 |
|
زيارة صالح لأمريكا "كفت اليمن الشر"
|
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صار "الأمن"
هو الكلمة السحرية في السياسة الخارجية
الأمريكية، وفي هذا السياق تزايد
الحديث عن التعاون الأمني بين الولايات
المتحدة الأمريكية واليمن، بعد أن كانت
اليمن ضمن القائمة الأمريكية للدول
التي تؤوي إرهابيين، وكان من المحتمل
تعرضها لضربة عسكرية.
وقد جاءت زيارة
الرئيس "علي عبد الله صالح"
للولايات المتحدة في نوفمبر الماضي
بمثابة نقطة تحول في تلك العلاقات التي
طالما تعرضت لكثير من مراحل الشد والجذب.
ومع
ذلك يبدو أن مسار تلك العلاقات بين
الدولتين لم يتضح تماما؛ ففي الوقت الذي
تتوالى فيه الأخبار عن التنسيق الأمني
بين الطرفين تظهر أخبار مقابلة تبرز
الخلافات السياسية بين الدولتين التي
تمنعهما من توقيع اتفاقية أمنية حتى
الآن؛ لذا بدا التساؤل مُلحًا عن طبيعة
هذه العلاقات، ومدى التوافق بين
المصالح التي يتطلع كلا البلدين
لإنجازها، وما إذا كانت السياسة
اليمنية تهدف فقط للانحناء للعاصفة
الأمريكية.
ضغوط
أمريكية ورفض شعبي
لم
تكن الإجراءات التي اتخذتها سلطات
الأمن والهجرة الداخلية الأمريكية من
تشديد إجراءات التفتيش، ومنع المغتربين
اليمنيين من السفر إلا بشروط وإجراءات
قاسية.. إلا أحد مظاهر الأزمة في
العلاقات بين الدولتين. فقد بررت
الولايات المتحدة هذه الإجراءات بأن
مصلحة الهجرة والجوازات قررتها -دون
التنسيق مع وزارة الخارجية- كإجراء
احتياطي بعد واقعة التفتيش في أمتعة بعض
المسافرين اليمنيين، والعثور على مواد
كيماوية بحوزتهم، وكذلك بحجة أن
المغتربين اليمنيين يقومون بتحويل
مبالغ مالية كبيرة دون المرور على
المؤسسات المالية الأمريكية؛ وهو ما قد
يعني توجيه هذه الأموال إلى بعض
التنظيمات الإرهابية.
لكن
الدوافع الحقيقية لهذه الخطوة -كما يرى
الباحث اليمني "محمد يحيى الصبري"-
هي المزيد من الضغط الأمريكي على
الحكومة اليمنية لإنشاء شبكة خفر
السواحل التي تمكنها من السيطرة على
المنافذ البحرية لليمن؛ فالعلاقات
اليمنية الأمريكية تمر بأزمة صامتة قد
تتفاقم في وقت ما، ومن أقوى المؤشرات
لهذه الأزمة التراجع عن توقيع
الاتفاقية الأمنية التي كان من المفترض
إقرارها في وقت سابق.
وهذه
الأزمة مردها تزايد المطالب الأمريكية
بشكل يمس سيادة الدولة اليمنية،
والتحريض الأمريكي المستمر للحكومة
اليمنية لممارسة المزيد من القمع في
مكافحة ما تسميه "الإرهاب"، في
مقابل بعض الإغراءات الاقتصادية؛ كمنح
بعض التسهيلات لليمن لدى البنك الدولي،
وتقديم معونات ضئيلة كنوع من الدعاية
للسياسة الأمريكية في اليمن، مثل
اتفاقية حسن النوايا التي تم التوقيع
عليها في 30-7-2002 بين السفير الأمريكي
ووزير المالية في عدن، وتتضمن تقديم
مساعدات مالية بمبلغ 70 مليون دولار
أمريكي.
والملاحظ
أن الحكومة اليمنية فشلت في وضع ضوابط
محددة تحكمها في الاستجابة للضغوط
الأمريكية، بينما يتزايد الرفض الشعبي
للسياسة الأمريكية، وكذلك أحزاب
المعارضة ترى أن العلاقات الأمنية
اليمنية الأمريكية سرية، وتفتقد
الشفافية والوضوح.
اليمن
وقائمة الإرهاب
بالرغم
من أن أحداث 11 سبتمبر 2001، وقبلها حادثة
المدمرة كول سلّطتا الأضواء على مسألة
التعاون الأمني بين البلدين؛ فإن ذلك لا
يعني أن هذا التعاون وليد تلك الأحداث؛
فقد سبقها بعدة أعوام، وبالتحديد منذ
انتهاء الحرب الأهلية في اليمن عام 1994؛
حيث برز ملف وجود الجماعات الدينية
المتطرفة وبعض معسكرات تدريبها في
اليمن كقضية محورية في السياسة
الخارجية اليمنية مع دول عدة، في
مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا ومصر،
وسارعت الحكومة اليمنية لوضع خطة أمنية
ودبلوماسية لمواجهة هذا الملف، وتبديد
الشكوك التي كادت تدرج اليمن ضمن قائمة
الإرهاب في العالم.
ومنذئذ
بدأ التعاون الأمني الثنائي بين اليمن
والولايات المتحدة؛ ففي عام 1996 بدأت سفن
الأسطولين الخامس والسادس الأمريكية
زياراتها الروتينية لميناء عدن، الأمر
الذي وصفته الحكومة اليمنية بأنه مجرد
تسهيلات تجارية، ومن ثم بدأ البلدان
برنامج تعاون أمني منذ أواخر عام 1997،
تضمن في مرحلته الأولى تدريب المئات من
رجال الشرطة اليمنية في مجال مكافحة
الإرهاب، وبخاصة شرطة المطارات
والجمارك. وكانت أول مناورة عسكرية
مشتركة بين البلدين في مارس عام 1997،
تزامنت مع موجة زيارات غير معهودة
لخبراء عسكريين أمريكيين لصنعاء وعدن،
بلغت ذروتها في مايو 1996 حينما زار
البلاد الجنرال زيني قائد القوات
المركزية الأمريكية، وبلغ عدد الزائرين
خلال ذلك الشهر 29 خبيرا وقائدا عسكريا.
حادثة
كول والاختلاف الأمريكي
أدت
حادثة كول لتصعيد التعاون الأمني
لمطاردة المتورطين في الحادث؛ حيث بدأت
تظهر الخلافات بين الدولتين حول عدة
أمور، بدءًا من الرقابة اليمنية
المشددة على جميع تحركات فرق التحقيقات
الأمريكية التي ضاقت ذرعًا من هذا
الوضع، وانتقلت من عدن إلى صنعاء؛ حيث
لم يتغير الوضع هناك، مرورًا بكيفية
مسار التحقيق والمحاكمة، وانتهاءً
بالرفض اليمني القاطع لتسليم أي مواطن
يمني للأمريكيين.
وبدت
الإدارة الأمريكية عاجزة عن التصرف
بحسم ردًّا على الحادث، نتيجة لخشيتها
من تصعيد الموقف مع اليمن، في وقت كانت
الانتفاضة الفلسطينية في أوجها، والغضب
الشعبي العربي على السياسات الأمريكية
في ذروته، كما تزامن الحادث مع حلول
موعد الانتخابات الأمريكية، وهو ما سبب
انقسامًا داخل الإدارة الأمريكية حول
كيفية التعامل مع الحكومة اليمنية؛ حيث
كانت المباحث الفيدرالية ترى أن
الحكومة اليمنية مراوغة، وأن على
الولايات المتحدة التصرف بشكل حاسم
ومباشر مع الرئيس اليمني "علي عبد
الله صالح"، بينما كان هناك توجه آخر
تتبناه السفيرة الأمريكية في اليمن "باربارا
بودين"، تدعو فيه إلى التروي والهدوء
في التعامل مع اليمن؛ باعتبار أنها دولة
لها سيادتها واستقلاليتها.
ويبدو
أن هذا الخلاف حُسم لصالح المباحث
الفيدرالية؛ فتم تعيين السفير "إدموند
هول" -خبير مكافحة "الإرهاب"-
خلفًا للسفيرة باربارا، وأثارت أنشطته
واتصالاته مع القبائل اليمنية استياء
الحكومة اليمنية، حتى هاجمته صحيفة "الميثاق"
-الناطقة باسم الحزب الحاكم-، ودعت إلى
اعتباره "شخصًا غير مرغوب فيه" إذا
ما استمر في عدم مراعاة الأعراف
الدبلوماسية، وتناسيه أن اليمن دولة
لها سيادتها.
وكان
الرئيس بوش قد توعد بالانتقام لضحايا
الحادث، وإنشاء نصب تذكاري لهم في عدن،
لكن أحداث 11 سبتمبر حالت دون ذلك.
الضربة
العسكرية
بدأت
العلاقات اليمنية الأمريكية الدخول في
منعطف جديد بعد هذه الأحداث (11 سبتمبر)
التي تسببت في تضييق هامش المناورة أمام
الحكومة اليمنية، خاصة بعد وضع اليمن
ضمن قائمة الدول المستهدفة بضربة
عسكرية بدت شبه محققة في وقت ما.
ولإبعاد
شبح الضربة العسكرية توجه الرئيس علي
صالح لواشنطن في الثامن والعشرين من
نوفمبر 2001، والتقى بالرئيس بوش، وتم
الاتفاق على الخطوط العريضة للتعاون
الأمني الذي كان من المفترض إقرار
اتفاقية بشأنه، لكن الخلافات بين
الدولتين أدت لعدم توقيعه حتى الآن.
وكان من أبرز ما أسفرت عنه تلك الزيارة -غير
نزع فتيل الأزمة- هو الاتفاق على تدريب
الأمريكيين للحرس الجمهوري اليمني،
وبذا توقف خطر الضربة العسكرية لليمن.
وحينئذ صرح الرئيس علي صالح لقادة أحزاب
المعارضة بأنه "صرف عن اليمن الشر".
ولحق
ذلك الضربة العسكرية التي شنها الجيش
اليمني على "مأرب" بحجة امتناع
قبائل "عبيدة" عن تسليم بعض
المطلوبين، وعلى رأسهم الأهدل،
والحارثي الشخص الذي تعتبره الولايات
المتحدة الأمريكية إرهابيًّا خطيرًا.
ويرى
الدكتور "حميد العواضي" -عضو
الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام (الحزب
الحاكم)- أن اليمن كانت في وضع سيئ بعد
أحداث 11 سبتمبر، خاصة أنها تعرضت لحملة
وشاية قادتها بعض الدول العربية؛ ربما
لسوء تقدير منها، أو لخشيتها من تزايد
التقارب اليمني الأمريكي، رغم أن
الهاجس الأمني صار المحرك الأساسي
لعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع
جميع دول العالم، وأن اليمن ليست الدولة
العربية الوحيدة التي تربطها علاقات
أمنية مع الولايات المتحدة. وقد تم
التخفيف من الإجراءات العنصرية
الأمريكية ضد المواطنين اليمنيين في
الولايات المتحدة بعدما اتفقت السفارة
اليمنية مع الحكومة الأمريكية على ذلك.
ويضيف
الدكتور حميد أن علاقات التعاون الأمني
بين الولايات المتحدة واليمن تسير بشكل
جيد، خاصة أن اليمن سبق أن عانت من
الإرهاب، وتعتبر مكافحته أمرًا
ضروريًّا لضمان أمن البلاد واستقرارها؛
لذا فإن الأمر لا يستدعي أي ضغوط؛
فالحكومة اليمنية لا تتصرف إلا بدافع
مصلحتها الوطنية، والخلاف بينها وبين
الإدارة الأمريكية يدور حول تعريف "الإرهاب"
وكيفية محاربته، وكذلك إصرار الحكومة
اليمنية على استبعاد حركات المقاومة من
تصنيف الإرهاب، وهذا ما لم تتجرأ على
القول به دول عربية عديدة. لكن فيما عدا
ذلك فالبلدان تربطهما مصالح مشتركة؛
ففي اليمن تعمل عدة شركات بترول أمريكية
أبرزها شركة "هنت"، وتم في الأول من
أغسطس الحالي التوقيع على بروتوكول
يتعلق بإعادة جدولة ديون اليمن
للولايات المتحدة الأمريكية.
فكَّا
الكماشة
لم
تتوقف تصريحات المسئولين الأمريكيين عن
وصف اليمن بأنها دولة خطيرة من الناحية
الأمنية، ولعل أبرزها ما أورده الرئيس
بوش بمناسبة مرور ستة شهور على تفجيرات
مركز التجارة العالمي؛ حيث خص اليمن
بجزء لا بأس به من خطابه، ذكرها فيه بشكل
سلبي، معتبرا أن "الولايات المتحدة
تسعى لإنقاذ اليمن من التحول
لأفغانستان ثانية".. هذا الهجوم
الإعلامي على اليمن الذي اشتد من بعد
الأحداث قد لا يكون غريبًا إذا ما رأينا
الهجوم الموجه إلى السعودية -وما اليمن
بأعز على الأمريكيين من السعودية-، ولكن
الملاحظ أن مثل هذا الهجوم عادة ما
تمارسه الولايات المتحدة كنوع من الضغط
بتقديم صورة نمطية مستمرة للدولة
المستهدفة؛ تمهيدا للعدوان عليها إذا
لم تحقق الأهداف المطلوبة منها. وبذا
تكون الولايات المتحدة قد مارست
أنواعًا شتى من الضغوط على اليمن؛ من
التلويح بضربة عسكرية، والتهديد
بعقوبات اقتصادية، أو الاكتفاء بهذه
الحملة الإعلامية.
فاليمن
لها أهمية كبرى في السياسة الأمريكية؛
لقربها من منابع البترول العربي، ويزيد
من حساسية هذا الوضع أنبوب النفط الذي
من المفترض مده من السعودية إلى البحر
العربي؛ حيث يشكل هذا الأنبوب مشروعًا
إستراتيجيًّا لا بد من حمايته، وتأمين
وضع البلاد، والقضاء على وجود الجماعات
الدينية المتطرفة في البلاد.
والولايات
المتحدة أيضًا كانت دومًا تتطلع لميناء
عدن لموقعه المثالي، مع توافر البنية
التحتية فيه، وتحاول باستمرار تكثيف
وجودها العسكري فيه، كما تزايد الحديث
في وقت سابق -بالتحديد في عام 1998- عن رغبة
أمريكية في إنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة
"سقطرى" لموقعها في البحر العربي،
وطبيعتها المتنوعة، ومساحتها الكبيرة -بحجم
مساحة لبنان-، وتعد أكبر جزيرة في الوطن
العربي.
كل
ذلك أثار الكثير من الجدل في أوساط
المعارضة اليمنية، حتى صدر أول نفي رسمي
بهذا الشأن بعد ثلاثة أشهر من بيان
وزارة الدفاع الذي نفى صحة ما نشرته
الصحف عن رغبة أمريكية ببناء قاعدة
عسكرية في اليمن، وتبعه تصريح الجنرال
زيني بأن الولايات المتحدة مكتفية
بمستوى التعاون الأمني في اليمن،
مضيفًا أن الطيور الجميلة تحلق في أمان
بجزيرة "سقطرى" ولا خوف عليها.
إذن
الحكومة اليمنية واقعة بين فكي كماشة:
فك خارجي بأطماع أمريكية كبيرة مصحوبة
ببطش لا حدود له، تدعمه ظروف إقليمية
مواتية؛ إذ قد لا تكتفي الدول العربية
بالصمت، بل قد يساعد بعضها بزيادة الضغط
عليها لمبررات عدة، قد تكون لغضبها
وخشيتها من التواجد العسكري لبعض
الجماعات الدينية في اليمن، أو لقلقها
المتزايد لطموح اليمن الدائم للعب دور
أكبر في الجزيرة العربية، تؤهله لذلك
كثافتها السكانية وحركية مجتمعها.
وفك
داخلي يغذيه تنامي السخط الشعبي من
السياسة الأمريكية في المنطقة العربية،
الرافض لأي تواجد عسكري أمريكي في
البلاد، ومن أقوى مؤشراته تلك
التفجيرات التي تتلقاها المصالح
الأمريكية، مثل التفجير الذي نال
السفارة الأمريكية في اليمن بعد مرور 24
ساعة فقط على زيارة ديك تشيني نائب
الرئيس الأمريكي لصنعاء؛ فالحكومة لا
يمكنها الخضوع للمطالب الأمريكية،
والدخول في مواجهه مع القبائل المسلحة
في "مأرب" و"الحوف" و"شبوة"،
خاصة أنها مناطق بترولية لها أهمية
اقتصادية أكبر بكثير من المساعدات
الأمريكية التي لم تتجاوز 500 مليون
دولار أمريكي خلال عشر سنوات من عام
1990-2000.
اقرأ
أيضًا:
**باحثة
يمنية في الشؤون السياسية
|