 |
|
هل عكس قرار الملك إرادة الجماهير؟
|
شبّه
بعض المهتمين بالشأن المغربي قرار
الملك محمد السادس تعيين التكنقراطي
إدريس جطو على رأس الحكومة الجديدة،
بالصفعة التي توجه إلى أحدهم حين كان
يعتقد أنه يمشي وهو نائم، وفوق ذلك
يحلم، ليستفيق مما هو فيه، ويقوم بكبح
خياله والانتباه إلى أن هناك بونا شاسعا
يفصل خيال العرب السياسي عن واقعهم
المرير السائد.
ولعل
أبرز الحالمين في المغرب، قبل أن تقع
الصفعة على خد النائم، الوزير الأول
المستقيل عبد الرحمن اليوسفي، الذي كان
يعتقد أن العهد الذي وقعه سنة 1998 مع
الملك الحسن الثاني، سيتواصل في ظل خلفه
محمد السادس، وأن عرف تعيين الوزير
الأول على ضوء الخارطة السياسية
السائدة في البرلمان، سيستمر ويتكرس.
مقربون
من الوزير الأول المستقيل ينقلون أنه
يمر هذه الأيام بوقت عصيب، ويحس بمرارة
كبيرة، وشعوره يكاد يصل إلى مستوى ما
يشعر به الملدوغ من الخديعة. فقد كان
يتصور أن تنازلاته المتواترة - التي
قدمها منذ قبوله بالوزارة الأولى قبل
أربع سنوات ونصف، وآخرها التضحية بنصف
قادة حزبه في مؤتمر ربيع 2001 - لن تذهب
هباء منثورا، لأنه كان على ثقة كبيرة
بأن الملك لن يتنكر لها.
الخسارة
المزدوجة
لقد
كان الأصل في قبول عبد الرحمن اليوسفي
تشكيل ما عرف بحكومة التناوب سنة 1998،
تقديره أن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى
إلا من خلال التنازلات المشتركة. فقد
تنازل الملك الحسن بدعوة أبرز معارضيه
لقيادة حكومة تنقذ البلاد من السكتة
القلبية، وتنازل المعارض الكبير بقبول
المسؤولية في شروط غير ملائمة، مراهنا
على تحسين هذه الظروف من خلال العمل
الدؤوب في الحكم.
وإلى
حد الإعلان عن نتائج انتخابات 27 سبتمبر
2002، كانت الأمور تسير وفقا لتصورات
الوزير الأول، فقد شهدت غالبية الأطراف
المحلية والإقليمية والدولية، بنزاهة
الانتخابات، كما تصدر الاتحاد
الاشتراكي وحلفاؤه النتائج، مما عد
تصويتا بالثقة على الحكومة من قبل الشعب.
ولم يبق لاكتمال الصورة المرتسمة في ذهن
اليوسفي إلا أن يقدم استقالة حكومته،
وانتظار أن يعين الملك مباشرة بعد ذلك
وزيرا أول من الحزب الفائز
بالانتخابات، أي من الاتحاد الاشتراكي،
كما تقضي بذلك أعراف الديمقراطية، غير
أن الملك لم يفعل وفاجأ الجميع.
لقد
قدم الملك فرصة ذهبية لأعداء اليوسفي،
المستجدين والقدامى، للشماتة به. فقد
كان هؤلاء يؤكدون أن معركة المغرب
السياسية ضد الشمولية السلطوية، لا يجب
أن تخاض مجزأة، وأن الديمقراطية لا يمكن
أن تأتي هبة فوقية، غير أنه كان يرى غير
ما يرون، وأضحى يثق في السنوات الأخيرة
بسياسة "خذ وطالب" المعروفة.
لم
يكن ثمة قانون دستوري، أو سواه، في
المغرب، يلزم الملك بأن يكون الوزير
الأول من الحزب الذي يملك أكبر كتلة
نيابية في البرلمان. لكن اليوسفي كان
يؤمن بأن هذا العرف لا يحتاج بالضرورة
إلى قانون لتكريسه، وأن السياق السياسي
العام الذي اتفق على بنائه مع الملك
الراحل الحسن الثاني، فضلا عما تقتضيه
مصلحة البلاد العليا، قادر على فرضه
ودفع جميع الأطراف - بما في ذلك الملك -
إلى العمل به.
لقد
أقدم اليوسفي انطلاقا من هذا الإيمان،
بتقديم استقالته بمعية حكومته بمجرد
الإعلان عن النتائج، تماما كما تقتضي
الأعراف الديمقراطية مثلما هو متعارف
عليها في الدول الديمقراطية العريقة،
وليس ثمة قانون يلزمه بذلك أيضا. فعل ذلك
من باب شعوره بالواجب نحو الديمقراطية،
وتشجيعه بقية الأطراف على القيام
بمسؤولياتهم على غراره.
ما
وقع لاحقا يشبه - كما تحدث البعض - ما جرى
للإمام علي كرم الله وجهه في صفين،
عندما قبل التحكيم، ونزل عند رغبة بعض
مقربيه بتعيين "أبو موسى الأشعري"
ممثلا له، فقام بخلعه، دون أن يخلع عمرو
بن العاص صاحبه معاوية.
فقد
استقال اليوسفي تقديرا منه أن الملك
سيعين خليفته في الاتحاد الاشتراكي
مكانه، غير أن الملك قرر ألا يفعل،
مخالفا بوضوح مقررات عهد والده وسيرة
الأنظمة الديمقراطية في الحكم.
إن
خسارة اليوسفي جراء القرار الملكي - من
وجهة نظر المحلل - لا تضاهيها خسارة
أخرى، ربما تكون لحقت بهذا الطرف أو
ذاك، فالوزير الأول المستقيل يشعر
اليوم بنوع من الخديعة تعرض لها. ولربما
يكون قد تأكد اليوم من أن تكليف الملك
الحسن الثاني له برئاسة الحكومة، كانت
من منطلق رغبة العاهل الراحل في تأمين
انتقال هادئ ومريح للسلطة إلى ولده،
فلما استقر الحكم للخلف، لم تعد ثمة
حاجة لـ"صدر أعظم" من الوزن الثقيل
على نحو ما عليه الحال بالنسبة له، بل
عاد وجود من هذا النوع يحجب الشمس
الملكية عن المؤمنين ببركتها.
لقد
خسر اليوسفي الكثير من رفاقه القدامى،
جراء تحفظ هؤلاء على شراكة سياسية غير
مضمونة مع "المخزن" (السلطة في
اللهجة المغربية)، وخسر جزءا مهما من
تاريخه السياسي القائم على المعارضة
الراديكالية طلبا للديمقراطية الحقة،
حيث كان يراهن على أن التاريخ سيذكره
كمؤسس للتحول الديمقراطي لا كوزير أول،
كما خسر كذلك شعبيته - أو جزءا كبيرا
منها - نتاج السنوات العجاف التي قضاها
على رأس الحكومة، من وجهة نظر العامة،
التي تركز على مقاييس مكافحة البطالة،
وخصوصا بطالة أصحاب الشهادات العليا،
ومواجهة ظواهر الفقر، والهجرة السرية،
واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
القطيعة
بدل المراكمة
لقد
علل أنصار القرار الملكي تعيين إدريس
جطو على رأس الحكومة المغربية الجديدة
التي ستخلف حكومة التناوب المستقيلة،
بالاستناد إلى ثلاث نقاط أساسية:
1-
أن الملك غير ملزم دستوريا وقانونيا
بإسناد الوزارة الأولى إلى زعيم الحزب
الفائز في الانتخابات.
2-
أن انتخابات 27 سبتمبر الماضي لم تفرز
حزبا فائزا، بل أحزابا فائزة، في إشارة
إلى أن الفارق في عدد المقاعد بين
الأحزاب الأربعة الأولى في قائمة
الفائزين، كان ضئيلا.
3-
الحرص على مصلحة البلاد العليا، حيث
بدا أن خصومات الأحزاب الفائزة كثيرة
وهو ما قد يؤثر على استقرار عمل
المؤسسات، وفي مقدمتها الحكومة.
أما
الحقيقة - كما يتصورها المتحمسون
لاستمرار عملية التحول الديمقراطي في
المغرب - فتتعارض مع المبررات آنفة
الذكر؛ فدستور الأنظمة الديمقراطية
العريقة لا يكون مدونا بالضرورة.
فبريطانيا على سبيل المثال لا تمتلك إلى
اليوم دستورا مكتوبا، وليس في الدستور
الهولندي ما يجبر الملك على اختيار زعيم
الحزب الفائز في الانتخابات رئيسا
للحكومة، غير أن الأعراف الدستورية –
التي لا تقل قيمة عن المواد الدستورية
المدونة – تقضي بذلك. فضلا عن أنه ليس
ثمة ترجمة أكثر أمانة لمبدأ "السيادة
الشعبية" من الأخذ بهذا العرف في
إسناد مسؤولية أهم مراكز إدارة الشأن
العام لمن يستحقها، حيث إرادة الشعب
المعبر عنها في الانتخابات، يجب أن تعلو
كل الإرادات.
أما
القول بأنه ليس هناك حزب فائز، فأمر لا
يتفق بدوره مع الفلسفة السياسية التي
أقيمت عليها الأنظمة الديمقراطية،
وخصوصا مع مبدأ النسبية، الذي استمدت
منه قاعدة أن القرار يؤخذ بالأغلبية،
سواء أكانت مطلقة أو نسبية، وليس ثمة
قاعدة للحكم أكثر عدالة ومنطقية من هذه
القاعدة، بل إن غيرها من القواعد عادة
ما كان تفويضا عمليا لأنظمة الحكم
الديكتاتورية والشمولية، مثلما يشير
إلى ذلك المتخصصون في علم السياسة.
كما
أن إسناد مهمة تشكيل الحكومة للحزب
الفائز بالأغلبية النسبية - حتى ولو كان
الفارق بينه ومن يليه مقعدا واحدا - لا
يعني في حد ذاته القدرة على تشكيل
الحكومة، بل يعني الالتزام بآلية عمل
عادلة، فإذا ما فشِل الحزب الأول ينتقل
إلى الثاني، وهكذا دواليك.
لقد
أشار قادة حزب الاتحاد الاشتراكي في أول
بيان لهم جاء ردا على القرار الملكي
بتعيين جطو وزيرا أول، إلى هذا الأمر في
إطار ما اصطلحوا عليه بعبارة "المنهجية
الديمقراطية". فقد خالف الملك محمد
السادس - على نحو بينٍ وصريح برأيهم -
المنهجية التي تفرضها في مثل هذه الحالة
عملية الالتزام بقواعد الديمقراطية،
وهي أن يكون الوزير الأول من الحزب الذي
أحرز أكبر عدد من المقاعد، وليس الحزب
الذي حصل على الأغلبية المطلقة - كما
تحدث البعض رغبة في تزكية القرارات
السلطوية- على نحو ما اعتيد في البلاد
العربية للأسف.
وقد
كان العديد من قادة الاتحاد الاشتراكي
يتطلعون إلى أن يراكم الملك محمد السادس
تقاليد الديمقراطية الوليدة، التي
ابتدأت بتعيين الزعيم المعارض عبد
الرحمن اليوسفي على رأس الحكومة،
وتوطدت بجملة من الإصلاحات السياسية
والقانونية، واختتمت بتنظيم انتخابات
نيابية شفافة ونزيهة؛ غير أن الملك
المغربي اختار فيما يبدو طريق القطيعة
على طريق المراكمة، وقرر أن يمارس
صلاحياته المطلقة كاملة، كما مارسها من
قبله والده وجده.
أما
بالنسبة لحديث البعض عن أن المصلحة
العليا للبلاد قد اقتضت تعيين جطو، فيرد
عليه أنصار الرؤية الديمقراطية، من
خلال التأكيد على أن خير من يعرف مصلحة
الشعب هو الشعب ذاته، الذي عبر عن
إرادته من خلال صناديق الاقتراع؛
وبالتالي عبر عمن يريد أن يوليه مصلحة
إدارة شؤونه، ولهذا فإنه ليس بمقدور طرف
من الأطراف، مهما تكن مكانته، الزعم
بأنه يعرف مصلحة البلاد أكثر من شعب
البلاد في مجمله.
الأمر
يحتاج إلى معركة
الأكثر
إحراجا بالنسبة للاتحاد الاشتراكي - كما
أورد المحللون - يكمن في قلة الخيارات
الممكنة التحقيق على الساحة السياسية
في المغرب الراهن. فالحكومة الجديدة -
كما أعلن الوزير الأول الجديد - ستكون
حكومة تواصل واستمرارية للنهج الذي
خطته حكومة عبد الرحمن اليوسفي،
وغالبية الأحزاب التي تمتلك تمثيلا في
البرلمان أعلنت عن رغبتها في مساندتها.
لقد
وجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات
الشعبية فجأة نفسه في وضع معقد، لن يكون
الحكم فيه سهلا ولا المعارضة. فمشاركة
الاتحاديين في حكومة جطو ستكون بمثابة
إقرار بمنهجية حكم غير ديمقراطية، هم
أول من أعلن عن معارضتها. وتزعم الاتحاد
للمعارضة يبدو أكثر استهجانا، حيث
سيضطر نواب الحزب إلى معارضة إصلاحات
حكومية يعتبرون أنفسهم مؤسسين لها، كما
أن تجربتهم في الحكم ما تزال قصيرة بحيث
تظهر العودة إلى صفوف الأمس غاية في
الكآبة ومصدرا للشماتة.
ولا
شك أن أمر تثبيت المنهجية الديمقراطية
كان يحتاج - كما يشير المتابعون للحياة
السياسية المغربية - إلى معركة شرسة،
تنتزع فيها المزيد من الصلاحيات
الدستورية والقانونية لصالح المؤسسات
التمثيلية، بما في ذلك الحكومة، لكن
الواقع القائم لم يكن ليساعد
الاتحاديين في الوقت الراهن على تفجير
هذه المعركة ناهيك عن خوضها، فقد سارعت
جل القوى السياسية - التي ظُن أن السنوات
الأربع الماضية قد طهرتها من دنس
الشمولية وعمّدتها بماء الديمقراطية -
إلى تقديم الولاء والإشادة بحكمة
القرارات السيادية.
لقد
منّى البعض نفسه بمشاهدة معركة سياسية
ساخنة، يضطر فيها المخزن المغربي مجددا
إلى التراجع وتقديم المزيد من
التنازلات لصالح الديمقراطية، ومن ذلك
التزامه بشكل نهائي بالعرف السياسي
الذي يقضي بتعيين زعيم الحزب الفائز
رئيسا للحكومة، غير أن توالي بيانات
التأييد والطاعة من لدن قادة الأحزاب
السياسية المغربية، جعل أماني
الديمقراطيين تتبخر الواحدة تلو الأخرى.
والثابت
في هذا الخضم، أن الملك محمد السادس قد
قرر - ربما تحت وطأة مستشاريه من أهل
الحرس القديم - ألا يكون ملكا "صوريا"
كما هو شأن الملوك في بريطانيا وهولندا
وأسبانيا وبلجيكا والسويد، وأن يجمع في
قبضة واحدة بين "الحكم" و"الحكومة"،
وأن يؤكد للجميع أن الانتخابات النزيهة
التي جرت في 27 سبتمبر لم تكن إرادة شعبية
بل مِنّة ملكية، ولهذا فإن الوزير الأول
الجديد يجب أن يكون وزيرا ملكيا لا
وزيرا شعبيا أو حزبيا وفقا للتعبير
السائد في الصحافة المغربية.
اقرأ
أيضا:
** خبير في القانون الدولي وباحث في شؤون المغرب العربي.
|