|
حتمت المعطيات والتطورات الجديدة التي نجمت عن الممارسة الديمقراطية في نيجيريا أن يتعزز موقف المؤسسات التشريعية للنهوض بمهام حل جذور الإشكاليات المرتبطة بالأزمات السياسية المتفاقمة في إطار أوسع من مجرد الوساطات أو المحاولات للتصالح، خاصة بين الجناح التنفيذي للدولة والسلطة التشريعية (البرلمان بشقيه مجلسي النواب والشيوخ).
ومنذ بداية فترة حكومة الرئيس أوباسيجو في 19-5-1999 التي تنامى معها عدد من التفاعلات السياسية على الساحة الداخلية - خاصة ظاهرة التيارات السياسية ذات التوجه الإسلامي - التي بلغت ذروتها في إعلان عدد من الولايات النيجيرية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيها، توالت أصوات تنادي بضرورة عقد مؤتمر وطني للمراجعة الدستورية، (للدستور الذي تمت صياغته عام 1999) قبل عودة الحكم إلى المدنيين وتولي الرئيس أوباسيجو إدارة البلاد.
وقد سيطرت أجواء من المخاوف والقلق عند طرح فكرة مراجعة الدستور بسبب توقعات بأن تحدث تلك المراجعة فوضى وبلبلة كبيرتين لدى الشارع النيجيري لخوضها في قضايا أو فتحها ملفات بالغة الحساسية والسخونة قد ترجع عقارب الساعة الديمقراطية النيجيرية إلى الوراء، لا سيما أن نشطاء سياسيين من مختلف التنظيمات الوطنية والطائفية قد هددوا بأن أي محاولة من ذلك القبيل لن تكون في صالح الجميع.
انتصار تيار المراجعة
على أية حال ورغم ضغوط ومحاولات العرقلة، طرحت فكرة المراجعة مجددا في النصف الثاني من العام 2002، واستطاع التيار المؤيد للمراجعة -وغالبيتهم من أعضاء البرلمان النيجيري وعدد من رموز الأحزاب السياسية في البلاد- أن ينتصر على التيار المعارض في إدارة الرئيس أوباسيجو من ناحية، والقيادات التقليدية في مناطق الشمال من ناحية أخرى.
الصياغة النهائية التي قدمتها اللجنة المشكلة لعملية المراجعة إلى البرلمان في 25 أكتوبر 2002 للتصديق عليها، توجهت اهتماماتها وانصبت على الجوانب الخاصة برئاسة الدولة وما يتعلق بها من شروط وضوابط من خلال
ثلاثة مبادئ أساسية هي:
1- مبدأ المدة النظامية لرئاسة الدولة
2- مبدأ تداول منصب الرئاسة
3- مبدأ ترشيح نائبين للرئيس
تصبح المدة النظامية لرئاسة الدولة خمس سنوات بدلا من أربع، حسب النص الجديد في البند رقم (142) يظل الشخص الذي يتولى رئاسة الدولة على هذا المنصب حتى:
1- يؤدي من يخلفه اليمين الدستوري
2- أو يموت خلال الفترة المحددة لإدارته للدولة
3- أو عند استقالته من الرئاسة
4- أو في أي حال من الأحوال التي يتوقف هو فيها عن تحمل هذه المسؤولية
كل ذلك بشرط أن يكون توليه للرئاسة في حدود دورة واحدة مدتها خمس سنوات.
أقر مبدأ تداول منصب رئاسة الدولة في البند رقم (137) أنه يكون منصب رئاسة الدولة الفدرالية بتداول بين ستة أقاليم سياسية موضحة كالآتي:
1-
الجنوب الشرقي، ويضم كلا من ولايات أنابرا – إينوجو – إيبونيا – إيمو - أبيا.
2-
الشمال الشرقي، ويضم كلا من ولايات: إيدو – دلتا – ريفز – بايلسا - كروس ريفر - أكوالبون.
3-
الجنوب الغربي، ويضم: لاجوس – أوجون – أويو – أوسون – أوندو - إيكيتي.
4-
وسط الشمال، ويضم: كوارا – كوجي – بلاتو – ناصاراوا – بنيو - نيجر.
5- الشمال الشرقي، ويضم: بورنو – يوبي – بوشيي – جومب – طارابا - أدماوا.
6- الشمال الغربي، ويضم: سوكوتو – زمفرا – كادونا – كاستينا – كانو - جيجاوا.
مبدأ جديد أقرته المراجعة هو ضرورة ترشيح نائبين
للرئيس بشرط أن يكون الاثنان من الإقليم السياسي نفسه وفق التقسيم الموضح سابقا، وأنه لا يتم اعتبار صلاحية المرشح لمنصب الرئاسة إلا بهذا الشرط.
دلالات التعديلات المقترحة
هذه المراجعة وما توصلت إليه من تعديلات لم يتم التصديق عليها رسميا بعد، إلا أنها تحظى بتأييد أكثر من ثلثي أعضاء المجلس كما ينص الدستور النيجيري نفسه. وفي تقديري فإنه لا يمكن أن نقرأ فيها إلا تعميقا لمظاهر تجاذبات للصراع القبائلي داخل المجتمع السياسي النيجيري، لا سيما إذا عمدنا لتحليل الأبعاد ومدلولات نتائج تلك المراجعة، إذ سنجد:
1- تكريس البعد القبلي ورد الاعتبار لدوره على الساحة السياسية في البلاد.
2- إعادة الخريطة السياسية للدولة، وتقسيمها إلى ستة أقاليم بدلا من التقسيم الاستعماري القديم (الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي والإقليم الشرقي). ويعني هذا التطورالجديد الكثير والكثير لدى المراقبين للشؤون الداخلية لنيجيريا ومن ذلك:
- تفتيت بعض العناصر القبائلية الكبيرة في مناطق
الشمال وأجزاء من الجنوب ذات توجه ثقافي متقارب مثل تجزئة ولاية (كوارا) من الإقليم الجنوبي الغربي وضمها لوسط الشمال.
- نجاح الاتجاه اليساري في كسر أسطورة الكثافة العددية لادعاءات بعض القبائل خاصة قبائل الهوسا في مناطق الشمال.
- إفساح المجال للكيانات القبائلية الصغيرة للظهور على الساحة السياسية بعد غياب أو تغييب طويل استمر لمدة عقود.
- إظهار مدى الصراعات الداخلية والتنافسات الحامية بين القبائل الموجودة في نيجيريا على السلطة، وإبراز عجز القبائل الكبيرة المسيطرة في استيعاب العناصر القبائلية الصغيرة داخل مجتمعاتها.
3- عدم امتداد المراجعة الدستورية أو تطرقها لقضايا طائفية مثل تطبيق الشريعة الإسلامية -كما يريد البعض- يؤكد تعاظم البعد القبلي وإعطاءه دورا محوريا في إذكاء الأحداث والتطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد.
4- اشتراط ترشيح نائبين للرئيس، وكونهما من الإقليم السياسي نفسه، مؤشر قوي وجديد يتضمن اعتراف المشرعين النيجيريين -ولو ضمنيا- بتأثير الطابع القبلي على كثير من الأحداث السياسية، ولطمأنة أبناء القبائل والأقاليم التي ينتمي إليها الرئيس الحاكم بالاحتفاظ بدورهم في تولي أبنائها للسلطة في حالة احتقان الساحة السياسية أو تأزم الأوضاع والعلاقات مع الرئيس، كما هو الحال الآن في طلب البرلمان للرئيس أوباسيجو بالاستقالة أو القبول بالتوبيخ.
5- التركيز الشديد على القضايا الرئاسية دليل آخر على استدراك المشرعين النيجيريين لأصل المشكلات ومحاولة إيجاد طريقة أو آلية تكفل الأساليب السلمية التي تمكن الشعب -على مختلف أعراقه وقبائله- للوصول إلى الحكم بدون اللجوء للعنف.
خلاصة وتقويم
على أية حال فإن هذه المراجعة رغم اهتمامها الكبير بمسائل الرئاسة، وتجنبها لقضايا أخرى مهمة، فإنها استطاعت أن تكسر حاجز الصمت الذي يسيطر على القبائل الصغيرة بشأن حقوقها السياسية، إضافة إلى سحب أو إلغاء ما يعتبره أبناء بعض القبائل امتيازات خاصة بها. وفي الوقت الذي يعتبر البعض تلك النتائج انتصارا لهم ينظر كثير من المحللين والمراقبين على أنها لا تهدئ من المخاطر والأزمات إلا القليل وبمستويات ضئيلة.
اقرأ
أيضًا:
*
كاتب وصحفي نيجيري
|