بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أفكار حول "عسكرة" الانتفاضة

20/10/2002

د. محمد خالد الأزعر**

الصاروخ الفلسطيني "قسام-2".. رد ميداني على التصعيد الإسرائيلي

لا توجد صلة خطية مباشرة بين استخدام بعض قوى انتفاضة الأقصى للسلاح بما في ذلك العمليات الاستشهادية، وزيادة جريمة الإرهاب الإسرائيلي أو نقصانها بحق المنتفضين. قوات الجيش والشرطة الإسرائيلية خاضت في دماء أبناء الضفة وغزة والقدس قبل أن تتبلور معالم الانتفاضة، أو تشق طريقها بين أنماط النضال المدنية والعسكرية معًا.

من بدأ العنف؟

في اليوم الأول للانتفاضة أسقط الرصاص الإسرائيلي 7 شهداء في ساحة الأقصى، وفي اليومين الثاني والثالث سقط 13 شهيدًا وزهاء 1000 جريح ومصاب من فلسطينيي 48، بدون مراعاة أن الأخيرين يحملون الجنسية والمواطنة الإسرائيلية. وفي بعض المستشفيات تم تسجيل هذه الحالات الأخيرة تحت بند "مصابو العدو".. يومذاك لم يكن فلسطينيو 48 قد قاموا بتنظيم أية عملية استشهادية ضد إسرائيل!

وفي الشهادات الدولية المحايدة ثبت أن إسرائيل انتهجت "العنف المفرط" ضد المدنيين العزل، وطُلب إلى حكومتها أن تكف أذى قواتها عنهم منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة. وكان ذلك العنف أو الإرهاب المفرط دليلا على النوايا المبيتة بهدف إجبار الفلسطينيين، قيادة وشعبا على الاستسلام للإملاءات الإسرائيلية بعد تذكيرهم بتوازن القوى الذي يفترض ألا يجعلهم أندادًا لإسرائيل، لا في ميدان المواجهة ولا في لقاءات التفاوض.

لكن الذي حدث أن هذا العنف ولَّد ردَّ فعل فلسطينيًّا من صنوه وعلى شاكلته. ولأن رد الفعل الفلسطيني العنيف لا يملك موضوعيًّا الأدوات ذاتها التي بحوزة إسرائيل، فقد جاءت العمليات الاستشهادية والغارات المسلحة بمثابة المعادل الإبداعي في هذا الإطار.

عندما تواتر رد الفعل الفلسطيني على هذا النحو، واتسع نطاقه، وأضحى مؤثرا.. قيل: إنه المسؤول عن الإرهاب الإسرائيلي ضد المنتفضين، وتم نسيان أو تجاهل الفعل الإسرائيلي الافتتاحي. وأهم من هذا التلاعبِ في الأسباب والنتائج وتوزيع المسؤوليات بين الجاني والضحية أن منتقدي عسكرة الانتفاضة ينحرفون عن الحقيقة الكبرى حول ما يجري في الديار الفلسطينية، وهو وجود الاحتلال الإسرائيلي ذاته في هذه الديار منذ 35 عامًا متوالية، وفي رواية أكثر جذرية منذ 54 عامًا. والاحتلال -كما يعرف أي عاقل- بالأساس عمل عدواني يستحق المقاومة بكل الوسائل ويستدعيها استدعاء.

نقد منتقدي العسكرة

ولا يلزم المنتقدون لقضية عسكرة الانتفاضة جانب التحليل المنطقي عندما يقومون ببعض المقارنات.. فمن ناحية لا يصح القياس بين انتفاضة الثمانينيات والانتفاضة الراهنة؛ باعتبار أن الثانية جنحت إلى العنف بصورة أكثر وضوحًا، فلكي تجوز مقارنة كهذه لا بد من أخذ مجموعة من المعطيات المحيطة بكل منهما بعين النظر والتدبر. لقد أعاد الاحتلال الإسرائيلي انتشار قواته بعيدًا عن متناول أحجار الفلسطينيين وتظاهراتهم واحتجاجاتهم ومسيراتهم وكافة أنماط مقاومتهم المدنية. ونتيجة لواقع ما بعد أوسلو وتوابعه فلم يعد من الممكن الاضطلاع بعصيان مدني أو سياسة عدم تعاون في الوجود الإسرائيلي على نحو يوجع هذا الوجود ويعكر عليه حياته، ولعل من المؤسف حقا أن يكون عكس ذلك هو الصحيح؛ فإسرائيل تعاقب الفلسطينيين بإغلاق أبواب العمل أمامهم، بما يوقعهم تحت طائلة البطالة والفقر. هذا مجرد فيض من غيض الأمثلة الدالة على اختلاف ساحة المواجهة بين الانتفاضة والاحتلال في 1987 وفي 2000.

على أن أبرز ما تغفله القراءات في هذه الناحية وجود ما يقرب من 40 ألف بندقية في حوزة القوى الفلسطينية متعددة الأسماء والوظائف التي نجمت عن قيام سلطة الحكم الذاتي. وليس من العدل أن يطالَب كل هؤلاء المسلحين بضبط النفس وهم يرون إخوانهم وذويهم وبني شعبهم يُسحقون بالبطش الإسرائيلي وهم لا يفعلون لهم شيئًا! المثير أن معسكر إسرائيل ومحازبيها -الأمريكيين بالذات- كانوا يأملون أن توجه بنادق رجال السلطة إلى الداخل الفلسطيني. ولو أن ذلك حدث لما احتج هذا المعسكر على السلاح الفلسطيني! والمراد بهذا أن العسكرة الفلسطينية مرفوضة إذا ما قصدت الاحتلال الإسرائيلي ورموزه فقط.

ومن ناحية ثانية يوغل الرافضون لعسكرة الانتفاضة في الطوباوية عندما يستحضرون تجارب اللاعنف، ويوعزون إلى النضال الفلسطيني بالاقتداء بها. فالنموذج الهندي على زمن المهاتما غاندي بعيد إلى أقصى الحدود عن احتمال المرور والنجاح في الحالة الفلسطينية. ومن يفترض غير هذا يخادع نفسه قبل أن يضلل الآخرين. إن الخلاف بين النموذجين الهندي والفلسطيني يتعلق بكل شيء تقريبا. الزمان والمجال الجغرافي وطبيعة الاستعمار ونوعيته والمعادلات السكانية وحدود الصراع ومجالاته وأبعاده. ثم إن تجارب اللاعنف الأحدث عهدا كتلك التي عرفتها بعض دول شرق أوروبا، لا تتعلق بقضايا الاستعمار والتحرير، وإنما بمسألة التحول الديمقراطي وتغيير الخيارات الأيديولوجية. وهذه كانت محفوفة ومحفوزة بتحول أشمل في النظام الدولي ليس هنا مجال الاستطراد إليه.

ومن ناحية ثالثة فإن أنصار النضال المدني الصرف لا يطرقون بطرحهم بابا جديدا تم اكتشافه فلسطينيا على أيديهم. فثمة تجربة غنية للفلسطينيين وسوابق لا حصر لها مع هذا الباب، من عشرينيات القرن الماضي إلى ثمانينياته إلى تسعينياته. ويكفي التذكير بسنوات الانتفاضة الأولى لسنة 1987-1993  التي لم تحرر شبرا من أرضهم. أما عن إخفاق المداخل القانونية وضغوط الرأي العام العالمي في معالجة مأساتهم فحدث ولا حرج.

وبين ما يدفع به هذا الفريق أن عنف الانتفاضة منح الإسرائيليين مبررات لامتطاء صهوة قوتهم وجبروتهم بلا حدود، ما يتوجب معه التوقف عن هذا العنف لدرء هذه المبررات. غير أن هذه المحاجة تتناقض مع حقيقتين: الأولى أن إسرائيل هي الطرف المبادر للعنف على ما أشرنا أعلاه. والثانية أن قوى العنف، وما يسمى بعسكرة الانتفاضة عرضت التوقف عن أسلوبها إذا ما تحولت إسرائيل عن إرهابها الدموي ضد الشعب الفلسطيني، الأمر الذي لم تستجب له إسرائيل، وعمدت إلى إفساده، فهي تُملي ولا يُملى عليها! والشاهد أنه ليس ثمة دليل على أن مفهوم ردع الإرهاب الإسرائيلي بالعنف الفلسطيني -وبخاصة النمط التضحوي الاستشهادي- قد فشل عمليا. فلا أحد يعرف إلى أين كان سيذهب الإسرائيليون في إرهابهم ودمويتهم بدون وجود هذا الرادع.

كذلك فإننا لا نعرف تجربة للاستعمار الاستيطاني تم دحرها والتغلب عليها بأنماط النضال المدني الخالية من العنف. تنطبق هذه القناعة على التجارب القديمة (كالفرنجة في المشرق العربي)، والوسيطة (نجح الاستيطاني في الأمريكتين استنادا لفارق القوة على أصحاب البلاد) والأحدث (كالأوروبيين في الجزائر وليبيا).

وليس لدعاة اللاعنف أن يستحضروا نموذج التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا أو روديسيا (زيمبابوي)، بهدف الاحتذاء به، لأن الأفارقة الأصليين زاوجوا بين المقاومة المدنية والعنيفة، ورفض مانديلا المساومة على هذه الناحية والإيعاز لأنصاره بنبذ المقاومة المسلحة على الإطلاق. كما أن المشروع الاستيطاني للبيض كان قد توقف منذ فترة طويلة، فلم يستقبل هؤلاء مددا بشريا من أروماتهم القومية في الغرب منذ أكثر من قرن قبل التسوية السياسية عام 1994، وثالثا- وهذا هو الأهم- أن قضية الأفارقة تعلقت بإضفاء الطابع الديمقراطي على النظام السياسي لإنهاء التمييز العنصري على جميع الأصعدة، وتوزيع الموارد على نحو متكافئ بين البيض والسود، على حين يتعلق المثل الفلسطيني بعملية التحرير والاستقلال، فضلا عن إلغاء التمييز العنصري، فهو إذن أكثر تعقيدا بكثير مقارنة بالحالات الأفريقية التي يراد استلهامها.

ترشيد الفعل النضالي

لا يمكن في كل حال استبعاد المقاومة المسلحة فلسطينيا بدون الوقوع في خطأ إستراتيجي. لكن النقد للرغبة في تحقيق أقصى فائدة من توظيف هذه المقاومة يظل أمرا جائزا ومطلوبا. فالمقاومة العنيفة والفعل الاستشهادي منها، لا تجري طليقة بغير أسس موضوعية وحسابات أولية في إطار إستراتيجي أو تكتيكي سياسي شامل. فهي أداة ذات وظيفة محددة في بناء كلي أو معمار يستهدف غايات محددة، ويتعين تسكين هذه الأداة في المكان والزمان والبيئة الإستراتيجية واللوجستية المحيطة، وأخذ ما يعتري هذه المعطيات من متغيرات ومستجدات.

مؤدى هذه الملاحظة هو ضرورة ترشيد الفعل النضالي المسلح بغية تحقيق أقصى فائدة حدية ممكنة منه وتخفيض خسائره بالمنطق ذاته.

وهذه المهمة تقع على عاتق القوى المنغمسة في الميدان بالدرجة الأولى، كون أهل الميدان أدرى بما فيه. لكن القوى المعنية والغيورة على رشادة فعل المقاومة الفلسطينية، تستطيع بدورها المشاركة في قراءة أحوالها من الخارج، ولفت الأنظار إلى أفضل السبل أمام هذا الفعل، طالما أن هذه المشاركة محفوزة ومحفوفة بالنوايا المخلصة، البعيدة عن التوجيه الأبوي ومزاج "الهندسة عن بعد".

خلاصة وتقويم

انطلاقا من هذا التحليل، فإن القوى المقاومة من حقها أن تقدر النمط المواتي لمواجهة الإرهاب الصهيوني ميدانيا، وهي بالتأكيد الأقدر على قياس تأثير هذا النمط – والنشاط الاستشهادي ليس استثناءً–  على العدو بجبهته العسكرية والأهلية الداخلية، غير أن المتابعين لحركة المقاومة من خارج الميدان بوسعهم الإدلاء برؤاهم حول هذا النمط أو ذاك. وفيما يخص العمليات الاستشهادية مثلا، ربما آثر هؤلاء ألا يتم الكشف عن هوية الاستشهاديين، بالنظر إلى تطور السياسة الإسرائيلية واستهدافها لمجتمعهم لتعظيم خسائره. فالسلطات الإسرائيلية تلاحق ذوي الاستشهاديين بالاعتقال والتعذيب وتهدم بيوتهم وتبعدهم لتعطيل مسار حياتهم وزيادة إحساس الاستشهاديين بالذنب تجاه محيطهم الاجتماعي، وهي تتطلع إلى أن يتحول المزاج الشعبي الفلسطيني لغير صالح هذا النمط القتالي من المقاومة. هذا مَثَل على المداخلات التي يمكن لأنصار الانتفاضة طرحها بدون وجل من رميهم بالخذلان ومحاولة تعطيل مسيرة المقاومة وإحباط المقاومين.

والمحصلة أن العمل على  تصحيح مسيرة الانتفاضة رغبة في تقوية ساعدها وتقريبها من أهدافها يختلف عن إدانة بعض أنماط حركتها، بما في ذلك الاستشهادي منها. فالإدانة المبدئية شيء ومحاولة التصحيح شيء آخر تماما. الإدانة موقف لا يصدر دوما عن رغبة صادقة في دعم المقاومة، أما التصحيح فهو خدمة ثمينة تصدر عن إيمان بضرورة المقاومة، ولكن مع أخذ جدواها وخواتيمها بعين الاعتبار.

 

اقرأ أيضا:


**باحث فلسطيني في الشؤون السياسية


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع