 |
|
على شارون أن يجهز نفسه لابتزاز الأحزاب المتطرفة |
لا
يختلف اثنان على أن مبادرة رئيس حزب
العمل ووزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين
بن أليعازر لافتعال الأزمة الائتلافية
حول مشروع الموازنة الإسرائيلية للعام
2003، وانسحابه هو وبقية وزراء الحزب من
حكومة شارون كانت من أجل تعزيز فرصه
بالفوز بالانتخابات التمهيدية التي
ستجرى داخل صفوف حزب العمل لاختيار زعيم
جديد للحزب.
فقد
أدرك بن أليعازر -وإن كان متأخرا- أنه لا
يمكنه الفوز بثقة أعضاء حزب العمل
مجددًا في حال إجراء الانتخابات
التمهيدية وهو عضو في الحكومة؛ إذ إن
الأغلبية الساحقة من منتسبي حزب العمل
يعارضون استمرار حزبهم في المشاركة في
الائتلاف الحاكم؛ حيث كانوا يعتبرون أن
ممثلي الحزب في الحكومة يقومون بدور
ثانوي جدًّا في رسم سياسات الدولة. يضاف
إلى ذلك أن استطلاعات الرأي التي أجريت
في صفوف منتسبي الحزب تبين أن الجنرال
عميرام متسناع رئيس بلدية حيفا المحتلة
سيتفوق عليه بفارق كبير.
افتعال
بن أليعازر الأزمة حول مشروع الموازنة
جاء بعد أن فشِلت مناوراته في إبراز
معارضته لبناء النقاط الاستيطانية التي
أقامها "زعران التلال"؛ إذ إنه على
الرغم من أن بن أليعازر سلم بإضفاء
الشرعية على 81 نقطة استيطانية جديدة،
فإنه فشل في تنفيذ تعليماته التي أصدرها
للجيش بصفته وزيرًا للدفاع لإزالة
الأربع والعشرين نقطة استيطانية التي
اعتبرت حسب منطق بن أليعازر غير
قانونية؛ إذ إن شارون -بصفته رئيسا
للوزراء- أصدر تعليماته لهيئة أركان
الجيش طالبا منها عدم التعامل بجدية مع
تعليمات بن أليعازر الذي ظهر مهانا أمام
قاعدته الحزبية، وأمام منافسيه الذين
لم يبخلوا في خلع الأوصاف المحتقرة
عليه؛ حتى إن قياديا مثل يوسي بيلين قال
متهكما: "إنني بعد أن تعرفت على بن
أليعازر جيدا أدركت حقيقة هامة، وهي أن
هناك علاقة عكسية بين حجم كرش الإنسان
وقدرته على الحسم".
بن
أليعازر يعي أن فشله في الانتخابات على
زعامة حزب العمل يعني نهاية مستقبله
السياسي؛ لذا وجد في افتعال الأزمة على
مشروع الميزانية للعام المقبل فرصته
الوحيدة لإظهار "مزايا قيادية"،
فبادر إلى إبلاغ شارون أنه لا يمكن
لممثلي حزب العمل في الائتلاف الحاكم
وفي البرلمان تأييد مشروع الميزانية في
حال عرضه على التصويت في الكنيست ما لم
يتم تقليص الميزانيات المخصصة
للمستوطنات، ومساواة هذه الميزانيات مع
الميزانيات المخصصة لـ"مدن التطوير"
التي يسكنها بشكل أساسي الشرقيون
والمهاجرون الجدد من روسيا، وعدم تقليص
مخصصات المتقاعدين والطلاب، باعتبار
هؤلاء جميعا الجمهور الانتخابي الأساسي
لحزب العمل.
شارون
كان يدرك أن بن أليعازر يبحث عن أي مبرر
لترك الائتلاف؛ لذا لم يحاول أن يثنيه
عن ذلك عبر تقديم تنازلات له بشأن
الميزانية؛ إذ إن شارون ليس بإمكانه
إغضاب المستوطنين الذين يعتبرون جزءًا
هامًا من جمهوره الانتخابي.
والأمر
الذي يبرهن بشكل لا يقبل التأويل أن
معارضة بن أليعازر للميزانية غير
موضوعية أنه شخصيا -وأمام اللجنة
التنفيذية لحزب العمل- أوصى بالتصويت
لصالح مشروع الميزانية. لذا فإن بن
أليعازر عندما افتعل الأزمة حول هذه
القضية بالذات فإنه لم يكسب احترام
الكثيرين من خصومه داخل الحزب.
لم
يكن هناك فرصة أمام بن أليعازر لافتعال
أزمة ائتلافية حول أي قضية باستثناء
القضايا الاقتصادية، فلا يمكن لحزب
العمل أن يفتعل أزمة على خلفية التعاطي
السياسي لحكومة شارون؛ لأن حزب العمل
الذي يتولى وزارة الخارجية هو المسؤول
عن تسويق سياسات شارون، كما أن بن
أليعازر ليس بإمكانه افتعال أزمة على
خلفية أمنية عسكرية، على اعتبار أن بن
أليعازر كوزير للدفاع في حكومة شارون قد
تولى تنفيذ سياسة القمع ضد الشعب
الفلسطيني، وكان يتباهى بذلك.
**
خيارات
شارون الصعبة
انسحاب
حزب العمل من الحكومة يعني تقليص قاعدة
التأييد البرلماني لحكومة شارون بشكل
كبير؛ فالحكومة حاليا تستند إلى تأييد 55
نائبا -من أصل 120- ينتمون إلى أحزاب
الليكود وشاس والمفدال ويسرائيل بعليا
ويهدوت هتوراة، وهذا يعني أن هناك حاجة
لتوسيع القاعدة البرلمانية للائتلاف
لكي يستطيع مواصلة الحكم حتى موعد
الانتخابات المقبلة في نوفمبر العام 2003؛
لذا فإن هناك خيارين أمام شارون:
أولا:
تشكيل حكومة يمينية ضيقة: حيث سيحاول
شارون ضم تجمع "الاتحاد الوطني"،
وهو يضم ثلاثة من أكثر الحركات اليمينية
تطرفا. وبالطبع سيحاول شارون ضم شخصيات
ذات توجه يميني من أجل كسب ثقة اليمين في
الانتخابات المقبلة، وأكثر شخص يحرص
على ضمه هو رئيس الأركان الأسبق الجنرال
المتطرف شاؤول موفاز الذي ينوي إسناد
حقيبة الدفاع إليه. ومن خلال تعيين
موفاز يحاول شارون اصطياد عصفورين بحجر
واحد؛ إذ إن موفاز يحظى بشعبية واسعة
داخل الليكود بسبب سجله الإرهابي ضد
أبناء الشعب الفلسطيني؛ لذا فإن وجود
شخص مثل موفاز إلى جانبه سيكون دعامة له
في الانتخابات المقبلة على زعامة حزب
الليكود. كما أن ضم موفاز يعني إبعاده عن
التحالف مع رئيس الوزراء الأسبق
بنيامين نتنياهو، وهو الذي سيتنافس
أمام شارون على زعامة الليكود.
لكن
شارون قام بمناورة ذكية؛ إذ إنه بمجرد
أن ترك وزراء حزب العمل الحكومة فإنه
توجه بشكل علني بنداء عاطفي لنتنياهو
طالبا منه الانضمام لحكومته كوزير
للخارجية، بحجة مساعدته في قيادة
الدولة في هذه الظروف الصعبة. هذا
النداء وضع نتنياهو أمام خيارين
أحلاهما مر، فإذا انضم لحكومة شارون
كوزير للخارجية فإنه سيكون من الصعب
عليه تبرير منافسته له في الانتخابات
الداخلية القادمة في الليكود، وفي حال
رفض دعوة شارون فإنه سيظهر كمن يرفض
الإسراع لخدمة الدولة. لذا فإن نتنياهو
يدرس كيفية التخلص من الورطة التي يحاول
شارون استدراجه إليها بأقل الخسائر.
ثانيا:
تقديم موعد الانتخابات: مع أن هناك
دلائل على أن شارون سيجد صعوبة كبيرة في
إقناع "الاتحاد الوطني" بالانضمام
لائتلافه، فإنه حتى لو نجح في هذه
المهمة فإنه لا خلاف على أن عمر هذه
الحكومة سيكون قصيرًا جدًّا؛ إذ إن زعيم
"الاتحاد الوطني" أفيغدور ليبرمان
يريد فرض شروط بالغة القسوة على شارون
من أجل الموافقة على الانضمام للحكومة.
فهو مثلا يريد أن تتضمن الخطوط العريضة
للحكومة نصا صريحا على بناء المستوطنات
بشكل حر ومطلق، فضلا عن القيام بعمليات
قمع بالغة القسوة ضد الفلسطينيين في
الضفة الغربية وقطاع غزة.
وحسب
ليبرمان فإن على جيش الاحتلال أن يقوم
بطرد سكان أي قرية فلسطينية يخرج منها
استشهادي أو مقاوم فلسطيني، إلى خارج
حدود فلسطين. إلى جانب ذلك فإن "الاتحاد
الوطني" يطالب بأن تقوم الحكومة
ببناء كنيس يهودي في إحدى باحات المسجد
الأقصى لكي يقوم اليهود بالصلاة فيه.
واضح
تماما أنه حتى لو تم التوافق حول ظروف
انضمام "الاتحاد الوطني" للحكومة،
فإن عقد هذا الائتلاف الهش سينفرط لا
محالة، حيث إن ليبرمان يريد إحراج شارون
مع الإدارة الأمريكية، مع أن شارون
يعتبر أن أهم إنجاز حققه منذ أن تولى
السلطة في إسرائيل كان التوصل للتفاهم
الإستراتيجي مع الرئيس بوش الذي أصبح
متبنيا للمواقف التي يطرحها شارون. لذا
فإنه لن يكون مفر أمام شارون سوى حل
البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في
غضون شهرين.
الأزمة
تمس بشارون وبمصالح إسرائيل
يعي
شارون أن وضعه الداخلي بعد الأزمة،
وكذلك وضع إسرائيل غاية في الصعوبة
والتعقيد. فعلى الصعيد الداخلي مثلت
حكومة "الوحدة الوطنية" بمشاركة
حزب العمل أهم الأسباب لالتفاف
الإسرائيليين حول شارون، ولولا تزعمه
لمثل هذه الحكومة لما كان شارون بالذات
هو أكثر رؤساء الوزراء شعبية في إسرائيل.
مشاركة
حزب العمل إلى جانب الأحزاب اليمينية
وفرت هامش مناورة كبير أمام شارون، فقد
استطاع تلقين حركة "شاس" درسا لا
تنساه عندما أقال وزراءها بعدما رفضوا
التعديلات على مشروع الميزانية قبل
أربعة أشهر، وعادوا للحكومة مذعنين.
وقد
استطاع شارون اتخاذ هذه الخطوة ضد شاس؛
لأنه يعي أن الحكومة لن تسقط في حال
انسحاب شاس بسبب وجود حزب العمل، لكن
الآن وبعد أن انسحب حزب العمل فإن
مستقبل حكومة شارون سيكون مرتبطا بموقف
أقل نواب الائتلاف شأنا، حتى إن حنان
كريستال أحد أبرز المعلقين الصهاينة
علق على الوضع الجديد قائلا: "من الآن
فصاعدا سيصبح كل زنديق في البرلمان ملكا
يلهث شارون خلفه".
وجود
حزب العمل واليمين في الائتلاف جعل
شارون يظهر بالنسبة لكثيرين من
الإسرائيليين في صورة القائد الحكيم
المتزن الذي بإمكانه أن يضع كل طرف من
أطراف الائتلاف في حجمه الطبيعي.
لكن
أكبر ضرر سيصيب شارون ودولة الاحتلال هو
سمعة هذه الدولة بعد انسحاب حزب العمل؛
إذ إن وزراء حزب العمل، لا سيما شمعون
بيريز، قد عملوا على تلميع صورة حكومة
شارون، بحيث إن وجود حزب العمل أخفى
بالنسبة لكثير من الأطراف في العالم
حقيقة وجود الأحزاب المتطرفة في هذا
الائتلاف. وقد بذل بيريز جهودا كبيرة في
تسويق مواقف شارون في أوروبا وأمريكا.
ويدرك شارون أن خروج حزب العمل من
الحكومة سيخلق أزمة ثقة بين إسرائيل
والعالم.
وإذا
كانت الإدارة الأمريكية قد تبنت مواقف
حكومة شارون عندما كان حزب العمل مشاركا
فيها، فإنه من الصعب على هذه الإدارة
ابتلاع مواقف أفيغدور ليبرمان الذي
يرشحه البعض كوزير للخارجية خلفا
لبيريز، مع العلم أن ليبرمان يرى أنه
يتوجب طرد الفلسطينيين إلى صحراء
سيناء، وكان قد دعا إلى قصف السد العالي
في أسوان بمصر، إلى جانب العديد من
المواقف بالغة التطرف.
تشكيل
حكومة ائتلافية ضيقة يعني أن الأوضاع
الاقتصادية ستتدهور بشكل أكبر،
فالأحزاب اليمينية المتطرفة ستصر على
تخصيص مزيد من الميزانيات للاستيطان
ولقمع المقاومة، وهذا يعني إضافة مزيد
من الأعباء على الاقتصاد الإسرائيلي
الذي يمر أصلا بأزمة خانقة لدرجة أن
العديد من شركات التصنيف الائتماني
العالمية تصر الآن على ضرورة تخفيض
ترتيب إسرائيل الائتماني؛ الأمر الذي
يعني إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة بها،
وفقدانها صفة الشريك التجاري للعديد من
الدول في العالم.
اقرأ
أيضًا:
*باحث
في الشؤون الإسرائيلية.
**
يذكر في هذا المجال أن حزب العمل قد شهد جدالا داخليا كبيرا في السنوات الماضية حول الرسالة التي يجب أن يحملها للجماهير الإسرائيلية وتكون أساسا لشرعيته، وكان هناك اتجاه قوي يدعو إلى تبني الراية الاجتماعية والدفاع عن الشرائح الضعيفة في المجتمع، بعد أن تراجعت مساحة الاختلاف بين العمل والليكود في كثير من القضايا وأهمها قضية تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي. ويعتبر شلومو بن عامي من أبرز قيادات العمل الداعية إلى هذا التوجه. ولهذا تعتبر القضايا الاقتصادية- الاجتماعية بالنسبة إلى الحزب مسألة حياة أو موت، وليس قضايا "السلام" كما يتصور الكثيرون. (المحرر).
|