 |
|
إصلاحيون متعاطفون مع
أغاجاري
|
تشهد
الساحة السياسية الإيرانية حاليا مرحلة
جديدة في مسلسل الصراع القائم بين
المعتدلين والمحافظين، تفجر هذه المرة
على خلفية قضية التعديلات الدستورية،
حيث كان المعتدلون قد قاموا بتقديم
لائحتين إلى مجلس الشورى (البرلمان) في 26
سبتمبر 2002؛ الأولى متعلقة بالصلاحيات
المخولة لرئيس الجمهورية، والثانية
خاصة بتعديل النظام الانتخابي؛ الأمر
الذي اعتبره المحافظون محاولة من قبل
المعتدلين لنزع سلطاتهم الواسعة التي
يتمتعون بها من خلال سيطرتهم على
المؤسسات القابضة على النظام السياسي.
مضمون
التعديلات
تتمحور
هذه التعديلات حول منح صلاحيات حقيقية
للرئيس؛ لأن المخول له حاليا من سلطات -كما
يرى المعتدلون- غير كاف لتنفيذ المشروع
الإصلاحي، على عكس ما كان عليه الحال
قبل عملية تنقيح الدستور، حيث كان رئيس
الجمهورية يتولى وفقا لنص المادتين 57 و113
تنظيم العلاقة بين السلطات، ما كان يعني
دورًا أقوى له، ولكن بعد عملية التنقيح
تلك والتصديق على لائحة مواد الفصل
الثاني من قانون تحديد صلاحيات رئيس
الجمهورية الإسلامية في 12-11-1995 أسند هذا
الأمر إلى المرشد الروحي للثورة، وهو ما
أدى إلى تركيز السلطات لصالح هذا الأخير
على حساب سلطات الرئيس.
وبالرغم
من أن المادتين 113 و60 تنصان على أن يخول
رئيس الجمهورية منصب الرجل الثاني في
الدولة فيما عدا الأمور المتصلة مباشرة
بالمرشد، ويتولى -بدون قيد- مسئولية
تنفيذ الدستور، وفي القسم الرئاسي الذي
يؤديه الرئيس وفقا للمادة 121 يلزم
الرئيس نفسه شرعا وقانونا بأداء هذه
المسئولية خاصة ما يتعلق منها بالحرية
وحرمة الأشخاص والحقوق التي يكفلها
الدستور للأمة، فإن الدستور لم يحدد
ضمانات معينة لكي يستطيع رئيس
الجمهورية تنفيذ ذلك.
ويطالب
المعتدلون في اللائحة الخاصة بتعديل
صلاحيات رئيس الجمهورية بوجوب أن يكون
من حق رئيس الجمهورية تكوين لجنة
للمتابعة من المختصين القانونيين
مهمتها تحديد الخروقات التي قد تحدث
بالدستور، وأن يكون على كل الجهات
المعنية تقديم كل المعلومات التي
تحتاجها هذه اللجنة، وفي حالة حدوث خرق
معين للدستور يكون من حق الرئيس إيقاف
الإجراءات التي ترتبت على حدوثه حتى
يرفع الأمر للجهات الإدارية التي إن
تبين لها أن ظلما وقع على أي شخص وجب
معاقبة الذي تسبب في حدوث هذا الخرق.
ويطالب
المعتدلون أيضا بأن يكون بإمكان الرئيس
تقديم تقرير سنوي عن حالة تطبيق الدستور
إلى مجلس الشورى الذي عليه أن يناقش هذا
التقرير، ويكون من حق الرئيس كذلك
اللجوء إلى الشعب مباشرة ليطلعه على
الإجراءات المتخذة بشأن عدم تطبيق
الدستور أو نقضه.
أما
التعديل الذي يطالب به المعتدلون فيما
يتعلق بقانون الانتخاب فيدور حول منع
تدخل مجلس صيانة الدستور لإبعاد مرشحين
بعينهم للانتخابات المحلية أو البلدية
أو الرئاسية بحجة عدم صلاحيتهم. ومن
الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الدستور
الإيراني لا يعترف بهذه الصلاحية، إلا
أن مجلس صيانة الدستور الخاضع لهيمنة
المحافظين الشاملة، أعطى لنفسه هذه
الصلاحية، واستخدمها لمنع ترشيح المئات
من المعتدلين في الانتخابات البرلمانية
السابقة بذريعة أنهم لم يكونوا مؤمنين
بولاية الفقيه بصورة فعلية.
تفاعلات
الأزمة
تبلور
التفاعل السياسي حول هذه التعديلات في
اتجاهين أساسيين يعكسان واقع الاستقطاب
الذي يسيطر على الساحة السياسية
الإيرانية، وهما:
1-توجه
المعتدلين الذين دافعوا بشدة عن ضرورة
تلك التعديلات؛ لأنهم يرون أن هذه
التعديلات بالغة الأهمية لتنفيذ
المشروع الإصلاحي.
2-توجه
المحافظين الذي كان من الطبيعي أن يرفض
بشدة هذه التعديلات لكونها تؤدي إلى
إضعاف مكانتهم في النظام السياسي، ومن
هنا فقد شن المحافظون حملة شاملة ضد
الرئيس خاتمي والتيار المعتدل المتحالف
معه، حيث تلقى خاتمي تهديدات مباشرة من
أركان الجبهة المناهضة للإصلاحات، بأن
مصيره سيكون أسوأ من مصير أبو الحسن بني
صدر، أول رئيس للجمهورية بعد ثورة 1979
والذي عزله البرلمان بأمر الزعيم
الإيراني الراحل الخميني.
وفي
4 نوفمبر الجاري أصدر القضاء الذي يسيطر
عليه المحافظون حكمًا بتوقيف عباس عبدي
عضو المجلس السياسي لجبهة المشاركة
التي تمثل التكتل الأهم في المعسكر
الإصلاحي بتهمة التعاون مع الاستخبارات
الأمريكية.
وقد
انتقل الصراع بين الطرفين إلى مستوى
أعلى بعد أن أصدر القضاء حكما آخر
بالإعدام في السابع من نوفمبر الجاري
(2002) على هاشم أغاجاري رئيس قسم التاريخ
بجامعة إعداد المدرسين في طهران
والمفكر الإصلاحي المعروف الذي يلقب
بالشهيد الحي، تقديراً لسجله المتميز
في سنوات الحرب الإيرانية العراقية (1980 -
1988) التي خرج منها مبتور الساق. وكان
أغاجاري، وهو عضو مجلس قيادة منظمة
مجاهدي الثورة الإسلامية المؤيدة بقوة
للرئيس خاتمي، قد دعا في خطاب ألقاه في
الثامن من يونيو الماضي إلى "تجديد"
التشيع وعدم اتباع رجال الدين بشكل
أعمى، ما اعتبره المحافظون إساءة
للإسلام والنظام الحاكم، على الرغم من
أن أغاجاري كان قد عاد واعتذر عما قاله
لاحقاً.
وقد
جاء هذا الحكم كنوع من الضغط على
المعتدلين لدفعهم إلى العدول عن موضوع
اللائحتين، حيث إن محاكمة أغاجاري قد
تزامنت مع مناقشة مجلس الشورى الذي
يسيطر عليه المعتدلون (220 عضوا من أصل 270)
لهاتين اللائحتين، وبعد أن أقر المجلس
بيوم واحد اللائحة الخاصة بقضية
صلاحيات رئيس الجمهورية صدر هذا الحكم
الذي سبب أزمة حقيقية بعد المظاهرات
التي عمت الجامعات الإيرانية احتجاجًا
على الحكم، والتي تخللتها اشتباكات
بعضها كان عنيفاً في غير منطقة بين
الطلاب الإصلاحيين ورجال "البسيج"
(الأمن) وبين هؤلاء الطلاب وأمثالهم من
المحافظين، وذلك قبل أن يطلب المرشد
الروحي للثورة السيد آية الله علي
خامنئي في 16 نوفمبر الجاري من القضاء
إعادة النظر في الحكم، لينتهي بذلك أحد
توابع هذه الأزمة التي ما زال موضوعها
الأساسي قائما، متمثلا في التعديلات
الدستورية التي يطالب بها التيار
المعتدل.
مغزى
التوقيت
إثارة
المعتدلين لقضية التعديلات الدستورية
في هذا التوقيت بالذات بدت لافتة، بل
ومستغربة، حيث إن ثمة أخطاراً حقيقية
تهدد الأمن القومي الإيراني بفعل
التهديد الأمريكي بغزو العراق، ومن هنا
فقد كان من المتوقع أن تبتعد الساحة
الإيرانية عما من شأنه أن يهدد وحدتها،
مثلما كان حالها إبان الحرب الأمريكية
على أفغانستان.
ولكن
يبدو أن هناك عاملا هاما قد جعل
المعتدلين يقدمون على إثارة قضية
التعديلات الدستورية، وهم يعلمون أن
ذلك سوف يفجر معركة جديدة مع المحافظين،
ويتمثل هذا العامل في رغبتهم في الحفاظ
على التأييد الشعبي للمشروع الإصلاحي
خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات
البرلمانية والرئاسية، حيث ثمة مؤشرات
إلى ضعف هذا التأييد في ضوء تعثر هذا
المشروع.
وفي
هذا الإطار فقد نشرت صحيفة "نيمروز"
في عددها الصادر في 6 سبتمبر 2002 أن نحو 50%
من الشعب الإيراني قد يئس من الإصلاحات،
وأن المعتدلين يفقدون 1% من أنصارهم
شهريا.
ولذلك
فقد أراد المعتدلون -من خلال اللائحتين
اللتين قدموهما إلى مجلس الشورى- القيام
بمحاولة لتحقيق أحد هدفين:
أولهما
-في حالة نجاح تلك المحاولة- إعطاء فرصة
أخيرة لخاتمي وللمعتدلين عموما لتنفيذ
جزء من برنامجه الإصلاحي في ولايته
الثانية حتى لا يخرج صفر اليدين كحاله
في الولاية الأولى، وضمان الدفع بمرشح
إصلاحي قوي لخلافته.
وثانيهما
-في حالة فشل تلك المحاولة- يكون
المعتدلون قد صدروا مشكلة عجزهم للشارع
بغية كسب تأييده مرة أخرى؛ لأن غير ذلك
يحمل مخاطر إقصائهم عن الساحة السياسية
وصعود المحافظين مرة أخرى إلى السلطة.
ومن
ناحية أخرى فإن إقدام المعتدلين على
تفجير هذه المعركة الجديدة مع
المحافظين في هذا الوقت الذي يعلمون مدى
حساسيته، هو مؤشر إلى ضجرهم من حالة
حصار المحافظين الشديدة للمشروع
الإصلاحي، حيث كان المعتدلون قد طرحوا
دعوة للوفاق الوطني في أبريل 2002، ولكن
هذه الدعوة -رغم جديتها- لم تلق الصدى
الملائم من جانب المحافظين.
متطلبات
عاجلة
إذا
كان تدخل خامنئي قد أنهي جزءاً من
الأزمة بأمره القضاء إعادة الحكم على
أغاجاري، فإن الموضوع الأساسي لهذه
الأزمة المتمثل في التعديلات الدستورية
التي يطالب بها المعتدلون ما زال قائما،
بل مرشحا للتصاعد، فقد أقر مجلس الشورى
مشروع اللائحة الخاصة بالصلاحيات
الدستورية للرئيس، وسوف يقر المجلس
أيضا اللائحة الثانية الخاصة بالقانون
الانتخابي.
ومن
ثم سوف ترفع اللائحتان إلى مجلس صيانة
الدستور للتصديق عليهما، فإما أن
يقرهما هذا الأخير ليغادر قطار
الإصلاحات محطة الانتظار والجمود،
لينطلق المشروع الإصلاحي الذي يحظى
بتأييد الأغلبية الكاسحة من الشعب
الإيراني، أو أن يرفض المجلس اللائحتين.
ويبدو
أن الاحتمال الثاني هو الأقرب للتحقق
بحكم سيطرة التيار المحافظ على مجلس
صيانة الدستور، وهو ما سوف ينقل الصراع
بين المحافظين والمعتدلين إلى نقطة
أعلى على المنحنى، في إطار معركة تبدو
مفتوحة على جميع الاحتمالات بما فيها
تلك الأكثر خطورة على مستقبل النظام
السياسي.
وحتى
إذا ما انتهى الأمر بتجميد مؤقت لموضوع
الصراع فإن ذلك لا يخفي أن هناك أزمة
حقيقية تواجه النظام السياسي الإيراني
كامنة تحت السطح، وعلاجها لن يكون
بالقفز عليها لتستمر هذه الحلقة
المفرغة من الصراع المزمن بين
المحافظين والإصلاحيين.
وتنبع
هذه الأزمة من وجود فجوة آخذة في
الاتساع بين النظام والمجتمع سببها أن
المؤسسات المنتخبة (الرئيس والبرلمان
على وجه الخصوص) ليست لها سلطات حقيقية،
ما يعنى تهميش الإرادة الشعبية، وهذا ما
يؤدي في نهاية المطاف إلى احتمال تآكل
شرعية النظام.
ومن
ثم لا بد من الإقدام على مجموعة من
الإصلاحات الهادفة إلى الحفاظ على
شرعية النظام وقوته واستمراره. وهذا
يتطلب في المقام الأول تأكيد حيادية
السلطة القضائية واستقلالها، وجعلها
حكما أعلى بين السلطات، بما يعني تعديل
الوضع الدستوري الراهن لها؛ حيث إن
المادة 157 من الدستور تجعلها خاضعة
لإشراف المرشد.
وفي
السياق نفسه، مطلوب بالفعل إحداث تعديل
في النصوص الدستورية الخاصة بسلطات
الرئيس لتكريس وضعه كرجل ثان في النظام،
كما كان عليه الوضع قبل أن تتم عملية
تنقيح الدستور.
ومطلوب
كذلك إحداث تغيير القانون الانتخابي،
بما يتيح مجالاً أوسع للمنافسة
السياسية داخل الأطر التي يعمل وفقا لها
النظام السياسي.
اقرأ
أيضًا:
** نائب رئيس برنامج الدراسات الخليجية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- القاهرة.
|