 |
|
جول وبشار.. بداية شهر عسل عربي - تركي |
من
عجائب الحالة التركية منذ فوز حزب
العدالة والتنمية (إسلامي) أن نسمع
أنباء غزيرة مصدرها وسائل الإعلام
التركية (العلمانية) تدور حول موافقة
تركيا على فتح قواعدها وحدودها لأمريكا
لتضرب منها العراق، وبالمقابل نفيٌ
تركي رسمي تام للقبول بالسير في ركاب
أمريكا حتى وصل الأمر برئيس الوزراء
التركي للقاء مندوبي وسائل الإعلام
التركية المختلفة ومناشدتهم الدقة فيما
يُنشر عن موقف تركيا من العراق!
بل
إن "يشار ياقيش" وزير خارجية تركيا
أعلن أن حكومة بلاده "غير مستعدة –على
عكس ما تشير إليه الصحف التركية- لنشر أو
مرور وحدات عسكرية أمريكية من تركيا..
كما أن الرأي العام التركي غير مستعد
لهذا أيضا"، وأضاف –في حديث خاص
لصحيفة "حريت" التركية 5 يناير 2003-:
"لن ندخل مع الولايات المتحدة يدا بيد
إلى منطقة شمال العراق".
ومن
هذه النقطة تحديدا يمكن فهم أحد أسباب
الجولة التي يقوم بها عبد الله جول رئيس
الوزراء التركي للمنطقة العربية حاليا
وتركيزه فيها على رفض الحرب ضد العراق
وحشد الجهود لوقف الحرب حتى إن الخطاب
الذي قاله في سورية ومصر والأردن يكاد
يكون واحدا ومفاده: "لا نريد الحرب..
لا نريد رؤية العراق مقسما".
ولا
شك أن الجولة التي يقوم بها جول تتميز من
هذه الزاوية بالعديد من المكاسب على
صعيد العلاقات العربية – التركية بعدما
وصلت في وقت من الأوقات (عام 1998) لحافة
الحرب بين تركيا وسورية على خلفية قضية
عبد الله أوجلان، ويمكن رصد بعض مكاسب
الطرفين كالتالي:
1-
تؤشر جولة (جول) لعلاقة مختلفة بين
الجانبين بدليل أنه افتتح زياراته
العربية بسوريا أكثر الدول العربية
خلافا مع تركيا، وحظي بحفاوة غير عادية،
وجرى الاتفاق على مشاريع تعاون، كما أنه
طلب انضمام تركيا للجامعة العربية بصفة
مراقب، مشددا على تطوير العلاقات مع
العرب "بشكل كامل"، والأهم أنه
امتنع عن زيارة إسرائيل ضمن جولته كما
سعى للتقليل من شأن مسألة المناورات
العسكرية بين تركيا وإسرائيل والولايات
المتحدة عندما سأله الصحفيون عنها.
2-
تأتي الزيارة في وقت أعلنت فيه غالبية
الدول العربية رفضها لضرب العراق أو
المساهمة في أي جهود أمريكية لإسقاط
الحكم، وإذا كانت غالبية الدول العربية
ركزت في مواقفها من الحرب على أنها (لا
حول لها ولا قوة) في مسألة الضربة وأنها
لا تستطيع منعها، فقد جاء الموقف التركي
القوي ليكمل حلقة الرفض بحلقة أكثر قوة
تقول إنه لا ينبغي الاستسلام لمنطق
الحرب. ولهذا قال جول محذرا: "إذا لم
تُبذل الجهود الضرورية فإن الحرب
ستندلع"؛ وهو ما يعني دورا أكبر
لتركيا في قيادة قاطرة الرفض العربية.
3-
أكدت الصحف التركية المعتدلة ("يني
شفق" و"ميللي غازتة" و"يني
آسيا" و"حرّيت") أن حكومة جول
تسعى لتكوين جبهة سلام مشتركة بينها
وبين مصر والأردن وسوريا والسعودية
وإيران لمواجهة سيناريو الحرب الذي
تعده الولايات المتحدة للمنطقة وهو ما
يعني تلاقي المصالح العربية والتركية
في عهد حكومة أردوغان بشكل أكبر؛ وهو ما
قد يعتبر محور ضغط على مصالح واشنطن
بالمنطقة.
4-
شدد جول على الخسائر الاقتصادية
والقومية التي ستترتب على ضرب العراق من
حيث صعوبة جبر الكسر الذي سينتج عن
تدمير وحدة العراق وأيضا صعوبة إعادة
الوضع في المنطقة إلى حالته الأولى في
حالة قيام الحرب بالنظر لتعدد قضايا
الإثنيات والعرقيات المختلفة في
المنطقة التي ستتصاعد مخاطرها مع
الحرب، بل اختار الدول العربية الكبرى
المهمومة بهذه المسألة التي تدرك مخاطر
التقسيم العرقي أو الطائفي ليطرح معها
هذه المخاوف.
5-
ضمن حالة التلبيس والوقيعة التي تقوم
بها أطراف إعلامية تركية متحالفة مع
الغرب ضد الحكومة الجديدة الإسلامية
نُشرت أنباء في صحف تركية على لسان
مصادر مجهولة تفيد بتخطيط تركيا لأخذ
نسبة من كعكة البترول العراقي تقدر بـ 10%،
ولكن صحيفة "ملليت" شددت على أن جول
يهدف من وراء جولته لنقل رسالة إلى
الرؤساء العرب، مفادها أن بلاده لا تضع
عيونها على بترول منطقتي "كركوك
والموصل" في تحركاتها ومساعيها
الخاصة بالأزمة العراقية، وهذه مسألة
هامة لأن وسائل الإعلام العلمانية روجت
لهذه المعلومة الخاطئة لضرب العلاقات
العربية -التركية.
استباق
تقرير المفتشين
ومن
الواضح أن هناك رغبة متزايدة من جانب
حزب العدالة التركي ذي التوجه الإسلامي
تحديدا في منع اندلاع الحرب في العراق،
فرغم أن هناك إجماعا تركيا على رفض
الحرب خوفا من انعكاساتها على مسألة
الأكراد المنتشرين في سوريا والعراق
وتركيا، يبقى أن الحرب معناها زيادة
نفوذ العسكريين الأتراك على حساب
الحكومة، وهو ما قد يضعها تحت وطأة يد
الجيش ويلغي الكثير من خططها للتحول
الديمقراطي بما يحد من نفوذ الجيش
وبالتالي القوى العلمانية التي تحتمي
به.
ولأن
تقرير المفتشين الدوليين سيجري تسليمه
يوم 27 يناير الجاري لمجلس الأمن بحيث
يحسم الموقف من العراق سلما أو حربا،
فقد سارع حزب العدالة للتحرك مع الأطراف
الأوروبية والعربية الرافضة للحرب وفي
هذا السياق ذهب أردوغان لأوروبا، وذهب
عبد الله جول إلى الدول العربية بهدف
حشد الجهود لمنع الحرب.
وعندما
بدأ جول جولته بسوريا قال بوضوح هذا
المعنى، حيث أكد أن "الهدف من الجولة
في المنطقة هو قلقنا من قضية العراق..
ولا بد من بذل ما في وسعنا لحل هذه
المشكلة بشكل سلمي". وأضاف أن "المفتشين
سيقدمون تقريرا لمجلس الأمن في 27 من هذا
الشهر، وإذا قالوا إن العراق تجاوب فإن
هذا سيجنبه الحرب".
بعبارة
أخرى يسعى حزب العدالة لاستباق تقرير
المفتشين والمماطلة في الرد على واشنطن
لاستخدام قواعدها في تركيا وفتح حدودها
رابطا الأمر كله بالشرعية الدولية
ومجلس الأمن.
ويبدو
أن الرئيس السوري الأسد تفهم هذا فأصدر
عن طريق المتحدث باسمه بيانا يؤكد فيه
أن "الشيء الأول المطلوب اليوم هو
استكمال أعمال المفتشين، والعودة إلى
الأمم المتحدة مع الأمل في أن تتضافر
جميع الجهود لإبعاد شبح الحروب
وويلاتها عن المنطقة، وتركيز الجهود
على أمن الشعوب واستقرارها وتحقيق
الازدهار لها وحل الصراعات القائمة على
أسس الشرعية الدولية وقرارات الأمم
المتحدة".
مخاطر
التقسيم
النقطة
الأخرى التي تصدرت جولة (جول) هي مخاطر
التقسيم وانتشار النفوذ الأمريكي في كل
المنطقة العربية أو ما يطلق عليه في
المفهوم الغربي مصطلح "الشرق الأوسط"
بما سيضر بالمصالح التركية والعربية
معا - وفقا لمفاهيم حزب العدالة كحزب
إصلاحي إسلامي-.
وقد
أعلن عبد الله جول - في تصريح لمحطة
التلفزيون اللبنانية L.B.C- أن جولته في
الشرق الأوسط تهدف إلى تنسيق مواقف دول
المنطقة لمحاولة تجنب الحرب ضد العراق،
مشددا على أن "الحرب لن تبقى ضمن حدود
العراق، وسوف نتأثر جميعا بها".
وقال
إثر لقائه الرئيس المصري حسني مبارك في
شرم الشيخ: "لا نريد رؤية العراق
مقسما" و"يتعين علينا جميعا أن
نعمل بشدة لتجنب الحرب"، وأضاف: "وحدة
العراق أمر مهم للغاية نتطلع إليه
بانتباه، لا نريد رؤية العراق مقسما".
كما
ذكر في سوريا أنه في حال إذا لم تؤد
الوسائل السلمية إلى نتيجة وفي حال
اندلاع حرب غير مرغوب فيها فإن "العواقب
السلبية لهذه الحرب سترتد على كل
المنطقة".
ترحيل
صدام مرفوض!
والأهم
أن النقطة الأكثر جدلا والتي جرى
تصويرها على أنها محور الزيارة للقاهرة
وهي مسألة السعي لإقناع صدام حسين
بالرحيل عن العراق وقبول عروض من دول
أخرى لاستضافته كلاجئي (روسيا البيضاء)،
تبين أيضا أنها فبركة وغير صحيحة رغم أن
وزير الخارجية التركي تحدث عنها!.
فقد
أجاب جول ردًّا على سؤال حول تصريحات
وزير الخارجية التركي يشار ياكيش من أن
حل مشكلة العراق سيتم عبر نفي صدام
حسين، وما إذا كانت تركيا تود استضافته
بقوله: "هذه التصريحات تعرضت لسوء فهم
غير أنه يتعين علينا التفكير في الكثير
من البدائل والأمور والاحتمالات لأن
الحرب ليست أمرا جيدا".
وحول شعوره الشخصي بالنسبة لاحتمال نفي
الرئيس العراقي، قال: "هذا ليس
مشروعنا في الواقع يجب أن تكون هناك سبل
أخرى غير النفي لوقف الحرب".
وبالطبع
لا يقبل المسئولون المصريون بدورهم
فكرة طرد صدام من بلده لأن الهدف واحد
وهو التدخل الخارجي في شئون دولة مستقلة
بما يعني الإبقاء على سابقة غير معهودة
في التاريخ الحديث قد تطبق على العديد
من الحكام الذين لا ترضى عنهم واشنطن.
سوريا
وتركيا.. وداعا للتوتر
ويجب
مع ذلك ألا يغفل نقطة إيجابية هامة من
وراء زيارة جول لسوريا، خصوصا أنها أول
زيارة بهذا المستوى من أزمة 1998، وأهمية
الزيارة أنها تعادل بشيء من التوازن
توجه العسكريين نحو مزيد من التعاون مع
إسرائيل، وتفتح آفاقا أوسع للتعاون بين
الطرفين بما يبعد شبح الحرب عن المنطقة.
وقد
عكس تصريح مصدر رسمي سوري عن نتائج
المباحثات بين الرئيس بشار الأسد ورئيس
الوزراء التركي هذا المعني، خصوصا تضرر
الدولتين نتيجة أي عمل عسكري ضد العراق
من زاوية الأكراد؛ حيث أكد أن "الجانبين
أكدا على أهمية وحدة الأراضي العراقية
وواجب دول المنطقة في العمل المشترك
والتنسيق لدرء أخطار ما قد يحيط
بالمنطقة خاصة أن شعوبها هي التي ستعاني
من نتائج ما قد يحدث لأي بلد من بلدانها".
وربما
لهذا جرى الاتفاق على تفعيل اللقاءات في
زيارة مقبلة لوزير الخارجية السوري
فاروق الشرع إلى أنقرة.
وإذا
ما قورنت نتائج الزيارة بالوضع السائد
عام 1998 عندما هددت أنقرة بشن هجوم عسكري
على سوريا عقب منحها حق اللجوء إلى زعيم
حزب العمال الكردستاني عبد الله
أوجلان، يمكن إدراك أهمية الزيارة وما
ستفتحه من آفاق تعاون بين الطرفين.
وقد
لوحظ هنا أن الصحف التركية قد أشارت -على
عكس أجواء الزيارة - إلى أن الرئيس الأسد
أكد أنه إذا كانت هناك أخطاء في الماضي
فيجب نسيان ذلك والنظر إلى المستقبل،
وقالت الصحف إن جول أكد ضرورة عدم تغيير
حدود المنطقة لأنه إذا فتحت العلبة
السحرية وتجزأ العراق فإنه لن يمكن بعد
ذلك إعادة هذه الأجزاء إلى العلبة مرة
أخرى، مشيرة إلى أن الرئيس السوري أكد
أن الولايات المتحدة لم تتصرف بحكمة،
ولم تكن سياستها منسجمة إزاء موضوع
العراق محذرا من أن هذه السياسة ستؤدي
إلى دخول المنطقة في مرحلة فوضى.
وإذا
ما ربطنا هذا التطور الهام في العلاقات
السورية التركية بإعلان الأمين العام
لجامعة الدول العربية عمرو موسى في ختام
لقائه مع رئيس الوزراء التركي عبد الله
غول أن تركيا قد تنضم إلى الجامعة
العربية بصفة مراقب، وتأكيد جول من جهته
أن الحكومة التركية "قررت تطوير
علاقاتها مع الدول العربية بشكل كامل"،
وأن "القضية الفلسطينية هي أساس
القضايا في المنطقة وأن حلها سيؤدي إلى
حل بقية القضايا"، فإنه يمكن تصور
ملامح الموقف التركي الجديد الإيجابي
فيما يتعلق بالعلاقات مع العرب.
جولة
"جول" تصب بالتالي في خانة تحسين
العلاقات العربية التركية والتصدي
للمخططات الأمريكية في المنطقة، وبشكل
عام تعتبر الزيارة تقارب مصالح تركية مع
الدول العربية واستقواء عربي بالموقف
التركي.
تابع
في هذا الملف
ــــــــــ
**
محلل
الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين.
نت
|