 |
|
الجمهوريون يحتفلون بفوزهم
|
أسفرت
انتخابات الكونجرس عن إحكام سيطرة
الحزب الجمهوري على كل من الرئاسة
والكونجرس. فقد فاز الجمهوريون بأغلبية
مقاعد المجلسين، الأمر الذي سيطرح
بآثار عميقة على مجمل السياسة
الأمريكية داخليًا وخارجيًا. فمن
المتوقع أن تميل السياسة الأمريكية
بدرجة أكبر نحو اليمين - حتى بالمقارنة
بالعامين الأولين من حكم بوش - واللذين
سيطر عليهما الشيوخ، فشكل بذلك قيدًا
على أداء الجمهوريين في البيت الأبيض
ومجلس النواب.
ورغم
أن الحزب الديمقراطي قد فشل في الحصول
على الأغلبية في المجلسين، فإن
هزيمته في مجلس الشيوخ هي الأخطر.
بل إن أداء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ
- من مواقع الأقلية - سيظل هو العامل الذي
سيحدد مدى انحراف السياسة الأمريكية
نحو اليمين، في الداخل والخارج.
أما
فيما يتعلق بتأثير هزيمة الديمقراطيين
في مجلس الشيوخ، فلعل أهم وأخطر ما سوف
تسفر عنه في مجال السياسة الداخلية هو
تمكن الرئيس من التأثير على الطابع
الأيديولوجي للمؤسسة القضائية.
القضاء..
لعبة في يد بوش
فوفقًا
للدستور الأمريكي، فإن التعيين في أي
منصب قضائي فيدرالي إنما يتم أولاً عبر
الترشيح من جانب الرئيس الذي يخضع بعد
ذلك لموافقة مجلس الشيوخ؛ فإذا ما حصل
المرشح على تلك الموافقة بقي في منصبه
مدى الحياة ما لم يختر التقاعد بإرادته
الحرة. وعادة ما يختار الرئيس الأمريكي
مرشحين ينتميان لنفس التيار
الأيديولوجي، ومن ثم فإن سيطرة نفس
الحزب على الرئاسة ومجلس الشيوخ تعني أن
تلك الترشيحات ستحظى بموافقة شبه
مؤكدة، الأمر الذي يعني أن تؤثر ترشيحات
بوش على الأحكام القضائية في المحاكم
الفيدرالية لسنوات طويلة قادمة حتى بعد
خروجه من الحكم. معنى ذلك أن
الولايات المتحدة سوف تشهد تحولات
عميقة في السنوات -وربما
العقود القادمة - بشأن قضايا الحريات
والحقوق المدنية عمومًا.
بعبارة
أخرى، تظل ترشيحات الرئيس الأمريكي
للمناصب القضائية التي تتم الموافقة
عليها من جانب مجلس الشيوخ هي الأبعد
أثرًا من بين كل القرارات التي يتخذها
طوال مدة حكمه؛ لأنها في الواقع تشكل
اللون الأيديولوجي للمؤسسة الثالثة في
الحكومة الفيدرالية: المؤسسة القضائية.
ولعل المثال الأكثر تجسيدًا لهذا الأثر
هو حكم المحكمة الفيدرالية العليا في
قضية جور-بوش عشية انتخابات الرئاسة.
فقد صدر قرار المحكمة لصالح بوش بواقع 5 :
4 أصوات. وكان الخمسة الذين صوتوا لصالح
المرشح الجمهوري هم الذين عينهم رؤساء
جمهوريون، تركوا البيت الأبيض قبل
سنوات طويلة من صدور هذا الحكم.
ويتبع
ذلك - من حيث الأهمية - أن الرئيس بوش سوف
يحصل بموجب سيطرة الجمهوريين على مجلس
الشيوخ - على فرصة أفضل بكثير لتمرير
برنامجه الاقتصادي الذي يقوم على مزيد
من خفض الضرائب، بل تحويل الخفض الضريبي
الهائل الذي نجح في تمريره في 2001 إلى خفض
دائم. هذا فضلاً عن خصخصة برنامجي
الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية
لكبار السن، والنكوص عن كل إجراءات
حماية البيئة التي كان كلينتون قد
أرساها. ولا يقل خطورة من كل ذلك،
استمرار القصف المنظم للحقوق والحريات
المدنية الذي بدأه أشكروفت بعد أحداث
سبتمبر بدعوى حماية الأمن القومي
الأمريكي.
تأثر
السياسة الخارجية
أما
على صعيد السياسة الخارجية، فتظل هزيمة
الديمقراطيين في مجلس الشيوخ هي الأخطر
أيضًا.
صحيح أن مجلس النواب هو الذي يملك ما
يسمى "النفوذ المحفظة" أي صلاحيات
الاعتمادات والإنفاق، إلا أن مجلس
الشيوخ هو الشريك الأساسي في قرارات
السياسة الخارجية، بدءًا بالموافقة على
الترشيح للمناصب الدبلوماسية
المختلفة، ووصولاً للتصديق على
المعاهدات الدولية. هذا فضلاً عن أن
مرور مشروعات الإنفاق والضرائب
والاعتمادات يحتاج أيضًا إلى موافقة
مجلس الشيوخ حتى تصبح قانونًا.
ولكن
رغم ذلك، يظل بإمكان الديمقراطيين - رغم
احتلالهم مقاعد الأقلية - لعب دور مهم في
مجلس الشيوخ؛ لأن قواعد العمل في ذلك
المجلس تسمح في الواقع للأقلية - إذا ما
كانت متماسكة - أن تشل عمل المجلس إذا
أرادت. فعلى عكس مجلس النواب الذي تدار
كل أعماله وفق التصويت بالأغلبية
البسيطة، فإن الكثير من عمل مجلس الشيوخ
يمكن -بسبب قواعده- أن يصل إلى طريق
مسدود مما يتطلب إجراء التصويت بأغلبية
الثلثين. والحصول على أغلبية الثلثين
ليس مسألة سهلة في الكونجرس عمومًا؛ وفي
مجلس الشيوخ على وجه الخصوص؛ ذلك لأنه
لا يوجد في الولايات المتحدة ما يلزم
عضو الكونجرس بالتصويت لصالح حزبه.. ومن
ثم، فبإمكان الحزب الديمقراطي - إذا ما
اتحدت فصائله - أن يشل عمل المجلس، خاصة
أنه يملك من المقاعد ما يزيد عن الثلث؛
وهو ما يعني في كثير من الأحيان قتل
التشريع بالكامل؛ لأنه لا يمكن لمشروع
قانون أن يصبح قانوناً دون موافقة
المجلسين معًا.
الديمقراطيون
هم المحك
بعبارة
أخرى، سوف يتوقف الكثير في المرحلة
القادمة على فاعلية أداء الديمقراطيين
في مجلس الشيوخ؛ وهي مسألة سوف تكشف
عنها الأيام القادمة. فقد خاض الحزب
الديمقراطي الانتخابات التشريعية، وهو
يعاني من حالة انهيار، كان سببها
الرئيسي حسابات انتخابية قصيرة النظر
هدفت للفوز بأي ثمن؛ حتى لو كان التخلي
عن مواقف الحزب وقضاياه، خوفًا من
استعداد أي قطاع من الناخبين وذعرًا من
أن يستخدمها الرئيس وحزبه ضدهم؛ فكانت
النتيجة أن أدار الديمقراطيون حملة
انتخابية خلت تمامًا من القضايا التي
تهم الناخبين.
بعبارة
أخرى، خاض الحزب الديمقراطي الانتخابات
وفق إستراتيجية انتهازية بائسة أدت إلى
نتيجة أكثر بؤسًا. وهي النتيجة التي أدت
إلى مزيد من ضعف الحزب وانفراط عقده،
فأعلن زعيمه في مجلس النواب استقالته من
منصب الزعامة اعترافًا بالمسئولية عن
تلك النتيجة.
ومن
ثم يظل السؤال:
إلى أي مدى سوف ينجح الحزب الديمقراطي
في إعادة ترتيب أوراقه من الداخل حتى
يتمكن بسرعة من المواجهة، وتشكيل
معارضة فاعلة في الكونجرس عمومًا،
ومجلس الشيوخ على وجه الخصوص؟
اقرأ
أيضًا:
**
أستاذ مساعد العلوم السياسية - الجامعة
الأمريكية بالقاهرة
|