بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


انهيار ماشاكوس يعزز الموقف المصري

جارانج ينقذ السودان من نفسه!

04/09/2002

محمد جمال عرفة 

كان رد الفعل الأول للرئيس السوداني عمر البشير على هجوم حركة التمرد في جنوب السودان على مدينة "توريت" واحتلالها هو قوله: إنها "إرادة من الله لأن تظل جذوة الجهاد مشتعلة حتى ترتفع الراية"، وأضاف: سنعلنها حرباً، وإنا منتصرون فيها بإذن الله، وسنقاتل حتى تعود توريت وكبويتا.

ثم وقف البشير على طريقة الفارس العربي القديم يلوح بعصاه -في جنازة أحد الضباط الذين قُتلوا في توريت- ويقول: "المتمرد جارانج ومن خلفه لم يعرفونا حق المعرفة، فليسألوا عنا.. كل سياسات الضغط والاحتواء ضدنا فشلت".

ويبدو أن قائد حركة التمرد قدّم من حيث لا يدري بهجومه على توريت مكسبا كبيرا للخرطوم، ربما يزيد من أوراق الربح التي في يدها، وبشكل يمكن معه القول: إن جارانج أنقذ -بهجومه الأخير– السودان من نفسه بعدما كاد اتفاق ماشاكوس يشعل خلافات داخلية كبيرة بين الشماليين الرافضين له، إضافة إلى توترات في العلاقات السودانية مع دول الجوار العربية، خصوصا مصر وليبيا على النحو التالي:

  1. أصبحت الخرطوم عقب الهجوم على توريت ووقف مفاوضات ماشاكوس هي الضحية؛ بما يعني توجيه الضغوط الدولية (الأمريكية تحديدا) على جارانج.

  2. وجد البشير بذلك الفرصة لتخفيف خلافه مع مصر بخصوص اتفاق ماشاكوس الذي هاجمته مصر ورفضت المشاركة في مرحلته النهائية.

  3. في حالة استئناف المفاوضات التي تم تعليقها مرة أخرى ستكون الكلمة العليا للخرطوم لا المتمردين؛ بما يسمح بالتراجع عن بعض التنازلات، خصوصا ما تردد عن قبول الخرطوم ضم مناطق أخرى في الجنوب مثل النوبا للقسم الجنوبي الذي سيحظى بحق تقرير المصير.

  4. سيضمن البشير بذلك إعادة توحيد القوى السودانية المختلفة، وحشد المعارضين والمؤيدين خلفه لتحرير الأرض المحتلة في الجنوب، خصوصا بعدما أبدت قوى سودانية مختلفة تحفّظها على الاتفاق، وعلى فصل الجنوب، ومنها جناح الشيخ حسن الترابي، وجناح آخر في جماعة الإخوان المسلمين.

  5. أضعف هجوم جارانج على توريت هيبة دول منظمة (الإيجاد) – ملخص لعبارة "السلطة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف"- المجاورة للسودان التي كانت الضامن لنوايا جارانج؛ وهو ما سيفتح الطريق أمام المبادرة المصرية الليبية التي تم دفنها بعد ماشاكوس للتقدم.

  6. أضعف هجوم جارانج الأخير زعيم التمرد نفسه؛ إذ كان الهدف الأساسي منه – كما يقول محللون سودانيون- هو محاولة الاستجابة لضغوط صقور في حركة التمرد ينتمون للمناطق التي رفضت الخرطوم أن يشملها بروتوكول ماشاكوس لحق تقرير المصير، ولكن انتهى الأمر إلى إثبات أن هؤلاء لا يخضعون بذلك لسلطة جارانج، وأنه غير قادر على السيطرة على قواته العسكرية، وعليه أن يثبت العكس قبل استئناف المفاوضات.

إكرام الميت دفنه!

صحيح أن جولة مفاوضات ماشاكوس كان من المفترض أن تنتهي في 14 سبتمبر الجاري 2002، وأن المفاوضات كانت تمر بعقبات كبيرة لأنها تناقش أخطر القضايا المتعلقة بالحكم وتقسيم الثروة في السودان؛ وهو ما دفع الرئيس البشير لإرسال مبعوث خاص للمفاوضات لتقديم العديد من المقترحات.. إلا أنه كان هناك أمل في التوصل لأي اتفاق، خصوصا في ظل الدعم الأمريكي والبريطاني عبر مبعوثي البلدين للسودان.

فقد عاد المتمردون للمطالبة بضم مناطق جبال النوبا والنيل الأزرق ومنطقة أيبي تحت ضغط بقية فصائل حركة التمرد المنحدرة من هذه المناطق ( قادة الانفصال في هذه المناطق حضروا المفاوضات الأخيرة في نيروبي، وكانوا يقولون للصحفيين إنه لا علاقة لنا بجارانج ولا نوافق على هذه المفاوضات!).

كما عادوا للمطالبة بحكومتين في الجنوب والشمال، وإلغاء تطبيق الشريعة في العاصمة الخرطوم مثلها مثل مدن الجنوب، ورفض جارانج فكرة أن يُعين هو نائبا للرئيس السوداني – وفق اقتراح أمريكا والإيجاد بأن يكون الرئيس مسلما والنائب مسيحيا– وتمسك برئاسة الحكم في كل السودان لفترة 3 سنوات هي نصف الفترة الانتقالية (ستة أعوام قبل حق تقرير المصير) على أن يرأس البشير فترة النصف الآخر من الحكم الانتقالي!.

كذلك قال القائم بالأعمال في السفارة السودانية في نيروبي أحمد الدرديري: إن سقوط توريت ليس السبب الوحيد لانسحاب الخرطوم من المفاوضات، وإن المقترحات التي قدمها المتمردون بشأن تقاسم السلطة تتعارض مع اتفاق ماشاكوس، لا سيما بشأن هيكلية الحكم؛ حيث يصرون على المطالبة بالكونفدرالية (دولتان منفصلتان) خلال الفترة الانتقالية.

وقال الدرديري: إن السبب الثاني هو أن الحكومة تشعر بأن المفاوضات غير مجدية بعد أن كثف المتمردون نشاطهم العسكري منذ الشهر الماضي، في غياب اتفاق لوقف إطلاق النار، كما أعادوا إثارة مسألة الدين والدولة بالدعوة لعاصمة لا تطبّق فيها الشريعة الإسلامية، والرغبة في توسعة حدود الجنوب.

بل إن عضو هيئة قيادة "التجمع الوطني" والقيادي في حزب "مؤتمر البجا" عبد الله محمد أحمد كفة وصف أجواء المفاوضات بالقول: "إن الأيام السابقة اقتصرت على إلقاء محاضرات من خبراء أمريكيين أمام وفود الحكومة والحركة الشعبية والتجمع الوطني"، وإن "المحاضرات ركزت على فن التفاوض وتقويم بروتوكول ماشاكوس"!

بعبارة أخرى: كانت المفاوضات عالقة ولا تسير سيرا حسنا رغم التنازلات الحكومية، وكانت في أوقات أخرى شبه ميتة لعدم تحقيق تقدم رغم اقتراب التاريخ المحدد سلفا لإنهاء المرحلة الأولى منها. ولأن إكرام الميت دفنه؛ فقد كان أهل الميت (الحكومة وحركة التمرد) ينتظرون الفرج ويؤخرون الدفن؛ أملا في أي جديد، وجاء الهجوم على توريت لينقذ الموقف!

الدور المصري.. هل ينشط؟

ومثلما أضعف الهجوم على توريت –التي تعد ثاني كبرى مدن الجنوب بعد جوبا واحتلالها- موقف دول منظمة الإيجاد، فقد أنعش الأمل في العودة القوية للمبادرة المصرية الليبية، أو على الأقل وفّر فرصة جديدة لمصر وليبيا للعودة للتدخل في هذا الملف المهم الذي يمس الأمن القومي للبلدين وللعرب ككل بعدما سحبت مصر نفسها احتجاجا ولم تشارك في المفاوضات.

وقد سعى المسئولون السودانيون لخطب ود مصر وليبيا مرة أخرى، حتى إن وزير خارجية السودان أطلق تصريحات في زيارته الحالية للقاهرة تتطابق مع تصريحات المسئولين المصريين، مثل: "إن الرئيس حسني مبارك على حق فيما قاله من أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى فوضى في أفريقيا".

وكان الموقف المصري الرسمي الرافض للمشاركة في الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس والمتحفظ على بروتوكول ماشاكوس الأول قد أثار غضب السودانيين الذين يأخذون كل موقف مصري معارض لهم بحساسية شديدة، كما لفت هذا الموقف أنظار خبراء ومحللين مصريين اعتبروه بمثابة تسليم للملف السوداني لأيد أجنبية بعدما رفعت مصر يدها.

بل إن ندوتين لاتحاد الأطباء العرب ومنظمة حقوق الإنسان بالقاهرة -عُقدتا الشهر الماضي والجاري- خلص المشاركون فيهما إلى دعوة مصر لمزيد من المشاركة في المفاوضات السودانية المصيرية، وعدم ترك الملف لأمريكا تلعب به كيفما تشاء.

ولكن يجب أن نشير هنا إلى رأي آخر يؤكد أن مصر تم إبعادها من مجموعة الوسطاء في حل الشأن السوداني بضغوط أمريكية، ولم تختر هي ذلك من البداية، حتى إن قياديين في التجمع السوداني المعارض قالوا إنهم نقلوا إلى الإدارة الأمريكية أن أي حل لا يضم مصر والتجمع الوطني هو حل ناقص.. وكمن يحرث في البحر!!

وبصرف النظر عن حقيقة الموقف المصري، فقد أعطى وقف المفاوضات مع المتمردين لمصر دورا جديدا، وأعطى كذلك دورا جديدا للعرب؛ ولهذا وضع وزراء الخارجية العرب على رأس جدول أعمالهم بالقاهرة –بالإضافة للعراق– ملف السودان.

واتفق وزير الخارجية السوداني مصطفى إسماعيل مع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى على طرح قضايا مهمة في المناقشات مثل: تعيين مبعوث للأمين العام للسودان (على غرار المبعوثين: الأمريكي والبريطاني والكندي!)، وتشكيل لجنة وزارية عربية لمتابعة الملف السوداني، والعمل على تنشيط صندوق الجامعة العربية لإعمار جنوب السودان.. وكلها مطالب تقف وراءها القاهرة.

مصير الوساطة الأمريكية

في حوار نظمته السفارة الأمريكية بين المبعوث الأمريكي للسودان وصحفيين مصريين يوم 16 أغسطس 2002 قال جون دانفورث: إن السودان لم يطلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لحل مشكلة الجنوب، ولكن "الولايات المتحدة هي التي تدخلت دون أن يطلب منها أحد"!.

وبرر دانفورث سر التدخل الأمريكي والاهتمام الزائد بشئون السودان بأن "الرئيس بوش مهتم جداً بالسودان، وأنه تشجع بعد ما تم في ماشاكوس"!.

 وأشار إلى أن الرئيس بوش أكد له أن السودان لو تمكن من حل مشاكله فإن أي مكان آخر في العالم سوف يتمكن من حل مشاكله!.

وبعد ساعات قليلة من إعلان السودان الانسحاب من مفاوضات السلام وإعادة وفد التفاوض وإعلان التعبئة العامة للجيش السوداني، سارعت واشنطن لانتقاد وقف المفاوضات، وصرح "وولتر كانستاينر" مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية للصحفيين بأن الولايات المتحدة تشعر "بخيبة أمل شديدة نتيجة قرار حكومة جمهورية السودان تعليق مشاركتها في محادثات ماشاكوس للسلام بصفة مؤقتة"، ودعا إلى ضرورة استئناف محادثات السلام، وناشد الحكومة والجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان العودة إلى محادثات ماشاكوس في أسرع وقت ممكن.

ومن الواضح أن مسارعة الولايات المتحدة لانتقاد تعليق المحادثات يكشف مدى الاهتمام بنجاحها لأسباب عدة، منها الاحتياطيات النفطية الهائلة في جنوب السودان التي لم تُمسّ بعد، والتي يرغب النسر الأمريكي في نشر جناحيه عليها.

ولكن واشنطن ستكون مضطرة هنا لممارسة ضغوط على حركة التمرد أكبر من تلك التي ستمارسها على الخرطوم لوقف الحرب واستئناف التفاوض، خصوصا أن البشير حرص على إلهاب مشاعر السودانيين وتحريك الشارع السوداني كله ليتوجه للجنوب لقتال المتمردين وإعطاء انطباع بأن المفاوضات لن تعود قبل تحسين الموقف العسكري الحكومي في الجنوب.

وبقدر أهمية المصلحة الأمريكية في السودان سيكون التحرك الأمريكي المقبل، خصوصا أن واشنطن تدرك أن وقف التفاوض ورفع لواء الحرب سيزيدان من التقارب السوداني – العربي، وهو أمر تسعى لتحييده، والانفراد بالسودان، وكادت تنجح فيه لولا حماقة جارانج الأخيرة.

صحيح أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون أفريقيا صرح بنقد الخرطوم، وشدد -ردا على مطالب في الشارع السوداني بإعادة النظر في الاتفاق السابق مع المتمردين- بأنه "لا يمكن إعادة النظر في اتفاق ماشاكوس أو العودة إلى الوراء"، ولكنه حرص أيضا على تأكيد أن الحكومة السودانية تعتبر أن "تعليق المفاوضات مؤقت"، وأن اتفاق ماشاكوس "ينبغي أن يبقى حجر الزاوية لاتفاق سلام نهائي، ولا يمكن العودة إلي الوراء، أو محاولة إعادة النظر فيه"!.

توريت.. حمل كاذب!

ولكن يظل السؤال: لماذا هاجم جارانج توريت؟

هنا يشير الكاتب السوداني علي إسماعيل العتباني في صحيفة "الراية" السودانية إلى مسألة هامة تتعلق بالخلاف الذي نشب داخل حركة جارانج عقب توقيع الاتفاق، كما حدث خلاف مماثل في الخرطوم.

حيث يؤكد أن التمرد لو كان يريد توريت لكانت الحركة انتظرت انتهاء مفاوضات ماشاكوس ومرحلة الفصل بين القوات، وحرية حركة مسئولي التمرد سلمياً في كل مدن الجنوب، ولكن يبدو أن الأمر برمته مزايدة داخلية من جانب جون جارانج لامتصاص ضغوط شديدة من بعض فصائله، خصوصاً الانفصالية منها.

فالحكومة في يدها أهم الكروت التي تمثل عصب الجنوب كمدينة جوبا -خط الدفاع الأول عن البلاد- وفي يدها مناطق البترول وواو وملكال، وهي مسيطرة تماماً على الممر المائي في الجنوب، وكل ما عدا ذلك من مدن ومواقع يمثل ما يمكن تسميته "الحمل الكاذب" التي تزايد به المرأة التي لم يكتب لها الله تعالى الإنجاب للمحافظة على بعلها!!

وطبيعي أنه لن يكون عاقبة الحمل الكاذب إلا الوهم الكبير، أي إن هجوم جون جارانج على المدن لن يغير من واقعه الداخلي، والمأزق الكبير الآن الذي يحيط به حيث إن ورقة جبال النوبا وجيش جبال النوبا المقدرة باثني عشر ألف مقاتل تخرج من تحت جناحه، وكذلك جيش مناطق الأنقسنا وجنوب النيل الأزرق.

والمعلومات المؤكدة تشير إلى أن الانفصاليين الذين لا يريدون وحدة السودان يحاولون استدراجه للتصعيد العسكري لتحقيق مكاسب سياسية فارغة، استسلم لها جون جارانج وسلم إرادته للانفصاليين وأصبح خاضعاً لابتزازهم؛ وهو ما يكشف حالة ضعفه.

بعبارة أخرى: سعت الحكومة من وراء وقف التفاوض إلى معرفة حقيقة سيطرته على قواته، وهل لا يزال جون جارانج فعلاً الرجل القوي المسيطر داخل صفوف الحركة؟ أم أن هناك زعامات وواجهات أخرى أصبحت تتصدى للعمليات العسكرية وأصبحت هي المسيطرة على زمام الأمور، في حين أن جون جارانج أصبح خارج إطار السيطرة؟

مصير الجنوب لن يتحدد بالتالي في ماشاكوس، قبل أن يتحدد في توريت وكبويتا وما حولها من مدن.

اقرأ أيضا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع