن مسار التحول الديمقراطي
في آسيا الوسطى رهن بقدرة المعارضة على
تكتيل رأى عام دولي يؤمن بأن
الديمقراطية في دول المنطقة قادرة أكثر
من السلطوية على حماية الأمن
والاستقرار.
اقرأ
أيضًا:
**
باحثة في مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة
|