بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


مركز بروكينجز للدراسات الإستراتيجية

أمريكا والعالم الإسلامي: علاقة متأزمة تنتظر الحسم!

28/11/2002

د. بي.دبليو.سينجر *

ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي**

الأقليات المسلمة.. بؤرة تحدٍ جديدة

ما زالت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 – وما تبعها من ردود أفعال مختلفة – ترمي "بظلالها المحيرة" على السياسة الخارجية الأمريكية؛ مثيرة عدداً من التحديات التي ستكون –في أغلب الظن– بؤرة اهتمام العلاقات الدولية في السنوات القادمة. تلك التحديات التي تتراوح من الحرب على الإرهاب إلى الدور الأمريكي في عملية السلام الشرق أوسطية، إلى "تصنيع" دبلوماسية أمريكية أكثر جذباً للعالم. وها نحن –للأسف– نجتمع بعد مضي عام كامل على الأحداث؛ لنخطط وندبر.. ولنخرج بالقرارات والسياسات التي نحتاجها لحل هذه التحديات.

وبالرغم من أن العام الماضي قد شهد تفوقاً واضحاً للآلة العسكرية الأمريكية في داخل الأراضي الأفغانية، فإنه شهد في نفس الوقت "تطوراً" سلبيًّا في العلاقات الأمريكية الإسلامية. والعالم الإسلامي هنا لا يقتصر فقط على الشرق الأوسط، وإنما يمتد إلى دول إسلامية أخرى –وكذلك حركات إسلامية– في إفريقيا، أوربا، الجمهوريات السوفيتية السابقة في وسط آسيا، جنوب آسيا، جنوب شرق آسيا وغيرها. وأكبر دليل على هذا "التطور السلبي" يتمثل في نتائج الاستطلاعات التي ظهرت في معظم الدول الإسلامية، والتي دللت على مدى البغض -الذي تشكل لدى المسلمين- تجاه الولايات المتحدة الأمريكية؛ هذا بالإضافة إلى التصاعد المستمر للعنف في منطقة الشرق الأوسط.

وفي قلب هذه التطورات المتدهورة، تطل علينا سلسلة من الإشكاليات dilemmas)) التي -من المفترض- أن تضاعف من تأزم علاقتنا مع المسلمين، سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الحركات. تلك الإشكاليات لا تنصب فقط فيما يتعلق بالمناطق والأقاليم -من الحرب على الإرهاب إلى حرب العراق المفترضة – بل تمتد وتتمدد إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى العلاقات بين العالمين على المدى البعيد. وإلى أن يأتي صانعو القرار بالإستراتيجيات الملائمة لحل تلك الإشكاليات، فإن الأخيرة ستظل عاملاً ضاغطاً ومهيمناً على العلاقات الأمريكية الإسلامية، ليس لعدة سنوات، وإنما لعدة أجيال قادمة

هذا التقرير لا يقدم أية حلول نهائية؛ وإنما يلقي الضوء على الإشكاليات الأولية التي تواجهها الإدارة الأمريكية في "سياستها الطويلة" تجاه العالم الإسلامي. باختصار إذا أرادت الإدارة الأمريكية أن تطور سياسة فعالة تجاه العالم الإسلامي، فعليها التوصل -وبسرعة– إلى "القرارات الصعبة" التي تحل تلك الإشكاليات.

فما هي هذه الإشكاليات؟

الديمقراطية: الكلمة الرهيبة

على امتداد عقود عديدة، تمحورت السياسة الأمريكية -حيال العالم الإسلامي- حول "مساومة" أساسية، تنص على الآتي: كلما كانت المصالح الإستراتيجية الأمريكية مستتبة ومستقرة (مثل احتواء الشيوعية، والتدفق المستقر للطاقة)، كانت الإدارة الأمريكية مؤيدة للوضع الراهن في العالم الإسلامي؛ ومن ثم، فلا تسعى إلى "إصلاحه" سياسيًّا أو اقتصاديًّا. وبالطبع تم بناء هذه "المساومة" على أساس أن حكومات العالم الإسلامي هي الفاعل المهم والوحيد؛ وأنها هي الأقدر -من خلال قدراتها السلطوية- على أداء دورها في تلك المساومة.

أما بعد أحداث سبتمبر 2001 فقد صارت "المساومة" محل جدل واضح وعنيف في أوساط صانعي القرار الأمريكي.. وصار السؤال الملح هو التالي: هل أنهت اعتداءات 11 سبتمبر تلك المساومة؟ والحق يقال بأن المصالح الإستراتيجية الأمريكية في العالم الإسلامي قد تغيرت تغيراً جذريًّا بفعل تلك الأحداث؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور تحديات جديدة، قام الإرهابيون بفرضها. هذا بالإضافة إلى اضمحلال قوة الحكومات الإسلامية، وهو ما جعلها أقل قدرة على أداء دورها في المساومة مع الإدارة الأمريكية. باختصار، لم تعد الحكومات الإسلامية هي الفاعل الوحيد، كما كانت من قبل.

إن الفشل المأساوي -الذي تعاني منه الحكومات في العالم الإسلامي– يقع في لب هذه الإشكالية. ففكرة "الحكومة الصحية" التي توفر الخدمات والاكتفاء الاقتصادي لشعبها تكاد أن تكون غير معروفة -أو شبه معدومة- في العالم الإسلامي الحالي. فالنموذج السائد حاليًّا، ليس إلا نموذجاً هشًّا محصوراً في المحاباة والنفاق.

لا غبار في أن معظم الدول الإسلامية تقع تحت أنظمة سلطوية من الدرجة الأولى. فبالرغم من أن العقود الأخيرة قد شهدت اتجاهاً عالميًّا نحو الحرية والديمقراطية، فإن العالم الإسلامي ما زال متأخراً عن الركب. فلا توجد دولة عربية واحدة -سواء في الشرق الأوسط أو في شمال إفريقيا- تطبق نظام الانتخابات الشعبية الحرة. الأمر الذي يترتب عليه ضياع حقوق الإنسان في العالم الإسلامي، مقارنة ببقية العالم. هذا إضافة إلى الفشل الاقتصادي الذي يهيمن على معظم الدول الإسلامية. فعبر الربع الأخير من القرن الماضي، ظل مستوى المعيشة –في أغلب البلدان الإسلامية– إما في تدهور مستمر أو في ثبات مستقر. باختصار شديد، فإنه من الصعب، بل من المستحيل، أن نجد مثلاً واحداً لأي دولة إسلامية يمكن أن تمثل نموذجاً سياسيًّا أو اقتصاديًّا ناجحاً.

هذه الأزمة السياسية/الاقتصادية في العالم الإسلامي خلفت ضغطاً داخليًّا على الحكومات؛ الأمر الذي مهد الفرصة للجماعات المتشددة (الراديكالية) بأن تستغل الظروف أسوأ استغلال.  وأكبر دليل على ذلك، ما واجهته الكثير من الدول من تحديات إرهابية، متمثلة في "القاعدة" و"الجهاد الإسلامي المصري".. تلك الجماعات التي أصرت على قلب الحكم. فما كان من رد فعل الحكومات إلا أن انتقلت بالمشكلة إلى الخارج؛ فقامت بنفي تلك الجماعات التي صوبت جام غضبها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية لكونها المفتاح الأساسي -كما تعتقد تلك الجماعات– لإبقاء الحكومات الإسلامية في الحكم.

إن فشل "الدولة" في العالم الإسلامي ساهم -بشكل كبير– في تدعيم شعور بالسخط العام تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. فالكثير من المسلمين يرون أن الإدارة الأمريكية تحافظ على الوضع الراهن "المخزي" الموجود حاليًّا في البلدان الإسلامية؛ وأنها تؤيد حالة "انعدام الكرامة" و"الذل" التي تشهدها الشعوب الإسلامية كل يوم نتيجة لتصرفات حكوماتها التي لا تتأخر عن استغلال سلطتها في جميع المجالات. والقضية الفلسطينية خير مثال على ذلك. باختصار، الإدارة الأمريكية يُنظر إليها على كونها الراعي للنظام الظالم؛ وممثلاً أساسيًّا لازدواج المعايير.

إن الشعور العام بالاغتراب في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى فقدان التقدم السياسي والاقتصادي قد ساهما في خلق وتمهيد المناخ الذي أفرز هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من ردود أفعال كثيرة في العالم الإسلامي. وحتى لو استطاعت الإدارة الأمريكية اللحاق بزعماء القاعدة والقبض عليهم، فإن العاملين –اللذين سبق وذكرناهما في أول الفقرة– سيزالان موجودين. ومن ثم يصير "الإصلاح" السياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي من أولويات الإستراتيجية الأمريكية. وهذا "الإصلاح" يمكن بالطبع أن يحقق أعظم المنافع للحكومات الإسلامية نفسها؛ خاصة إذا أرادت الأخيرة الاحتفاظ بنظامها... إن التحدي الذي يسيطر على أذهان صانعي القرار الأمريكي اليوم يتمثل حقيقة في كيفية كسر تلك الحلقة –التي يسير في فلكها السلطوية والفقر والإحباط والإرهاب– مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالمصالح الأمريكية.

إذا كان غياب الحرية والشفافية يمثل الجذر الأساسي للمشكلة، فإن "الدمقرطة" يمكن أن تكون الطريق الأوحد للمساهمة في التخلص من حالة الاغتراب التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية. إن "الدمقرطة" يمكن أن تساهم في إيجاد حلول لمشاكل كثيرة في العالم الإسلامي؛ منها: ضعف الحكومات النابع من الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة؛ العنف النابع من الصراعات الدائرة مع إسرائيل والهند وغيرها؛ تأييد المتطرفين من قبل العامة التي يتم استبعادها من المشاركة السياسية.

"الدمقرطة" ليست بالمهمة السهلة؛ فهي تستلزم جهوداً مكثفة من قبل الإدارة الأمريكية.. تستلزم وضع أجندة أمريكية جديدة تجاه العالم الإسلامي.. تستلزم "دوراناً للخلف"، وإعادة النظر في العقود الماضية للسياسة الأمريكية. فسياسة "الاستثناء" –التي كانت تطبقها الإدارة الأمريكية سابقاً حيال الحكومات الإسلامية المتحالفة- لن يكون لها مجال في السياسة الخارجية الأمريكية. وإنما سيجيء بدلاً منها سياسات أخرى، تحض على حقوق الإنسان، وتحض على مبادئ الشفافية والإصلاح. ليس هذا فقط، بل ستكون هذه السياسات شرطاً أساسيًّا لتقديم برامج المعونات الأمريكية.

والمعضلة في هذا الأمر –بالنسبة للإدارة الأمريكية– هي أنها في الوقت الذي ستقوم بالضغط فيه على تلك الحكومات الإسلامية، ستكون في أشد وفي أمس الحاجة إلى تلك الحكومات؛ إذ إن الأخيرة تعتبر فاعلاً أساسيًّا، تعتمد عليه واشنطن، في اقتلاع جذور الجماعات الإرهابية. ولنا في النظام السوري -الذي يعتبر بعيداً كل البعد عن النظام النيابي– خير مثال.

أما المعضلة الثانية، فتتمثل في كون عملية "الدمقرطة" عملية غير مضمونة. فالتاريخ يشهد على أنها عملية مؤلمة وبطيئة للغاية، فضلاً عن تضمنها مخاطر عديدة تهدد باندلاع أعمال عنف من جانب الجماعات المتطرفة. والسؤال أو الـ dilemma الذي يطرح نفسه هنا هو كالتالي: كيف تدفع الإدارة الأمريكية نحو "الدمقرطة"، بدون التعرض لمخاطر اندلاع العنف الذي يشنه الإسلاميون الراديكاليون؟  فمن خلال "الدمقرطة"، يمكن للإسلاميين الراديكاليين –وللجماعات المعارضة بوجه عام- أن ينفذوا من "ثغرة الحرية" ليستولوا على الحكم، كما حدث في الجزائر؛ الأمر الذي لا يصب نهائيًّا في المصلحة الأمريكية.

وأخيراً، تكمن المعضلة الثالثة في كيفية التعامل الأمريكي مع الأحزاب الإسلامية، التي ستتألق مع هبوب رياح "الدمقرطة". ومن المنطقي أن تبدأ الإدارة الأمريكية في تدشين علاقات جديدة وإيجابية مع هذه الأحزاب، راغبة من وراء ذلك "تحسين" و"تعديل" رؤيتها للولايات المتحدة الأمريكية.

والحق يُقال بأن التفوق العسكري الهائل لدى الولايات المتحدة  - الذي ظهر جليا في أفغانستان والذي سيظهر في العراق– لم يقابله، للأسف الشديد، تفوق مماثل في النطاق السياسي. فحتى الآن لم تستطع الإدارة الأمريكية بلورة خطة محكمة عن كيفية التعامل مع الواقع السياسي في الدول الإسلامية، وتعتبر أفغانستان مثلاً حيًّا لذلك.

خلاصة الأمر أن الإدارة الأمريكية ملزمة إلزاماً شديداً بإيجاد سبيل لتدعيم وتشجيع "الأصوات المعتدلة" التي تؤيد الإصلاح والتسامح؛ وذلك من خلال امتصاص كل مصادر الضيق التي تغذي ظهور الراديكاليين. والذكاء هنا أن يتم كل ذلك دون المساس بالمصالح الأمريكية في العالم الإسلامي.

إسرائيل وفلسطين وما وراءهما

كانت السياسة الأمريكية – وما زالت – تتعامل مع القضية الفلسطينية بمعزل عن علاقاتها مع بقية العالم الإسلامي. ولكن من الواضح أن هذه السياسة لن تستمر طويلاً؛ إذ إن ما يحدث الآن في الأراضي الفلسطينية –ويتصاعد بصورة مستمرة– سيكون له أسوأ الأثر على العلاقات الأمريكية الإسلامية. فالتأييد الأمريكي المستمر –سواء على الصعيد السياسي أو العسكري– لدولة مثل إسرائيل، أبرز الإدارة الأمريكية في صورة اللاعب المتحيز ذاتيا ضد الفلسطينيين، بل ضد المسلمين بصفة عامة؛ الأمر الذي أوجد شعوراً عامًّا بالعداء تجاه الولايات المتحدة. وهنا بالضبط تكمن الإشكالية؛ إذ كيف يستطيع صانعو السياسة الأمريكية الملاءمة –أو الموازنة– بين تحالف بلادهم مع إسرائيل، وبين الحفاظ في نفس الوقت على "صورة مشرقة" للولايات المتحدة في العالم الإسلامي؟

وفي لب هذا التحدي الذي يواجه الإدارة الأمريكية، تطل علينا ظاهرة جديدة وهي: تغير السياق السياسي في كثير من الدول الإسلامية. ويرتكز هذا التغير على تحول ديموغرافي واضح؛ يتمثل أساساً في "انتفاخ شبابي" أو "سيولة شبابية" عبر جميع المجتمعات الإسلامية. فالشباب الذكور باتوا يشكلون فئة متزايدة من سكان العالم الإسلامي؛ ومن ثم باتوا يشكلون مصدراً للقلق وعدم الاستقرار. وحاليا تكمن المخاطر في فشل الحكومات الإسلامية في استيعاب هذه الجماعة، ودمجها في الهياكل السياسية والاقتصادية. ولا ننسى طبعاً، أن هذا الجيل الجديد المتصاعد قد أتى في مرحلة اتسمت بالأسلمة المتزايدة؛ مما لم يسمح له بالمشاركة في التاريخ الطويل للعلاقات الوطيدة مع الولايات المتحدة. وتقوم –بالطبع- هذه "السيولة الشبابية" بإثارة العجز الحكومي الذي يزداد وضوحاً مع تصاعد أحداث العنف الإسرائيلي الفلسطيني.

ومما زاد الطين بلة، أن كلاً من الظاهرتين –تصاعد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والتحول الديموغرافي – ترعرعا في ظل تطور إعلام جديد في العالم الإسلامي. ففي كثير من الدول الإسلامية، ظهرت منافذ ووسائل جديدة للأخبار –سواء محلية أو عبر قومية– مستبدلة الاحتكار الحكومي لسوق الأخبار. وتعتبر قناة الجزيرة التليفزيونية – التي توفر أخباراً مباشرة من وجهة النظر العربية – ممثلة لهذا التطور الإعلامي.

إن التوسع الكبير - الذي شهدته مصادر المعلومات في العالم الإسلامي – يعتبر ظاهرة إيجابية خلفت مساحة كبرى للجدل والمناظرة والنقد. المشكلة هي –أنه في ظل التصاعد المستمر للعنف في فلسطين– رأت الكثير من القنوات والمنافذ الجديدة أن المبالغة في التقديم أعظم تأثيراً وربحاً من الصحافة المهنية التقليدية. ومن ثم، رأينا آليات التطور الإعلامي الأمريكي تنتقل بحذافيرها إلى الأسواق لإسلامية. فمثلاً، نلمس تزايداً ملحوظاً في برامج الحوار talkshows ، وتألقاً واضحاً لتلك النوعية من البرامج التي صارت متنفساً متعمداً لإخراج ألوان الضيق المختلفة تجاه الولايات المتحدة.

وصارت المحصلة -في النهاية– نشوء بيئة اجتماعية في منتهى الخطورة؛ تتألف من "سيولة شبابية" عارمة ومتزايدة، وحكومات ضعيفة، و"انفجار" للوسائل الإعلامية المختلفة، وأخيراً "تغذية" يومية لمشاهد الانتفاضة الدامية. وكل هذه المؤلفات تضافرت بعد ذلك لتنتج اتجاهاً مضادًّا للولايات المتحدة الأمريكية؛ كان له أثر كبير في تقييد حركة الأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة. كما كان له أثر في تشريع وتقنين أشكال معينة من الإرهاب، وظهور "الأسلمة" في الشارع العربي والإسلامي.

ومن ثم، تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة من قبل العديد من الإشكاليات المتباينة.. كيف تستطيع الإدارة الأمريكية تأييد إسرائيل ومعارضة استخدام العنف الإرهابي ضد المدنيين الإسرائيليين، بدون تسوية علاقاتها مع الحكومات الإسلامية التي تلعب دوراً حيويًّا في الحرب الأمريكية على القاعدة؟ كيف تؤيد تنامي الإعلام الحر المفتوح في العالم الإسلامي، وهي تعلم جيداً أن هذا الإعلام سيضر بجهودها فيما بعد؟ وأكبر دليل على وجود هذه الإشكالية الأخيرة، هو مطالبة الأنظمة العربية والإسلامية الآن بالتدخل في القنوات الإعلامية الجديدة، بعد أن كانت تشجع استقلاليتها عن التدخل الحكومي. وأخيراً كيف تستطيع الإدارة الأمريكية تأييد الأنظمة المسلمة المعتدلة التي تعمل لصالح السلام مع إسرائيل، بدون تعريضها للاتهامات التي ستوجه إليها بصدد إذعانها للمطالب الأمريكية؟

خلاصة الأمر أن تجديد عملية السلام ووضع نهاية للعنف الإسرائيلي الفلسطيني سيساهم في حل الكثير من المشاكل التي تعترض علاقة الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي. بالإضافة إلى تخفيف الحِمل على الأنظمة المحلية، وامتصاص شحنة الغضب المتوجهة ضد الولايات المتحدة عبر المنطقة. والسؤال المحير هنا، هو: كيف تستطيع الإدارة الأمريكية وضع قدمها على هذا الطريق، بدون التنازل عن الأهداف والمصالح الأخرى؟

تحدي "الإصلاح"

تحدٍ آخر يواجه السياسة الخارجية الأمريكية –كما يواجه المنظمات غير الحكومية الغربية– هو: كيفية تدعيم القوى الإسلامية المعتدلة، وقوى المجتمع المدني بشكل عام، في ظل حكومات وأنظمة مهددة بالانهيار، من قبل القوى الإسلامية الراديكالية؟

وتأتي أهمية تدشين مجتمع مدني في العالم الإسلامي، من كونها توفر بدائل حقيقية لكل من "الحكومة السلطوية" والجماعات "الراديكالية". فتشجيع هذا المجتمع يُعتبر خطوة أولى لإحداث التغيير والإصلاح. ولكن -بالرغم من ذلك– يظل التساؤل، حول مدى إمكانية تدعيم قوى المجتمع المدني في العالم الإسلامي، بدون التسبب في إحداث تدخل ضار أو غير مرغوب فيه؟

سؤال آخر يطل علينا، وهو: كيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تحدد مدى شرعية جماعات المجتمع المدني؛ أي تلك الجماعات التي ستستخدم المعونات الأمريكية لإنجاز ما يُطلب إنجازه؟ الموضوع لا يتعلق فقط بتوجس الإدارة الأمريكية من فساد تلك المعونات، أو سوء إدارتها من قبل الدول المتلقية؛ ولكن توجسها الحقيقي يكمن في "الأجندات" التي تضعها معظم قوى المجتمع المدني المعروفة في العالم الإسلامي؛ تلك "الأجندات" التي لا تتمشى دائماً مع ما يفضله الغرب ويحبذه. فمثلاً، توجد جماعات تركز أنشطتها على توفير الخدمات الصحية والغذائية للفقراء؛ ولكنها تضع عراقيل كثيرة فيما يخص حقوق المرأة؛ الأمر الذي يضايق المانحين الأمريكيين بشدة.

كيف تستطيع الولايات المتحدة عمل موازنة بين تدعيم المجتمعات المدنية والتدخل الأمريكي غير المرغوب فيه؟ كيف بإمكانها أن تدفع القوى المدنية نحو التغيير الإيجابي، بدون وضعها في قفص الاتهام بالعمالة للأمريكيين؟ باختصار إن الإدارة الأمريكية ملزمة بالابتعاد عن أي صورة تجعل الآخرين ينظرون إليها نظرة "المصحح للإسلام".

ويحتل الإصلاح التعليمي المرتبة الأولى من أولويات الإدارة الأمريكية تجاه قضية "الإصلاح". وقبل الخوض في هذا الأمر، يجب علينا الإعلان صراحة بأن التعليم في العالم الإسلامي بأسره يعاني من مشاكل جمة، جعلته بعيداً كل البعد عن المقاييس العالمية التعليمية. وكانت النتيجة أن ازدادت الضغوط على السيناريو الاقتصادي في العالم الإسلامي؛ الأمر الذي أدى إلى لجم الطموحات والآمال الاقتصادية، وكل هذا ارتبط بتدهور مستمر لفعاليات الحكومات والمجتمعات المدنية.

ونظام "المدارس" في باكستان خير مثال على هذا التدهور التعليمي. المشكلة في هذه "المدارس" –التي نشأت منذ قرون مضت– هي كونها أُسست أصلاً لتعليم العلماء والفقهاء المسلمين؛ وليس لتعليم عامة الشعب. ففي وقت ما كانت هذه المدارس تضم المئات من الطلاب؛ أما الآن فهي تضم عشرات الآلاف من الطلاب الذين يتلقون أدنى درجات التعليم، القائمة على الحفظ والتلقين، دون إعدادهم للتعامل مع العالم العصري المتحضر. وما زاد الطين بلة أن عددا من هذه "المدارس" مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجماعات مسلحة خطرة. ومن ثم، فإن النظام التعليمي السائد حاليًّا في باكستان، يعطي لنا إطلالة عامة عن الاقتصاد الباكستاني المتذبذب، وكذلك عن العنف الموجود في المنطقة

إن "المدارس" تشكل تحديًّا واضحاً للسياسة الأمريكية. فهي باختصار، تعرقل الجهود الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. فما تبنيه الإدارة الأمريكية بيد "للإصلاح"، تجيء المدارس لتهدمه باليد الأخرى. وبما أن موضوع المدارس يعتبر شأناً داخليًّا محضاً، يقع في نطاق الدولة الباكستانية ذات السيادة، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتدخل. فمن جهة، هي لا تستطيع أن تغلق هذه المدارس –خاصة أنها مدارس غير حكومية– ومن جهة أخرى، لا تستطيع أن تقيم مدارس بديلة خاضعة للقيم والمعايير الأمريكية.

إن التدعيم الأمريكي للمجتمع المدني في العالم الإسلامي يمكن أن يكون ذات نوايا حسنة؛ ولكنه في نفس الوقت يورط الإدارة الأمريكية في الوقوع في داخل جدالات ومناظرات إسلامية؛ وفي الاهتمامات الأساسية للمجتمعات الأخرى. ومن ثم، فالتحدي الأصلي الذي نواجهه هو: إقامة نظام معين للتأكد من أن عواقب معوناتنا هي عواقب إيجابية. وحتى يتم هذا، فعلى التدعيم الأمريكي أن يصاحبه "قسم المهنة" الذي يقوله الأطباء قبل امتهانهم مهنة الطب: أولاً، لا تلحق ضرراً بأحد.

الأقليات المسلمة

من سخريات القدر، أن المخاوف التي كانت تتأهب لها الإدارة الأمريكية –من الدول "المارقة" أو "محور الشر" – وتعمل لها ألف حساب، أن هذه المخاوف قد تطورت بشكل معين، فصارت تنبع من الدول الصديقة للولايات المتحدة بدلاً من الدول "المارقة". فالكثير من الدول الصديقة باتت تشكل خطراً لا يقل ضراوة عن الدول المارقة. ولم تعد السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط هي نفسها السياسة تجاه العالم الإسلامي؛ كما كان هو الأمر من قبل. باختصار إن الولايات المتحدة تواجه إشكالية في سياسة التوسع: كيف تستطيع أن تتعامل مع شئون المسلمين الذين لا يعيشون في الدول التي ينظر إليها تقليديًّا على كونها إسلامية؟

وفي خضم انشغال صانعي القرارات بالسياسة، يغفل عليهم –للأسف– أخذ إحصائيات مهمة في الاعتبار. فالعرب يشكلون أقل من خمس السكان المسلمين. وكما نعلم أن أكثر الدول اكتظاظاً بالمسلمين (إندونيسيا، باكستان، الهند، بنجلاديش)، لا تقع في نطاق الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من ثلث المسلمين يعيشون كأقليات في دول غير مسلمة (في الصين، فرنسا، الهند، الفليبين، الولايات المتحدة… إلخ). وفي الهند وحدها، يعيش حوالي 130 مليون مسلم؛ ومن ثم، فإذا كان الشرق الأوسط عامة، والدول المارقة خاصة، يمثلون أهمية لدينا ولدى قراراتنا، فإن هذا لا يشمل "القصة" كلها. فإذا أرادت الولايات المتحدة إقامة علاقات إيجابية مع العالم الإسلامي "الأوسع" فيجب عليها أن تتبع سياسات "أوسع"

لا شك، في أن الأقليات المسلمة باتت تمثل اليوم أعداداً مهولة، تتزايد حشودها عاماً بعد عام؛ كما هو الحال في البلقان وفي آسيا الوسطى. وقد تعاظم شأن هذه الأقليات بفعل العولمة، وبفعل الاهتمام المتزايد بمكانة الإسلام في النظام العالمي.

العولمة –التي أتاحت انفتاح الحدود على مصراعيها– أدخلت الأقليات المسلمة في لب العالم الإسلامي؛ بل أدخلتها في لب العالم كله. وكانت النتيجة أن صار ألم دولة واحدة يُسمع في باقي الأمة. فما تجابهه الأقليات المسلمة في الفليبين والبلقان وإقليم سينكيانج لم يعد معزولاً، بل أصبح في محور الصراعات. كما سهلت العولمة انتقال العنف من منطقة إلى منطقة، بمنتهى اليسر والسهولة. فحركة التنقل العالمي للمجاهدين القدماء من الحرب الأفغانية الروسية إلى الجزائر، إلى البوسنة، إلى الشيشان، إلى إندونيسيا، إلى الفليبين، إلى طاجكستان.. خير مثال على كيفية ظهور العنف عبر عدة مناطق، في نفس الوقت.

والخطير في هذا الأمر، أن الغرب نفسه صار حاوياً لتلك الأقليات المسلمة المؤيدة للعنف والراديكالية. وأكبر دليل على ذلك، يتمثل فيمن قاموا باعتداءات 11 سبتمبر، حيث إنهم جميعاً من العرب.. إلا أن منظماتهم تقع أساساً في العالم الغربي. فكثير من التخطيطات يُحتمل أن تكون قد تمت على يد أقليات مسلمة تعيش في هامبورج بألمانيا. وكذلك بالنسبة للقاعدة فليست كل خلاياها تتواجد في داخل الدول المارقة؛ بل يتواجد البعض الآخر في عدد من الدول غير المسلمة والحليفة للولايات المتحدة، مثل أسبانيا وإيطاليا؛ بل حتى في الولايات المتحدة نفسها. ومن ثم، تصير الولايات المتحدة ملزمة –هي وحلفاؤها– بمعرفة الأسباب الحقيقية التي لا تجعل فقط التطرف الإسلامي ينمو ويترعرع في المدارس الباكستانية؛ بل التي تجعله يترعرع أيضاً في مساجد بروكسل، وفي أزقة برمنجهام.

إن الدول الإسلامية ليست هي الجبهة الوحيدة لمواجهة الإرهاب. فالقاعدة نفسها صارت تتبع إستراتيجية معينة لتجنيد مسلمين لا يمكن الاشتباه فيهم، بغرض التمويه، مثل ريتشارد ريد "مفجر الحذاء" من بريطانيا؛ وجوزيه باديلا "المفجر القذر" من شيكاغو. ونتيجة لذلك –ورغماً عن النموذج الهوليودي الذي يجسد الإرهابي المسلم في صورة معينة– تصير صورة الإرهابي المعاصر غير مألوفة للإدراك التقليدي.

وتظهر مشكلة أو مصيبة أخرى تتعلق بوضع المسلمين في القارة الأوربية. فالوضع الراهن ينذر بزيادة مفرطة للمواليد المسلمين؛ بالإضافة إلى المهاجرين. إن تواجد الإسلام في أوربا سيتعاظم بطريقة مثيرة في ظل الجيل القادم. ففي فرنسا مثلاً، تصل نسبة المسلمين إلى 10% من السكان. وفي ألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، يشكل المسلمون نسبة مميزة ومتميزة. ولكن بالرغم من ذلك تفتقد هذه الجماعات التواصل الكافي مع ما حولها؛ ومن ثم تعاني من وطأة المشاكل، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية؛ مثل مشكلة التحيز والعنصرية.

وهنا يأتي التساؤل: هل سيعمل مسلمو أوربا على تقريب العلاقات بين الحكومات الأوربية والإدارة الأمريكية، أم على الإبعاد بينهما؟ وما هي السياسات والإستراتيجيات التي يجب أن تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه حلفائها الأوربيين التقليديين، إذا ما تحسن وضع الجماعات الإسلامية في داخل أوربا؟

النقطة المهمة في الموضوع، أنه في ظل العولمة التي نعيشها حاليًّا، تصير الولايات المتحدة مجبرة على توسيع رؤيتها.. فلا تقتصر جهودها على الدول المارقة، وإنما تشتمل على ما هو أكبر من منطقة الشرق الأوسط. فالعالم الإسلامي ليس الجبهة الوحيدة للإرهاب، وإنما تُضاف إليه الجماعات المهاجرة.

الحرب الباردة الجديدة

إن فكرة اتباع الإدارة الأمريكية لإستراتيجية موحدة وكبيرة كانت سائدة في فترة الحرب الباردة. ومع سقوط سور برلين في عام 1989 اندثرت هذه الفكرة وتلاشت تماماً. ولكن يبدو أنها في طريقها إلى العودة ثانية، فبعد أحداث 11 سبتمبر يتوقع الكثيرون بأن السياسة الخارجية الأمريكية ستعود إلى عهدها القديم.

لقد صارت "الحرب على الإرهاب" نسقاً معرفيًّا ينظر من خلاله صانعو السياسة الأمريكية إلى العالم. فربط الأجندة الأمريكية مع الخطر الإرهابي صار سبباً مقنعاً لتبرير عدد كبير من ممارسات السياسة الخارجية. ولا نستبعد أبداً أن تتحول القاعدة إلى "الخطر الأحمر" لهذا العصر.

وبالطبع، يتمثل الجزء الإيجابي في الموضوع أنه يعطي للإدارة الأمريكية "محورا" و"طاقة" كانت تفتقدها في فترة ما بعد الحرب الباردة. ولكن هذا لا ينفي وجود إشكالية من شأنها أن تعرقل تلك الإيجابية. وأصل الإشكالية تدور حول الآتي: كيف يمكن بناء نسق معرفي "للحرب على الإرهاب"، يساعد على توفير إطار إستراتيجي لتوجهاتنا، بدون التورط في الأعمال غير الضرورية؟

فمما لا شك فيه أن اتباع الإدارة الأمريكية للإستراتيجية "الموحدة" سيجعلها عرضة للاستغلال من جانب الكثير من الأنظمة. فمنذ اعتداءات 11 سبتمبر استطاعت العديد من الأنظمة أن تقنع الإدارة الأمريكية بإمدادها بمزيد من المساعدات العسكرية، بهدف مساعدتها على محاربة الأعداء والخصوم المحليين، بغض النظر عما إذا كانت تلك الخصوم مرتبطة بالقاعدة أم لا. والمثال الكلاسيكي لهذا، ما يحدث في نابال، حيث تدفع الإدارة الأمريكية –في الوقت الحالي– أكثر من 10% من الميزانية العسكرية التابعة للنظام النابالي. وهذا بالرغم من أن الأخير لا يحارب جماعة إسلامية راديكالية؛ وإنما يحارب جامعة ماوية متمردة.

صحيح أن تدخل الإدارة الأمريكية في كثير من الدول –خاصة ذات الحكومات الضعيفة التي لا تستطيع السيطرة على تنقل عدوى الإرهاب- يصل إلى الأمر الإلزامي، إلا أن مخاطر التدخل لا يجب أبداً تجاهلها. وأول هذه المخاطر اكتساب أعداء جدد للولايات المتحدة من قبل اللاعبين المحليين. وثانيها هي اتساع بقعة أو مساحة الحرب. وثالثها ازدياد اعتماد الأنظمة المحلية على المساعدات الأمريكية، وهو ما يقلل من شأن تلك الأنظمة في عيون شعوبها. وآخر هذه المخاطر هو تدعيم صورة "الإمبريالية الأمريكية الزاحفة" على العالم الإسلامي، الأمر الذي يتناقض تماماً مع الدبلوماسية الأمريكية.

تحدٍ آخر يظهر أمام الساسة الأمريكيين؛ وهو: هل سيتم التفريق بين الإرهاب وحركات التمرد؟ فقد توجد بعض الجماعات الإسلامية التي ليس لديها أدنى علاقة بالقاعدة، والتي لا تمتلك أي أجندة مناهضة للولايات الأمريكية؟ فهل تتم مساواة هذه الجماعات بالجماعات الأخرى المنتمية لفكر "القاعدة"؟

خلاصة الأمر لا بد من الرجوع إلى دروس الحرب الباردة، والنظر فيها بتمعن. وكما كانت الحرب الباردة حرباً بين فكرين مختلفين –الرأسمالي والشيوعي– فإن "الحرب على الإرهاب" هي أيضاً بمثابة حرب بين الأفكار. وهناك مقارنات بين التقارب الأمريكي الحالي وبين التقارب الأمريكي في أثناء الحرب الباردة. والذكاء هنا هو "إخراج" الإنجازات القديمة، وتحاشي الأخطاء الماضية.       

الخاتمة

بعد عام من اعتداءات 11 سبتمبر، تظل الإدارة الأمريكية أمامها مهمة في غاية الصعوبة، وهي: الوصول إلى قرارات ملحة ومعقدة لبلورة شكل التعامل مع العالم الإسلامي. وأولى خطوات هذه العملية هي تسمية وتحديد الإشكاليات التي تضر بسياستنا. لا بد من معرفة هذه الإشكاليات، والاعتراف بها من أجل التغلب عليها. وأعظم هذه الإشكاليات: الملاءمة والموازنة بين السعي وراء المصالح الأمريكية الملحة وبين السعي وراء تدعيم "الإصلاحات" التي يمكن أن تساعد على تقليل ظاهرة العنف المتطرف. وتزداد هذه الإشكالية صعوبة عند نشوء "العراك" بين ما هو صالح للأمن على المدى القريب، وبين ما هو ضروري للأمن على المدى البعيد... باختصار على الإدارة الأمريكية أن تواجه "ميراث" خيارات السياسات القديمة.

ومع الإدراك المتعاظم لتلك التحديات -التي ستواجهنا فيما بعد- لا بد من إيجاد "أجندة" للإجابة على هذه الإشكاليات. وهذا سيتطلب تحليلاً متعمقاً لمصالحنا وقدراتنا الأساسية. ومن ثم فعلينا التركيز على بلورة "النهاية" المثلى للسياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. بمعنى ما هي العلاقة التي تود الإدارة الأمريكية أن تنشئها مع الحكومات والحركات الإسلامية؟

إن تنمية هذه الأهداف الإستراتيجية لا بد من تنفيذها على المستويات العليا لمجلس الأمن القومي، وللهيئات التنفيذية المختصة (وزارة الخارجية، الدفاع، المخابرات) مع وضع إسهامات الأطراف المعنية الأخرى في الاعتبار؛ مثل الخبرات غير الحكومية. ويحتل "التوجيه الرئاسي للأمن القومي" NSPD الجهاز الأساسي في داخل الحكومة الأمريكية الذي سيخول له النتائج النهائية لهذه الأهداف.

ومع تحديد وتدشين الأهداف النهائية يستطيع صانعو القرار بلورة اقتراب أكثر تنظيماً، بهدف التيقن من المتطلبات التي قد تحتاجها الولايات المتحدة للوصول إلى "العلاقة المستهدفة" مع العالم الإسلامي. وهذه العملية من شأنها أن تخلق إجراءات واضحة بالنسبة لأهم موضوعات المنطقة؛ مثل المناخ العام المناهض للأمركة في دول معينة، و"المجتمع المدني"، ودرجات التعاون على مناهضة الأعمال الإرهابية.

أما إذا لم يُكتب النجاح لمثل هذا الاقتراب فيصير لزاماً على صانعي القرار أن يبدءوا –على الأقل– في إقامة مقياس لوزن الآثار المترتبة عن قراراتهم، والآثار على المدى البعيد وعلى المدى القريب، في أثناء مواجهة الإشكاليات السالف ذكرها. ولا ننسى –في خضم كل ذلك– أن نفسح الطريق للاعبين غير الحكوميين، ليدلوا بدلوهم في تحديد الأهداف النهائية، وتقييمها باستمرار بين حين وآخر.

إن درس 11 سبتمبر يملي علينا ألا نؤجل –بعد اليوم– اتخاذ القرارات الصعبة. إن "تراجيديا" سبتمبر منحت لنا تفويضاً لكي نغير في سياستنا الخارجية، ولكي ندشن علاقة إيجابية ومستمرة مع العالم الإسلامي. أما عن كيفية حلنا للإشكاليات المرتبطة ببناء هذه الإستراتيجية فإن هذه الكيفية لن تحدد فقط ما ستسفر عنه "الحرب على الإرهاب"، وإنما ستحدد أيضاً "تراث" هذه الحرب.

طالع:

اقرأ أيضًا:


* دكتور باحث في دراسات السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينجز، ومنسق لمشروع بروكينجز عن السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي.

** محررة بالقسم السياسي بإسلام أون لاين. نت

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع