 |
|
أردوغان..
حظر مشاركته يزيد من التعاطف مع
حزبه
|
تتجه
الخريطة السياسية التركية إلى تغيير
ملحوظ في أعقاب إعلان البرلمان في جلسته
الطارئة في أول سبتمبر الحالي عن إجراء
انتخابات مبكرة في الثالث من نوفمبر
القادم؛ حيث يعكس ذلك حالة الترهل التي
آلت إليها أوضاع الحكومة التركية،
ويثير أزمة جديدة في مسلسل الأزمات التي
عايشها الشعب التركي في الفترة
الأخيرة، بداية من الأزمة الاقتصادية
التي تعرضت لها تركيا في خريف عام 2000،
مرورًا بالأزمة السياسية بين الرئيس
نجدت سيزر ورئيس وزرائه بولنت أجاويد
بسبب الخلاف حول سياسة الحكومة في
مكافحة الفساد، حين خرج أجاويد من قاعة
اجتماعات مجلس الأمن القومي وهو يرتجف،
بعد أن رماه الرئيس سيزر بكتاب الدستور
في وجهه، وهي السياسة التي أدت إلى
تفاقم الأوضاع الاقتصادية؛ حيث تعد
الأسوأ منذ عام 1945، وكانت السبب في
تظاهرات عديدة طالبت باستقالة الحكومة
بسبب سوء الأوضاع التي آلت إليها أحوال
المواطنين، وارتفاع عدد العاطلين،
وانهيار العملة التركية (الليرة)،
وانتهاءً بالأزمة السياسية الراهنة،
والإعلان عن الانتخابات المبكرة التي
كان مقررا إجراؤها في إبريل 2004.
خلفيتان
للانتخابات المبكرة
وقد
جاء الإعلان عن هذه الانتخابات على
خلفيتين توضحان حالة التخبط داخل
الحكومة التركية.
الأولى:
تشبث رئيس الحكومة بولنت أجاويد -77 عاما-
بالسلطة، بالرغم من اعتلال صحته، الذي
حال دون ممارسته مهام منصبه لفترة تزيد
عن شهرين (منذ مايو 2002)، وإصراره على
البقاء على رأس الحزب والحكومة، رافضا
لأي اقتراحات من شأنها نقل مسئوليات
عمله السياسي الذي يمارسه منذ أكثر من
نصف قرن إلى جيل جديد؛ الأمر الذي أدى
إلى سلسلة كبيرة من الاستقالات في صفوف
نواب حزبه، أدت إلى تراجعه إلى المرتبة
الرابعة (68 نائبا) بعد "حزب العمل
القومي" (127 نائبا) برئاسة دولت بهجلي،
و"حزب الوطن الأم" (79 نائبا) برئاسة
مسعود يلماظ، وهما الحزبان المشاركان
في الائتلاف الحاكم، و"حزب الطريق
القويم" برئاسة تانسو تشيلر (85 نائبا)،
وأصبح بإمكان أحزاب المعارضة إسقاط
حكومة أجاويد إذا اتخذت موقفا في هذا
الصدد. توافق هذا مع استقالة عدد من
وزراء حكومة أجاويد كان من أبرزهم
وزير الخارجية إسماعيل جيم، ووزير
الاقتصاد كمال درويش، والنائب السابق
لرئيس الوزراء حسام الدين أوزكان الذي
كانت استقالته بداية سلسة الاستقالات
اللاحقة.
الثانية:
الانقسام السياسي بين الأحزاب التركية
الممثلة في البرلمان حول الإصلاحات
الاشتراطية التي تمهد السبيل لانضمام
تركيا للاتحاد الأوربي؛ حيث أيدتها
أحزاب: "الوطن الأم" و"الطريق
القويم" و"اليسار الديموقراطي"،
بينما يعارضها "حزب العمل القومي"
الذي يتزعمه دولت بهجلي؛ حيث يرى أنها
شروط مجحفة وتعجيزية من شأنها أن تدعم
النوازع الانفصالية عند الأقلية
الكردية؛ الأمر الذي ساهم في الاتجاه
نحو الاتفاق على عقّد هذه الانتخابات،
بعد أن أصبحت الحكومة التركية في مهب
الريح.
إلا
أن موافقة الأحزاب الثلاثة السابقة
وفرت الأغلبية المطلوبة لتمرير بعض هذه
الإصلاحات من قبيل إلغاء عقوبة
الإعدام، ومنح حقوق ثقافية للأكراد،
وتوسيع نطاق الحريات والديموقراطية...
انعكاسات
الأزمة السياسية
عكست
الأزمة السياسية التركية الأخيرة
مجموعة من الحقائق حول الأوضاع
السياسية السائدة داخل محيط الدولة
التركية، أهمها:
1-
إن الأزمة الصحية التي يعانيها رئيس
الوزراء، وانخفاض شعبيته -بعد أن سئمت
الجماهير سياسات حكومته- دفعت الكثير من
أعضاء حكومته للتطلع إلى منصب رئيس
الحكومة، أو دور ما في الحكومة القادمة
بعد أن استشعروا أن السفينة التي تقلهم
مع بولنت أجاويد تتجه نحو الغرق، وهو ما
يفسر الاستقالات المتتالية لوزراء
حكومته، وخاصة استقالة إسماعيل جيم
وتأسيسه لحزب "تركيا الجديدة" مع
الأعضاء المنسحبين من "حزب اليسار
الديموقراطي"، ثم رفضه بعد ذلك خوض
الانتخابات تحت مظلة "حزب الشعب
الجمهوري" بزعامة ديتر بايكال؛ الأمر
الذي أفشل محاولات كمال درويش في توحيد
يسار الوسط التركي قبل خوض الانتخابات،
كما أنه يفسر أيضا سعي دولت بهجلي زعيم
"حزب الحركة القومية" المنتمي إلى
اليمين المتطرف إلى إجراء انتخابات
مبكرة، مهددا بانسحابه من الحكومة إن لم
تتم الاستجابة لمطالبه، وذلك لإدراكه
أن طريق الانضمام للاتحاد الأوربي مليء
بالعوائق التي يصعب على تركيا تقبلها،
مستغلا بدء وعي قطاعات من الشعب التركي
بذلك للحصول على التأييد اللازم لحزبه
في الانتخابات المقبلة، معتقدا قدرته
الفوز بتأييد 30% من أصوات الناخبين ضد
توجه تركيا نحو أوربا.
ويأتي
في الإطار نفسه معادلات أحزاب "تركيا
الجديدة" و"الوطن الأم" عضو
الائتلاف الحاكم و"حزب السعادة"
لتغيير النصاب البرلماني الذي يخولهم
التمثيل في البرلمان ليصبح نسبة 5% من
أصوات الناخبين فقط بدلا من 10%، حيث فشلت
هذه الأحزاب في الحصول على 10% في
استطلاعات الرأي حتى الآن.
2-
إن الخريطة السياسية للأحزاب الممثلة
في البرلمان حاليا قد تتغير لصعود قوى
أخرى لم يمثل بعضها في الانتخابات
السابقة لعدم تجاوزها نسبة 10% مثل "الحزب
التركي الديموقراطي" الذي يرأسه محمد
علي بايار؛ حيث يرى بعض المحللين أنه
يمثل جيل الشباب، ومثل "حزب العدالة
والتنمية" ذي التوجهات الإسلامية،
وهو ما يبشر بأن الساحة السياسية
التركية سوف تشهد بروز العديد من الوجوه
السياسية الجديدة، أكثر شباباً سناً
وتفكيراً في نطاق النخبة السياسية
التركية.
كما
أنها -في المقابل- ستشهد هبوط أو غياب
العديد من الأحزاب الكبيرة لصالح
الأحزاب الجديدة، خاصة أن كثرة الأحزاب
سوف تؤثر بالسلب على فرص العديد من
الأحزاب الكبيرة، في ظل ما تتخذه
الأخيرة من أجندات سياسية تتشابه من حيث
تبني معظمها قضية الإصلاح الاقتصادي،
ومسألة الإسراع بحزمة الإصلاحات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية
التي تشترطها المجموعة الأوربية لإلحاق
تركيا بركبها كمحور رئيسي لبرامجها
الانتخابية.
3-
كشفت الأزمة السياسية الأخيرة الأيدي
الخفية لكل من الولايات المتحدة
وإسرائيل -خاصة بعد تشدد حكومة بولنت
أجاويد في مسألة ضرب العراق، والانتقاد
المتكرر للسياسات الإسرائيلية تجاه
الفلسطينيين، وذلك من خلال العمل على
تحريك بعض دعائم الحكومة التركية وفي
مقدمتهم إسماعيل جيم وكمال درويش
للاستقالة من الحكومة والانسحاب من
الحزب، وهو الأمر الذي تحاول الأحزاب
التركية الإسلامية استغلاله في مواجهة
جيم ورفاقه الذين يسعون إلى نهج كل ما
يقربهم إلى الولايات المتحدة وأوربا،
حتى لو كلفهم هذا تقديم تنازلات فيما
يتعلق بملفات العراق وفلسطين وقبرص.
4-
تبرز هذه الأزمة إشكالية أكثر عمقا،
دائما ما تحظى بجدل واسع النطاق فيما
يتعلق بالهوية الوطنية التركية، فهل هي
إسلامية وفقا لرؤية قطاعات واسعة من
الشعب التركي، أم علمانية أوربية وفق
تطلعات بعض قطاعات السياسيين وجنرالات
الجيش؟ وهي الإشكالية التي تسبّب عدمُ
حسمها في ضياع كثير من الفرص في
علاقاتها مع الجمهوريات الإسلامية ذات
الأصول التركية التي استقلت عن الاتحاد
السوفيتي، فضلا عن الدول العربية وباقي
الدول الإسلامية، وكان استغلالها كفيلا
بقلب الأوضاع الراهنة رأسا على عقب،
نتيجة لعدم الاتفاق حول الأولويات
والاتجاهات السياسية والثوابت
الوطنية، وتأثير العسكريين في عملية
صنع القرار التركي الذي لم يغب في
الأزمة الأخيرة.
5-
ترسخ التطورات السياسية الأخيرة
الاعتقاد ليس فقط بأنها تأتي تعبيرا عن
تشتت وعدم استقرار حزبي، حيث هشاشة
الحياة الحزبية، أو تعبيرا عن حكومات
ائتلافية ضعيفة في نظام حزبي متعدد
الأقطاب يتكون من أحزاب محدودة النشاط
وذات قاعدة شعبية ضيقة لا تنشط إلا في
وقت الانتخابات، ولكن أيضا الافتقار
لمفهوم المجتمع المدني ودوره الذي يسهم
بشكل كبير في تشكيل وعي أفراد المجتمع
وثقافتهم؛ الأمر الذي يدعم النشاط
الحزبي ويرسخ مفهوم الديموقراطية. فقد
أشارت نتائج البحث الاستبياني الذي
أجرته مؤسسة "سنجش بي آر" في شهر
أغسطس 1997 إلى أن 10% فقط من الشعب التركي
أعضاء في جمعيات ثقافية أو حزبية
مختلفة، ويرجع ذلك إلى أن طبيعة النظام
الحاكم نخبوية غير ديموقراطية في ظل
تدخل الجيش في أمور الحياة السياسية،
كما أنها تعود إلى تعدد الأحزاب
السياسية التي يصل عددها إلى 49 حزبا،
يتصارع منها 23 حزبا على مقاعد البرلمان،
ومعظمها يتشابه في توجهاته، والجزء
الأكبر فيها أحزاب صغيرة تأثيرها
محدود، فضلا عما يثار حول قضايا حقوق
الإنسان في تركيا، ومسألة غياب كثير من
حقوق الأكراد الذين يمثلون رابع جماعة
عرقية في "الشرق الأوسط"- بعد العرب
والإيرانيين الأتراك- ويمثلون 20% من
الشعب التركي الذي يبلغ تعداده 65 مليون
نسمة.
المد
الإسلامي.. من أربكان إلى أردوغان
تشير
معظم استطلاعات الرأي إلى أن "حزب
العدالة والتنمية" سوف يكون صاحب
الحظ الأوفر من حيث التمثيل في
البرلمان، والقدرة على تشكيل الحكومة
القادمة، ففي استطلاع للرأي أجرته
صحيفة "حريت" التركية ظهر أنه
سيحصل على 248 مقعدا من مقاعد البرلمان
البالغ عددها 550، مقابل 65 مقعدا لحزب
الشعب الجمهوري و41 مقعدا لحزب الطريق
القويم، وأن بقية الأحزاب لن تحصل على
نسبة 10% اللازمة للتمثيل في البرلمان؛
الأمر الذي من شأنه أن يطرح تساؤلات عدة
حول إمكان وصول الإسلاميين مرة أخرى
للسلطة في تركيا، وتداعيات ذلك على
الساحة السياسية التركية، خاصة أنها
شهدت العديد من المواجهات بين الأحزاب
الإسلامية وقيادات الجيش الذين يهيمنون
على عملية صنع القرار داخل تركيا، ففي
عام 2001 تم حظر "حزب الفضيلة" على
إثر قرار أصدرته المحكمة الدستورية
العليا بعد أن اتهمه الجيش بأنه يسعى
إلى تقويض العلمانية التركية، وأنه
يخرج من تحت عباءة حزب الرفاه الإسلامي
المنحل في بداية 1998.
وقد
أسفر ذلك عن انشقاق جناحي "الفضيلة"
المعتدل والمحافظ، ليشكلا حزبين
مستقلين؛ الأول هو "حزب السعادة"
ويرأسه "رجائي قوطان" قبل أن يتم
حظره، والحزب يعتبر امتدادا لرئيس
الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان،
ويمثل التيار المحافظ، والحزب الآخر هو
"حزب العدالة والتنمية" الذي يرأسه
أحمد طيب أردوغان، عمدة مدينة إستانبول
السابق، ويمثل الجناح الأكثر شبابا
واعتدالا.
وقد
ساعد الأخير على أن يحظى بتأييد قطاعات
واسعة من الجماهير والنخب السياسية
التركية تأكيده في برنامجه الانتخابي
والحزبي أنه ليس حزبا إسلاميا، مشددا
على احترامه لعلمانية الدولة، وترحيبه
بمساعي تركيا لنيل عضوية الاتحاد
الأوربي بشرط ألا تتعارض مع الهوية
الإسلامية. ويعارض الحزب ضرب العراق،
ويرى ضرورة منح الأكراد حقوقا أوسع. إلا
أن الرياح أتت بما لا يشتهى حين أعلنت
اللجنة الانتخابية العليا في تركيا في
20/9/2002 عن عدم أهلية زعيمه "أردوغان"
لخوض الانتخابات، كما أقرت عدم قدرة
أربكان على خوض انتخابات نوفمبر
المقبل؛ وهو ما دفعهما إلى اللجوء إلى
المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، لعلها
تؤثر في قرار الحظر، وقد أعلنت المحكمة
عدم اختصاصها بالنظر في القضية.
ومع
ذلك يرجح أن حظر مشاركة أردوغان لن يؤثر
كثيرا على فرص الإسلاميين في
الانتخابات المقبلة في ظل البرنامج
الذي يطرحه "حزب العدالة والتنمية"،
وهو برنامج حزب متكامل لا يرتبط باسم
زعيمه رغم ما يتمتع به من شخصية ملهمة
تؤهله لأن يحظى بثقة الناخبين، كما أن
لأردوغان نائبا على درجة عالية من
الكفاءة، وهو عبد الله جول الذي كان
يقود التيار المعتدل داخل حزب الفضيلة،
قبل انشقاقه، وقد ساهم في تأسيس "حزب
العدالة والتنمية"، وهو مؤهل لأن
يقود الحكومة التركية في حال فوز الحزب
بالأغلبية في الانتخابات المقبلة، فضلا
عن أن قرار اللجنة العليا يمنع أردوغان
من تولي رئاسة الوزراء، إلا أنه لا
يمنعه من تولي إحدى الحقائب الوزارية.
أما
فيما يتعلق بحزب السعادة فإن المؤشرات
تشير إلى عدم قدرته على الحصول على نسبة
10%، إلا في حالة تحالفه مع حزب آخر. ويعد
أبرز المرشحين لذلك هو "حزب الحركة
القومية".
يضاف
إلى ما سبق أن الشعور السائد بالنقمة
جراء استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور
الأوضاع السياسية والأحوال الاجتماعية
لدى الشعب التركي، فضلا عما تتعرض له
الأحزاب الدينية في تركيا من اضطهاد، كل
ذلك سوف يزيد من فرص الإسلاميين في
الحصول على تأييد قطاعات أوسع من الشعب
التركي.
وإذا
كان المشهد الداخلي التركي ينذر في مثل
تلك الحالة بمواجهة محتومة بين
الإسلاميين والعسكريين، فإن المشهد
الإقليمي والدولي يبدو أكثر اضطرابا
وتعقيدا ويحمل تحديات جمة على تركيا في
ظل تطورات الأزمة العراقية، وقضية
الأكراد، ومسألة انضمام قبرص إلى
الاتحاد الأوربي، والأزمة مع اليونان؛
الأمر الذي يحدو بالانتخابات القادمة
لأن تكتسي بأهمية خاصة، ويجعل الساحة
التركية منفتحة على مختلف الاحتمالات. اقرأ
أيضًا:
**
باحث
في مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام-
القاهرة
|