بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


قمة الفرانكوفونية.. من الثقافي إلى السياسي

فرنسا والعالم العربي.. وفرة الإمكانات وندرة الوسائل

26/10/2002

وليد نور الدين **

الرئيس لحود يتوسط المجتمعين في قمة الفراكوفونية

منذ عدة سنوات قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك بزيارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبعد انتهاء زيارته الرسمية أراد التجول في شوارع القدس رغم أنف دولة الاحتلال الإسرائيلي، وعندما وصل شيراك إلى شوارع البلدة القديمة وأزقتها "مترجلاً"، اعترضه جنود الاحتلال وسط ذهول مرافقيه. ولم يطل مشهد الدهشة الدرامي الذي تحول إلى حالة من الاستنكار والشجب طويلاً، فقام عدد من هؤلاء الجنود بالتطاول على الرئيس الفرنسي وقاموا بدفعه بالأيدي، وهو ما اضطره للجوء إلى الكنيسة الفرنسية للتخلص من تدافع أفراد الجيش الإسرائيلي.

وحفاظًا على ماء الوجه واستكمالاً لفصول المسرحية الدرامية قدمت تل أبيب اعتذارًا رسميًا عما وصفته بالتصرفات الفردية لبعض الجنود، وإنقاذًا للموقف قبل الجانب الفرنسي على مضض هذا الاعتذار، إلا أن الإهانة التي وجهت إلى سيد الإليزيه كانت ولا تزال عالقة في أذهان الفرنسيين.

فمنذ وصول شيراك إلى الحكم وهو يحاول رسم ملامح دور فرنسي جديد في العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص، وساعده على ذلك الإرث التاريخي الناجح لسلفه فرانسوا ميتران الذي كان ينتمي إلى المعسكر الاشتراكي، إلا أنه يعتبر أكثر ديجولية من اليمينيين أنفسهم، فالرئيس ميتران هو صاحب فكرة تمحور أوروبي كبير يضع في الاعتبار المصلحة الأوروبية ويواجه أحادية الهيمنة الأمريكية التي تنبأ بها ميتران قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، وكانت النتيجة هي الشكل الحالي للاتحاد الأوروبي.

هذا الإرث ساعد شيراك على بعث الدور الفرنسي من جديد، خاصة أنه اكتشف أن النجاح الذي حققه ميتران ظل مقصورًا على شرق القارة الأوروبية وبعض دول أفريقية كانت مستعمرات فرنسية وما زالت مرتبطة اقتصاديًا وتاريخيًا بفرنسا، فحاول شيراك البحث عن دور فرنسي في "الشرق الأوسط"، إلا أنه اصطدم بحائط أمريكي منعه من تفعيل خططه الطموحة. فهذه المنطقة كانت وستظل مناطق نفوذ أمريكية غير مسموح بالاقتراب منها، إلا أن الإدارة الأمريكية- وعندما استشعرت خطرًا حقيقيًا من باريس - حاولت أن توجه عدة ضربات دبلوماسية تحت حزام الإليزيه، وبدأت بالجزائر، فعملت على تقليص النفوذ الفرنسي هناك، عن طريق الاستحواذ على عقود البحث والتنقيب عن النفط والغاز ومنحها للشركات الأمريكية، وهو الأمر الذي شكل خسارة فادحة للشركات الفرنسية التي كانت تحتكر هذه الصناعة لعقود طويلة ماضية.

أكثر من ذلك، فقد نجحت واشنطن في صب الزيت على رماد العلاقات الفرنسية الجزائرية المتوترة في الأصل، وظهر الرئيس بوتفليقة أكثر من مرة في عدة لقاءات متلفزة ليؤكد حتمية الارتكان إلى الحائط الأمريكي. بعدها لاحت في الأفق بوادر تنسيق بين الجزائر وواشنطن فيما يخص وقف عنف الجماعات الإسلامية المسلحة التي رفعت السلاح في وجه الدولة، وهو الدور الذي راوغت باريس الجزائر أكثر من مرة بصدده، بل وخرجت أقلام جزائرية تتهم فرنسا بلعب دور في أحداث العنف التي تشهدها الجزائر.

ولما كانت الجزائر مسرحًا للجولة الأولى بين باريس وواشنطن، كان طبيعيًا أن تقفز أفريقيا إلى واجهة الأحداث لتشكل جولة ثانية للصراع بين الطرفين، وتعكس ملامح إصرار أمريكي على حصار باريس وتقليم أظافرها، وتوجيه ضربة أخرى قاصمة للدبلوماسية الفرنسية في غرب أفريقيا، وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في القضاء على النفوذ الفرنسي في بعض الدول الأفريقية؛ تارة بتقديم مساعدات مالية مغرية، وأخرى عن طريق تغيير أنظمة الحكم هناك.

ويبدو أن باريس ارتضت الهزيمة وعدلت عن منازلة الولايات المتحدة، واقتصر الدور الفرنسي حاليًا على ما يطلق عليه دبلوماسيًا ممارسة العلاقات العامة فقط، وهو ما يعني تنظيم المؤتمرات واستقبال الوفود والإدلاء بالتصريحات الصحفية، ولا مانع من خروج كلمات الشجب والاستنكار من المسئولين الفرنسيين التي توجه ضد السياسة الأمريكية تجاه العراق مثلاً، بل ولا يوجد ما يمنع باريس من التهديد باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد أي مشروع قرار أمريكي يهدف إلى ضرب العراق… طالما أن الفريق الأمريكي في النهاية قادر على احتواء مظاهر الغضب الفرنسية ومنع تفعيلها في أي اتجاه مباشر.

وتأتي قمة الفرانكفونية التي اختتمت أعمالها مؤخرًا في بيروت لتؤكد إحياء الدور الفرنسي في دول حوض المتوسط والمشرق العربي، إذ لم يكن اختيار لبنان لعقد القمة مجرد مصادفة. فإلى جانب القاهرة ودمشق، تعد بيروت هي العاصمة الأولى لروافد الثقافة الفرنسية في الوطن العربي، وهو الملمح الأساسي الذي شكل الفكرة الرئيسية لإنشاء المنظمة الفرانكفونية؛ فانتشار اللغة الفرنسية والترويج لها هدف أساسي، وتكثيف جرعات الثقافة الفرنسية هدف أساسي، وتصدير أبجديات الحضارة الفرنسية هدف أساسي أيضًا. ومن هذه العناصر مجتمعة ولدت المنظمة الفرانكفونية لتحقق أهدافها.

غلبة السياسي على الثقافي

إلا أنه لوحظ هذه المرة أن المنظمة أرادت خلع عباءتها الثقافية واستبدال عباءة سياسية بها تبعًا لتطور الأحداث، وبجهد حثيث مدعوم دبلوماسيا ولوجستيًا من جانب الدولة الفرنسية. ومن الممكن رصد هذا التحول من خلال ثلاثة ملامح أساسية:

أولا: خطاب الرئيس شيراك إلى القمة، فمنذ انطلاق كلماته الأولى لوحظ أن الرئيس الفرنسي أراد توصيل رسالة ذات نكهة فرنسية إلى العالم، عندما تحدث عن رفض بلاده لاستخدام القوة ضد العراق، وقال في كلمته: إن العالم المتقدم يجب ألا يبحث عن استخدام القوة إلا كملاذ أخير، ويجب عدم السماح بها إلا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار من السلطات الدولية المختصة، لافتًا إلى الدور المحوري والهام لمجلس الأمن والمنظمة الدولية التي ينطلق من تحت عباءتها. وشدد على أهمية أن يسود منطق الشرعية وحتمية أن يكون هذا المنطق هو الملهم لمن بأيديهم مقاليد الأمور.

وبعيدًا عن التكهنات بشأن الموقف الحقيقي لفرنسا من مسألة ضرب العراق، ومدى قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة، أو الانصياع لها في النهاية مقابل صفقة ما، فإن خطاب شيراك في الجلسة الافتتاحية كشف عن أمرين:

1- هو أن الرجل أراد توقيع شهادة ميلاد للمنظمة الفرانكفونية تبدل طابعها الثقافي بطابع سياسي واضح.

2- أن هذه الدعوة تنطلق من لبنان وهو الدولة العربية التي أصرت على تحدي إسرائيل، وقامت بضخ مياه نهر الوزاني إلى قرى الجنوب قبل انعقاد القمة بيوم واحد. وهنا يفسر الصمت الفرنسي على أنه مباركة فرنسية للقرار اللبناني، وأبعد من ذلك فهو تأكيد على أن فرنسا ما زالت تستطيع تحريك ما تبقى لها من نفوذ في الشرق الأوسط.

ثانيا: الحضور اللافت للأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله للجلسة الافتتاحية للمؤتمر، الذي كان بمثابة القنبلة السياسية التي انفجرت وانتشرت شظاياها في شكل علامات الاستفهام التالية لتبحث عن تفسير: هل تلقى الشيخ دعوى من الحكومة اللبنانية للحضور؟ وهل تم ذلك بعلم الرئيس شيراك وقيادات المنظمة الفرانكفونية؟ وما الهدف الحقيقي وراء حضور "نصر الله" الجلسة الافتتاحية وأمام الصحفيين الأجانب؟

وقبل الإجابة على هذه الأسئلة من المهم الإشارة أولاً إلى أن الشيخ نصر الله كان قد هدد إسرائيل قبل أيام بسرعة الرد إذا ما حاولت قصف مضخات المياه التي تُستخدم لسحب مياه نهر الوزاني والتي تشرب منها قرى الجنوب اللبناني.

وفي حقيقة الأمر فإن لبنان هدف إلى تحقيق عدة مكاسب من وراء دعوة نصر الله، أهمها إظهار روح التحدي للإدارة الأمريكية التي ما زالت تعتبر حزب الله منظمة إرهابية من الواجب القضاء عليها، ذلك على الرغم من أن مصدرا مسئولا في السفارة الأمريكية في بيروت أكد أن حضور الشيخ حسن نصر الله للقمة الفرانكفونية شأن لبناني بحت، ولا يعني واشنطن في شيء، وأن الولايات المتحدة ما زالت تعتبر حزب الله حزبًا إرهابيًا.

أما بالنسبة إلى فرنسا، فمن الواضح أن باريس أرادت إصابة عصفورين بحجر واحد، الأول هو إضفاء الصبغة الرسمية على حضور الشيخ. فهو في مؤتمر رسمي يرعاه الرئيس الفرنسي شخصيًا بحضور خمسة وخمسين رئيسا أو ممثلا للدول الفرانكفونية في العالم، وهو الأمر الذي يزعج الولايات المتحدة ويربك خططها المستقبلية. والثاني توصيل رسالة إلى إسرائيل مفادها أن فرنسا ما زالت تملك بعض خيوط اللعبة ومن الممكن لباريس أن تقدم نفسها -على الأقل- كوسيط -إن لم يكن أكثر- في حال حدوث تطورات مستقبلية تعقب الجولة الثانية في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على ما تسميه الإرهاب، والتي من المحتمل أن تدور رحاها على الأراضي العراقية.

إذن فحضور الشيخ حسن نصر الله مقصود، ومن السذاجة اعتباره حدثًا عارضًا... حتى لو حاول الناطق الرسمي باسم القمة "شارل رزق" التخفيف من حدة المفاجأة واعتبار حضور الشيخ أمرًا عاديًا عندما قال: إن الشيخ كأي عالم دين من حقه حضور مثل هذه المؤتمرات إذا وجهت إليه الدعوة. أكثر من ذلك -وهو ما يؤكد أن الأمر لم يكن وليد اللحظة وأنه جاء بعد ترتيب مسبق- أن هناك أنباء ترددت عن أن الحكومة اللبنانية تلقت تحذيرات من دولة عربية ألمحت فيها أن حضور الشيخ نصر الله من شأنه أن يسبب حرجًا بالغًا للجميع، ويساهم في عرقلة الجهود المبذولة في دفع العملية السلمية، وهو ما يعني أن الإصرار اللبناني- الفرنسي سبق أي تكهنات. وأن قرار حضور الشيخ تم اتخاذه منذ زمن بعيد.

ثالثا: مشاركة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لأول مرة في القمة. فمن المعروف أن الجزائر ليست عضوًا في المنظمة الفرانكفونية على الرغم أنها من أكثر الدول تأثرًا بالثقافة الفرنسية، إلا أن الجزائريين تجرعوا هذه الثقافة جيدًا من صلف الاحتلال الفرنسي الذي استمر لأكثر من مائة وثلاثين عامًا. وقد سعت فرنسا منذ عدة أعوام إلى إقناع الحكومات الجزائرية المتعاقبة للمشاركة في المنظمة بصفة مراقب، إلا أن الطلب الفرنسي كان دائمًا يُقابل بالرفض.

وقد اعتبر المراقبون حضور بوتفليقة بمثابة مصالحة جزائرية- فرنسية قد تقطع الطريق على من يحاول تخريب هذه العلاقة. إلا أنه من الإنصاف عدم الإسراف في التفاؤل بحضور الرئيس الجزائري؛ لأن المشكلات القائمة بين الدولتين كبيرة ومتشعبة. صحيح أن باريس استبشرت خيرًا بوصول بوتفليقة للحكم، إلا أن جل اهتمامها من وراء حضوره هو التأكيد على الهوية السياسية التي أصبحت المنظمة الفرانكفونية تتمتع بها.

خلاصة وتقويم

وفي النهاية هل نجحت فرنسا في جني ثمار القمة الأخيرة لمنظمتها الفرانكفونية؟ وهل حققت أهدافها المرجوة؟ وهل سيساهم هذا النوع من التجمعات في إثراء الجانب السياسي على حساب الهدف الذي أنشئت من أجله؟ وهل نجحت فرنسا في اختراق أحادية القطب الأمريكي الذي يدير العالم؟

من الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة، إلا أنه من المهم تأكيد أمر واحد، وهو أن تاريخ العلاقات الفرنسية- الأمريكية سجل انتصارات عديدة لواشنطن على باريس ولم تحتفظ ذاكرته بأي نصر سياسي لفرنسا على الولايات المتحدة؛ فالدبلوماسية الفرنسية تملك الإمكانيات وتفتقد الوسائل.


**  باحث في العلاقات الفرنسية العربية


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع