 |
|
تركيا تستعد للانتخابات القادمة |
بقيت
العلمانية الحاكمة في تركيا واقفة على
أبواب القارة الأوربية منذ عشرات
السنين، تنتظر الإذن بالدخول دون جدوى.
ورغم بلوغ الطلب مستوى الاستجداء في
الآونة الأخيرة، فإن تركيا بقيت على
الأعتاب، بينما قرر الاتحاد
الأوربي أن يفتح أبوابه شرقا وجنوبا في
أكبر عملية توسعة من المفروض أن ترفع
عدد الدول الأعضاء في الاتحاد من 15 دولة
حاليا إلى 25 دولة عام 2004.
أوربا
والانتخابات التركية
كان
يفترض أن المسؤولين السياسيين
والعسكريين في تركيا قد أدركوا ضرورة
التخلي عن أمل الانضمام إلى الاتحاد
الأوربي في الوقت الحاضر على الأقل.
ويكفي لذلك التأمل الواقعي في حصيلة
الانهيار الاقتصادي والنقدي الكبير في
عهد الرئيس بولنت أجاويد، إذ لم يقوض
فقط القليل من الإصلاحات والمنجزات
التي سبق تحقيقها، لا سيما في فترة
الحكم القصيرة لرئيس الوزراء السابق
نجم الدين أربكان، إنما
زاد على ذلك أنه وسّع الهوة الاقتصادية
الفاصلة بين تركيا والدول الأوربية
بصورة خطيرة.
وبدلا
من النظرة الواقعية وتجنّب الحديث
المتكرر عن مسألة الانضمام إلى
الاتحاد، بدا في الأسابيع والأيام
الأخيرة التي سبقت انتخابات 3-11-2002 في
تركيا، أن هموم إعادة تشكيل الهياكل
السياسية والحزبية وترميم البنية
الاقتصادية، ليست أقل شأنا عند
الساسة الأتراك من همِّ الحصول على وعد
أوربي ما، بأي صيغة، لا سيما بعد
الإحساس في المعركة الانتخابية بوطأة
تجميد الطلب التركي من جهة، وفق توصيات
اللجنة الأوربية، إلى جانب تلبية طلب
قبرص (الجنوبية) من جهة أخرى في إطار
التوسعة الجديدة، وهذا رغم ما سبق من
تهديدات وتحذيرات صدرت عن أنقرة، ورغم
إظهار قدر كبير من الاستعداد لتسوية
النزاع بصورة ما، كما تشير المحادثات
الجارية بين الجانبين القبرصيين بوساطة
الأمم المتحدة.
والواقع
أن عمليات استطلاع الرأي في تركيا لا
تعطي الحزب الرئيسي المعارض للانضمام
إلى الاتحاد الأوربي -وهو حزب العمل
القومي (أو حزب الحركة القومية)- فرصة
كبيرة للفوز، مثل تلك التي تعطيها لحزب
العدالة والتنمية المتوقع أن يحصل على
ثلث أصوات الناخبين، ويحتل المرتبة
الأولى في المجلس النيابي الجديد.
ويرفض
زعيم الحزب أردوغان، المحظور عليه
ترشيح نفسه، أن يوصف حزبه بالإسلامي.
كما أنه يصرح بتأييد انضمام تركيا إلى
الاتحاد الأوربي، ولكن لا يبدو أن أحدًا
في تركيا أو أوربا يأخذ هذه المواقف
مأخذ الجد، إنما يسود الاعتقاد بأنها
مجرد مناورات.
وبالمقابل
أصبح تصعيد حملة النائب العام التركي ضد
الحزب وزعيمه، يساهم في زيادة فرص
نجاحه، لتزداد معها تكهنات
الأوربيين بأن الدعم العلني للأحزاب
العلمانية بات يؤدي إلى نقيض المقصود
منه. ولكن في الوقت نفسه أصبح
القرار الأوربي -برفض تحديد موعد
للمفاوضات حول الانضمام- يساهم في
انتشار مزيد من خيبة الأمل في صفوف
أنصار هذا الانضمام، وبالتالي يزداد
عزوفهم عن الأحزاب الساعية له، وهو ما
يعبر عنه وزير الخارجية التركي السابق
جوابا على سؤال ما إذا كانت الدول
الأوربية تعامل تركيا معاملة "غير
نزيهة" بقوله: "نعم، وهذا ما تستحقه
تركيا، فسلوكها تجاه الاتحاد الأوربي
لا يجلب الاحترام ولا التقدير، وهي
تقرع باب منزل لا يوجد فيه من يرحب بها،
هذا سلوك خاطئ، وما دامت تركيا متمسكة
به، سيستمر تعامل أوربا معها تعاملا لا
نزاهة فيه".
وفي
الآونة الأخيرة، وجدت الأحزاب
العلمانية التركية نفسها محشورة في
زوايا الضغوط الغربية، عبر الشروط
المشددة للحصول على قروض مالية جديدة،
وعبر إصرار واشنطن على شن حرب على
العراق تُعتبر تركيا في مقدمة
المتضررين منها، سيان كيف تكون نتائجها..
ثم عبر إعلان اللجنة الأوربية توصيتها
باستثناء تركيا (ورومانيا) من عملية
التوسعة الكبرى القادمة.
لقد
وصلت الأجواء الانتخابية في تركيا إلى
العواصم الأوربية، وشعرت هذه العواصم
بضرورة التجاوب بصورة ما مع الإلحاح
المتكرر مؤخرا من جانب المسؤولين
الأتراك. ولكن كما كان التجاوب الأمريكي
محدودا لم يتجاوز التصريح بأن واشنطن لم
تطلب من تركيا بعدُ شيئا محددا بشأن
الحرب ضد العراق، كذلك
كان التجاوب الأوربي محدودًا، إلى درجة
تثير التساؤل عن صدوره بهذه الصورة!
لقد
كان أقصى ما صدر عن ألمانيا ثم عن القمة
الأوربية (25-10-2002)، وبصورة غير رسمية، هو
التنويه عموما باحتمال الإعلان في
القمة الأوربية القادمة قبل نهاية 2002 عن
"موعد زمني"، لن يكون هو موعد
الشروع في مفاوضات ما، بل
سيكون "موعدا لتحديد موعد آخر"
يتقرر فيه.. متى سيكون "موعد بدء
التفاوض"!!
في
هذا الإطار يظهر من بين الأصوات العديدة
لمسؤولين سياسيين ومحللين إعلاميين،
التي تستبعد انضمام تركيا إلى الاتحاد
في أي يوم من الأيام، بعض الأصوات التي
تقدر أن
يكون الانضمام -إذا تحقق- بعد ما لا يقل
عن 10-15 عاما.
حجة
اقتصادية واهية
وتوجد
تكهنات وتحليلات عديدة حول أسباب بقاء
الأبواب الأوربية مغلقة في وجه تركيا،
معظمها يشير إلى انتمائها الإسلامي،
ومنها ما يشير إلى أنها دولة "كبرى"
إقليميا من حيث عدد السكان والطاقة
العسكرية عند مقارنتها بالدول الأعضاء
حاليا، وفي المستقبل في الاتحاد
الأوربي. ومقابل ذلك، يُطرح السؤال عن
سبب عدم اتخاذ موقف واضح ومباشر برفض
الانضمام من حيث الأساس، وهنا لا مجال
للتكهن.
فالدور
التركي المعروف في حلف شمال الأطلسي،
وازدياد أهمية ما يرتبط به تجاه الجوار
العربي والإيراني بصورة خاصة، يجعل حرص
الأوربيين -ومن ورائهم حرص الأمريكيين-
كبيرا، على ألا يصدر موقف يسبب مواجهة
أو قطيعة مع تركيا التي تلعب بالورقة
الأطلسية بحذر، كما كان عبر التهديد
المبطن بالحيلولة دون توسعة الأطلسي
شرقا، ثم التعامل مع القوات الأطلسية في
البلقان، ثم المفاوضات الأوربية -
الأطلسية بشأن استخدام المنشآت
الأطلسية في مهام عسكرية تنفرد بها
القوات الأوربية.
على
أن ما يُطرح علنا -في الحديث عن طلب
الانضمام التركي- يدور حول الوضع
الاقتصادي، ووضع "الديمقراطية وحقوق
الإنسان" في تركيا بالدرجة الأولى.
فالحجة
الرسمية الأولى المطروحة من جانب
الأوربيين هي الهوة الاقتصادية القائمة
منذ زمن بعيد والمتفاقمة مؤخرا،
ولكن رغم أهمية الجانب الاقتصادي تبدو
هذه الحجة واهية عند التأمل فيها. فقد
سبق أن انضم إلى الاتحاد الأوربي كثير
من الدول الأوربية الأخرى، كاليونان،
وأيرلندا، والبرتغال، وفق قرارات وضعت
في الحسبان وجود هوة اقتصادية من قبل
ينبغي ردمها، فتم "تقليصها" قبل
الانضمام، واستمرت الجهود في الاتجاه
نفسه من بعد، ومع ذلك لا تزال توجد
معدلات فروق كبيرة بين دول الاتحاد
الأوربي.
على
أن الأهم في نطاق المقارنة مع وضع
تركيا، أن كثيرا من الدول الشيوعية
سابقا في شرق أوربا، حصلت على معالم
واضحة لمخطط زمني عام لانضمامها إلى
الاتحاد، عندما كانت أوضاعها
الاقتصادية أسوأ مما عليه في تركيا
حاليا، رغم الانهيار الاقتصادي والنقدي
الأخير فيها.. فلم تمنع من ذلك "الهوة"
القائمة مع دول غرب أوربا، بل ساهمت
بنفسها في تقليصها، عن طريق
الاستثمارات المالية المكثفة،
والتسهيلات التجارية التدريجية،
والقروض السخية، والدعم بالخبرة
التقنية والإدارية، والتركيز على تنشيط
الصناعة المحلية وإصلاح أوضاعها. ولا
تزال الفوارق قائمة رغم ذلك، وهو الأمر
الذي يفرض على الاتحاد الأوربي قرار "تمويل"
السنوات الأولى من التوسعة القادمة
بمبالغ يزيد حجمها على 45 مليار يورو.
تركيا
لم تحصل على ما يشبه هذا الدعم المكثف من
جانب الأوربيين أو من الغرب عموما في أي
وقت من الأوقات، ولم ترفع الحواجز بينها
وبين الدول الأوربية. وكان من التبريرات
المعلنة لهذا الصدد تجنّب تدفق المزيد
من العمال الأتراك إلى غرب أوربا
لارتفاع البطالة في تركيا، على أن هذه
البطالة نفسها لم تدفع المسؤولين في دول
الاتحاد إلى ممارسة سياسية مماثلة تجاه
شرق أوربا، بتحصين الحدود ونصب الأسوار
حول سوق اليد العاملة.
بغض
النظر عما يمكن أن يتحقق فعلا من مصالح
لتركيا أو يقع من أضرار في حالة
الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ينبغي
ألا يكون السؤال المطروح: هل تركيا
بالفعل في وضع اقتصادي يمنع انضمامها
إلى الاتحاد الأوربي، وإنما
ينبغي التساؤل بهل الاتحاد الأوربي
نفسه راغب في أن يصل الوضع الاقتصادي
بتركيا إلى مستوى قريب من الأوضاع
الراهنة بغرب أوربا، لتسقط حجة الفارق
الاقتصادي كحاجز مانع دون فتح أبوابها
وفق رغبات الحكم العلماني القائم في
تركيا؟
معضلة
احترام "حقوق الإنسان"
كذلك،
فإن الحجة الرئيسية الثانية بشأن "الديمقراطية
وحقوق الإنسان" تحولت في هذه الأثناء
إلى معضلة تعترض طريق العلاقات بين
الأوربيين والأتراك، وتدور هذه الحجة
في الأصل حول محورين اثنين:
*المحور
الأول هو حقوق الإنسان: ويلاحظ هنا
أن جل الانتقادات والتقارير الدورية
والحملات السياسية والإعلامية من جانب
الدول الأوربية كانت تركز -لعدة عقود
مضت- على قضية الأكراد في تركيا. وبدأت
تتساقط المبررات المباشرة لذلك، لاسيما
بعد اعتقال عبد الله أوجلان وتخلي حزبه
عن استخدام العنف، ثم شروع السلطات
التركية في الانفتاح -ولو جزئيا وبحذر
شديد- تجاه حقيقة وجود "الهوية
الكردية" في البلاد. ففقد هذا المحور
جزءًا كبيرًا من مفعوله في العلاقات
الثنائية مع الأوربيين أيضا، ولم يعد
يظهر في التقارير الرسمية إلا في إطار
"التعميم" غالبا.
أما
من يحرص على التخصيص عبر الأمثلة عن وضع
حقوق الإنسان في تركيا، فلم
يعد يستطيع أن يتجاوز حقيقة أن انتهاك
حقوق الإنسان إنما تصيب حاليا التيار
الإسلامي وأنصاره في الدرجة الأولى، بل
واتسع نطاق ذلك ليشمل نسبة عالية من "العامة"
وليس من صفوف المشتغلين في الحقل الحزبي
والسياسي فقط.
وتشهد
على ذلك الإجراءات القمعية على صعيد
مكافحة الحجاب، وعلى صعيد المدارس
والمعاهد الخاصة والرسمية. وهذا ما
أصبحت تذكره بعض الجهات الأوربية من وقت
لآخر، وتسكت عنه جهات أخرى تماما، ولكن
لا يوجد بينها من يريد أن يبلغ الانتقاد
درجة تقديم دعم غير مقصود لصالح التيار
الإسلامي في تركيا على حساب التوجهات
العلمانية.. وهذا مما أفقد الموقف
الأوربي مصداقيته.
ويدرك
الأوربيون أن التركيز على حقوق الإنسان
-كشرط للانضمام إلى الاتحاد الأوربي-
أصبح يضع السلطات العلمانية في تركيا
أمام "مهمة مستحيلة".. فتطبيق
الحريات والحقوق بمعنى الكلمة يمكن أن
يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوط
العلمانية المعتمدة على القوة العسكرية
بالدرجة الأولى. وإذا سقطت بهذا
الطريق فسيعني ذلك أن تنفيذ "شرط
الانضمام إلى الاتحاد الأوربي" أسقط
في نهاية المطاف هدف الانضمام نفسه.
*
ويسري شبيه ذلك على المحور الثاني
في إطار اشتراط "الديمقراطية وحقوق
الإنسان". فهو ما يصيب صميم البنية
السياسية - العسكرية القائمة في تركيا،
والمتحكمة في الخارطة الحزبية وفي
الحياة السياسية اليومية.
والاتحاد
الأوربي -إذا كان على استعداد بالفعل
للقبول بانضمام تركيا إليه- لا يستطيع
لأسباب عديدة القبول بانضمامها مع بقاء
صناعة القرار السياسي في أيدي القيادات
العسكرية، مباشرة أو غير مباشرة.
على
أن الأوربيين يعلمون أيضا ما يعلمه
زعماء الأحزاب العلمانية التركية
أنفسهم من أن تلك القيادات العسكرية
الوصية على علمانية أتاتورك هي الضمانة
الوحيدة لاستمرار سيطرة العلمانية على
تركيا بما في ذلك جانب السعي لانتماء
أوربي.
وبالتالي،
فإن تحرير صناعة القرار السياسي من
الجيش يعني سقوط العلمانية نفسها آجلا
أو عاجلا؛ وآنذاك ستفقد مسألة الانضمام
أو عدم الانضمام إلى الاتحاد الأوربي
قيمتها على أرض الواقع في تحديد طبيعة
العلاقات التركية - الأوربية.
سيان
هل تصح مقولة "إن رفض تركيا في أوربا
قائم فقط لأنها دولة إسلامية بغالبية
سكانها"، أو لا تصح؛ فالنتيجة واحدة،
وهي أن
المعضلة الكبرى بين تركيا والاتحاد
الأوربي هي معضلة إخفاق 80 سنة من
العلمانية في أن تحل مكان الإسلام على
المستوى الشعبي ومستوى النخب الشعبية،
ومعضلة بقائها مجرد مبدأ مفروض عبر
القوة العسكرية في الدرجة الأولى.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب
ومفكر عربي مقيم بألمانيا.
|