English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي 

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


اللهم بارك في أمريكا

04/09/2002

إمام أبو ليث لقمان أحمد*- كاليفورنيا
ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي

الوطنية لا تستلزم رفع العلم الأمريكي

هل لنا أن نسعى -كمسلمين أمريكيين– وراء اقتطاع جزء من الكعكة الأمريكية، أم علينا أن نتمسك بهويتنا الإسلامية داخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ فنأخذ من الوطنية ما يتماشى فقط مع إسلامنا؟ إلى أي مدى يمكن أن تصل درجة انتماء المسلم الأمريكي للوطن الأمريكي؟

هل تتناقض الوطنية الأمريكية مع الإسلام؟ هل تحية العلم الأمريكي.. وتقبيل التراب الأمريكي يعارض الإسلام؟ وما هو الأفضل للمسلم الأمريكي.. أن يلف نفسه "بالعباءة الوطنية"، ويفتخر بها، أم يتمسك -وبإصرار– بفكرة "أننا جميعًا مسلمون"؟ وأخيرًا: هل يختلف المسلم الأمريكي المهاجر عن المسلم الأمريكي المولد والمنشأ؟

بمعنى آخر: هل تختلف الأجندة الوطنية بين هذا وذاك؟ تساؤلات كثيرة.. تثير قدراً كبيراً من البلبلة والحيرة. ولعله من الأحسن أن نتجه مباشرة لإجابة هذه الأسئلة قبل التطرق إلى المنظمات الوطنية المسلمة التي تدعي أنها تمثل المسلمين الأمريكيين.

وقبل تحديد "مدى الوطنية" -التي يجب أن نلتزم بها كمسلمين أمريكيين– علينا أولاً توضيح مفهوم الوطنية، وما ينطوي وراءها. فالحقيقة.. أن كثيراً من المسلمين -الذين ولدوا بالأراضي الأمريكية- قد نهلوا جل إدراكاتهم وقناعاتهم السياسية من العلماء المسلمين الذين أتوا مهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. فمن خلالهم قاموا بتكوين وتشكيل رؤيتهم للدولة التي نشئوا فيها.

لقد مر بنا وقت رأينا فيه هؤلاء العلماء يفدون على الولايات الأمريكية (أو يتكلمون على الهاتف) لينهونا عن التدخل في السياسة الأمريكية.. فهم يرونه حرامًا! كما حذرونا من الالتحاق بالقوات المسلحة.. فعلينا أن نكره الحكومة الأمريكية.. وأن نكره أمريكا. وحتى هذه اللحظة يوجد الكثير من العلماء المسلمين -الذين ينظرون إلى فكرة "الحرب ضد أمريكا"- كنوع من الواجب أو الفرض الإلزامي على كل مسلم ومسلمة.

عندما تم تفجير مبنى "البنتاجون" في الحادي عشر من سبتمبر الماضي كانت أمي تعيش على بُعد أميال معدودة من المبنى.. لا أعرف ماذا سيكون رد فعلي وقتها، إذا علمت أن أمي قد أصابها مكروه؛ أو إذا تم تفجيرها هي الأخرى؟ وبالرغم أنني –حتى الآن– لا أؤمن على الإطلاق بتلك "القصة الطويلة العريضة" المتعلقة "بكره المسلمين" على أساس أنهم إرهابيون؛ فأنا لا أشعر بأن ذلك ينال من وطنيتي وشعوري بالانتماء لوطني الأمريكي.

فكر العلماء المهاجرين

إن الوطنية لها ميزاتها، وقد أدرك ذلك الأمر "إمام وريث دين محمد" الذي كان من أوائل الزعماء المسلمين الأمريكيين الذين اعترفوا بأهميتها.. فهو الذي سمح بإظهار وإشهار العلم الأمريكي في المسجد. وبالرغم من أني لم أوافق ساعتها على ذلك الأمر؛ وبالرغم من أني ما زلت غير متأكد من تأييدي له، فإنني أستطيع أن أتفهم المغزى الذي وراءه.

وتحت قيادة "إمام وريث دين محمد" تشجع المجتمع المسلم الأمريكي على التعامل بعمق مع السياسة الأمريكية، بالرغم من توافد الكثير من المهاجرين الذين كانوا يعارضون ذلك. وظل المهاجرون متمسكين بذلك الرفض، حتى ظهر منهم من بدأ في تأسيس منظمات أمريكية إسلامية مثل AMA , MPAK, CAIR، فوجدوا مصالحهم في الاندماج مع السياسة الأمريكية؛ وهو ما دفعهم إلى تشجيع المسلمين المتواجدين في الولايات الأمريكية على الانصهار في بوتقة الوطنية الأمريكية. وصارت تلك المنظمات تدعي أنها ممثلة "للمسلمين الأمريكيين".

في الماضي كانت تمر علينا بعض اللحظات -وحتى الآن– عندما "يهل" علينا شيخ مهاجر ليعلن رؤيته الإسلامية للعالم.. فيقول: "إن أمريكا هي الشر بعينه؛ وإنها كافرة.. ومن ثم، فهي عدوة للإسلام".. فإذا بالأمريكي –فور تحوله إلى الإسلام– يعلن كرهه وبغضه للدولة الأمريكية والشعب الأمريكي، بل للغرب كله. فالأمريكي المسلم –في النهاية- يقوم بطمس هويته الأمريكية من أجل التضامن مع إخوانه المسلمين وأخواته المسلمات القادمين أو الوافدين من الخارج؛ فأصبح لزاماً علينا –نحن المسلمين الأمريكيين- أن "نكره أمريكا" حتى نفوز بتأييدهم وبتشجيعهم. وصار مفهوم "المسلم الأمريكي" غائباً. أما الآن.. فقد اختلف الوضع تماماً بعد أن صارت أجندة المسلم الأمريكي المنشأ والمولد بعيدة تمامًا عن أجندة المسلم المهاجر إلى أمريكا.. فأصبح مفهوم الوطنية خاضعًا لمعيارين مختلفين.

الوطنية لها أوجه مختلفة

إن الوطنية لها أوجه مختلفة ومتعددة، ولها معانٍ متباينة بين البشر. ولذا فلا يمكن أبداً تجسيم أو تمثيل الوطنية في صورة واحدة مثلما فعلت منظمة MPAC  حينما وجهت المسلمين الأمريكيين إلى الخروج من بيوتهم للاحتفال بالرابع من يوليو (يوم الاستقلال). والحقيقة أني تعجبت جداً من هذا التوجيه الذي لن يفعل شيئاً سوى نيله من كرامة المسلمين الأمريكيين. فأتخيلهم واقفين يهتفون بالأعلام تارة، ويشاهدون الأعمال النارية وهي تتلألأ في السماء تارة أخرى.. كلها ممارسات إن دلت على شيء، فإنما تدل على "وطنية مصطنعة"، تعكس مدى البؤس والإحباط الذي وصل إليه المواطن المسلم الأمريكي، وفقدان أمله في حيازة القبول من قِبل المجتمع الأمريكي، كما تعكس وجهة النظر القائلة بأن المسلم الأمريكي إنما يتظاهر بالوطنية ولكنه "يخفي" أجندة أخرى. وبالمناسبة.. فأنا لست ضد الخروج للاحتفال بالرابع من يوليو، ولكني ضد من يأتيني ليخبرني كيف أكون وطنياً.

إن الشعور بالوطنية ليس شعوراً واحداً في وسط المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وإنما يتفاوت من مسلم أمريكي إلى آخر.. فبعض المهاجرين يرون في إظهار وطنيتهم و"إشهارها" الأسلوب الأمثل لتحقيق الاندماج في داخل المجتمع الأمريكي. وعلى النقيض نجد المسلمين الذين ولدوا وترعرعوا بالأراضي الأمريكية لا يرون "هذا الإظهار" ضرورياً؛ بل يرون أن الوطنية تقوم أساساً على حرية الاختيار.. فأنت في أمريكا لك الحق في أن تختار بين رفع العلم أو عدم رفعه.

عندما أتجول بسيارتي عبر الولايات الأمريكية.. أجد نفسي أتأمل نِعم الله -سبحانه وتعالى- التي أسبغها على طبيعة هذه البلاد؛ من جبال شاهقة، إلى بحيرات ساحرة، إلى مساحات شاسعة ممتدة لأميال وأميال.. فأرى نفسي بعد كل ذلك أشعر بالعزة والفخر لانتمائي إلى هذه البلاد. ومن ثم فلا أجد نفسي مضطراً لأنشد الأنشودة الوطنية "اللهم بارك أمريكا" (God bless America)، ولا أجد نفسي مجبراً لإلصاق العلم الأمريكي على مؤخرة سيارتي.

أمر مُحير

أقر وأعترف أنه ليس لدي إجابة شافية عن التساؤل الذي يراود كل المسلمين الأمريكيين، وهو: ما هو القدر المطلوب من الوطنية؟ وما هو القدر غير المطلوب من الوطنية؟.. ولكنني بالرغم من ذلك أستطيع أن أصرح –وبوضوح– بعدم موافقتي لأي من الرأيين المتطرفين لهذه القضية. فلا أنا مؤيد للرأي القائل بوجوب الخضوع أو الاستسلام الكامل لمبدأ الوطنية، سواء بسبب أو بدون سبب.. ولا أنا مؤيد للرأي القائل بوجوب صب الكره المطلق على كل ما هو أمريكي بدون إيجاد رؤية إسلامية صحيحة. ومن وجهة نظري إن إجابتنا على هذا التساؤل: الوطنية.. نعم أم لا؟ تتحدد من خلال قياسنا للإيجابيات والميزات التي ستعود علينا كمسلمين أمريكيين؛ سواء كنا عربًا أو زنوجًا أو مهاجرين أو باكستانيين.

ليس لنا علاقة بالشرق الأوسط

ذهب إمام إفريقي أمريكي -زايد شاكر– في مؤتمر أخير تابع لمنظمة MSA إلى أنه من الأفضل لنا كمسلمين يعيشون في أمريكا أن ننأى بأنفسنا بطريقة أو بأخرى عن الأمور المتعلقة بالمسلمين في "الشرق الأوسط"؛ بل في كل أنحاء العالم.. طبعاً امتعض البعض منا من هذا التوجه.. ولكننا إذا أمعنا الفكر في طبيعة السياسة العالمية التي ندور في فلكها اليوم، فسنجد أن كلام الإمام زايد فيه الكثير من المنطق.

صحيح أننا بصدد "تراجيديا" حقيقة تحصد أرواح المسلمين في شتى بقاع الأرض، ولكن أمريكا ليست هي المتهمة الوحيدة، والدليل على ذلك الحالة المزرية التي وصلنا إليها في العالم كله.. ففي جميع بقاع العالم الإسلامي يقوم "القادة المسلمون" بعقد الصفقات و"الاتفاقيات" مع حكومتنا الأمريكية.. فكل أنواع الفساد والجاسوسية تحدث في الخفاء ومن وراء أعيننا وبدون علمنا. ولذا فمن الأفضل لنا أن ننأى بأنفسنا عن جميع تلك الأمور من أجل الحصول على أكبر قدر من التوازن الإسلامي الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية.

ندين بالشكر لأمريكا

لا نستطيع أن ننكر أبداً أن الدولة الأمريكية أتاحت لنا فرصاً كثيرة، لا تقتصر فقط على السماح لنا بممارسة قدر كبير من ديننا الإسلامي، وإنما تمتد للسماح لنا بإقامة مجتمعات إسلامية تساعد على نشر روح ديننا الحنيف. ومن هذا المنطلق أرى أن حبنا لهذه البلاد -بدرجة معينة- لا بد أن يأتي بطريقة طبيعية ومنطقية.

وهذا طبعاً لن يمنعنا من ممارسة حقنا في توجيه اللوم والانتقاد ضد ما نراه حالياً من تدهور حاد في الأخلاق، يشتمل على الزواج المثلي، والإجهاض، وإبراز موضوع الجنس في الإعلام سواء بطريقة معلنة أو بطريقة ضمنية. ولن يمنعنا أيضًا من واجبنا تجاه دعوة الآخرين إلى طريق الله، مستخدمين الحكمة والموعظة الحسنة كأسلوب أمثل في الدعوة. وفي وسط كل ذلك يمكننا -إذا أردنا- الاحتفاظ بشعورنا الوطني تجاه أمريكا. ولن ينمو شعورنا هذا بهدف الحصول على "البطاقة الخضراء"؛ وإنما ينمو نتيجة للبيئة المتواجدة حولنا، وكيفية تعاملها معنا. وقد توجد مقولة قديمة تقول: "لا تعض اليد التي تطعمك!".

وضع المسلمين الأمريكيين

إننا كمسلمين أمريكيين -نشأنا في الولايات المتحدة الأمريكية– ليس لدينا وطن آخر نعود إليه.. فأمريكا هي وطننا، سواء رضينا أم لم نرض. بالطبع.. يمكننا الهجرة إلى أي بلد مسلم مجاور، أو حتى غير مجاور. ولكن من هي الدولة المسلمة التي سترضى باستقبال هذا الحشد الهائل من المسلمين، خاصة المسلمين الأفارقة؟ حتى ولو استقبلتنا تلك الدول فلن يتيسر لنا قدر الحرية الذي نتمتع به على الأراضي الأمريكية. وأكبر دليل على ذلك ما فعلته الدولة الكويتية مع الفلسطينيين بعد حرب الخليج، عندما طردتهم بسبب تأييدهم لصدام حسين مع العلم أنهم عرب. فلك أن تتخيل كيف يمكن للكويت -أو غيرها- أن تعامل الأمريكيين الزنوج المسلمين إذا حدثت معهم مشكلة ما.

في الحقيقة لا أرى أي عيب أو حتى حرمة في أن نشعر بقدر من الوفاء والولاء لوطننا الأمريكي، الذي يوفر لنا خدمات عديدة ومختلفة على كل الأصعدة، بالرغم من اختلاف ديننا. وكما يقول الله عز وجل في سورة الممتحنة (آية 9): "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".

وعموماً، فإن الشعب الأمريكي ليس لديه مشكلة كبيرة مع المسلمين؛ فمع مرور الوقت.. نصير نحن أكثر تأقلماً مع الثقافات الأخرى، وأكثر تقبلاً لها. ولكن على الوجه الآخر لا أستطيع إنكار حقيقة حكومتنا التي تورطت طويلاً في تاريخ مشبوه سيئ السمعة. فهي لا تتورع أن تضع أي أحد في "القائمة السوداء" –إذا ما صار معرقلاً لمصالحها– حتى ولو كان يردد طوال الوقت الأنشودة الأمريكية الوطنية "God bless America".. فالوطنية ساعتها لن تجدي.

 

الوطنية الحقيقية

بيت القصيد أننا إذا أردنا أن نكون وطنيين حقيقيين؛ فعلينا أن نسعى بإصرار إلى جعل "الأرض الأمريكية" مكاناً أكثر أمناً وأماناً.. علينا أن ننتهج وجه الإسلام الصحيح المنصف الحق الشامل.. علينا أن نأخذ الأمور الأخلاقية في الاعتبار.. علينا أن نهتم بالبيئة التي حولنا.. فنساعد المشردين من خلال أموال الزكاة، ونمحو الفقر من خلال الصدقات، ونطور أساليب وطرقاً جديدة في التعليم تعتمد على عبادة الله الواحد الأحد. وبالنسبة لموضوع فلسطين، فهو بالتأكيد موضوع جدير بالاهتمام.. ولكن الشعب الأمريكي لن يعول عليه كثيراً؛ وإنما سيعول على كيفية إبرازنا لروح التضامن الموجودة في الإسلام.

ومن الناحية الأخرى، فإن كنت تنوي بينك وبين نفسك أن تكره أمريكا فلك كل الحق في ذلك، ولك كامل الحرية في ذلك.. ولكن بشرط: وهو ألا يدفعك هذا الكره إلى الاعتداء على حقوق الغير. وبالرغم من أن ولاءنا للوطن الأمريكي يحتل جزءاً كبيراً من حياتنا كمسلمين أمريكيين؛ فإن ولاءنا الأول والأخير سيظل لله سبحانه وتعالى. فنحن مسلمون، ولا بد أن نظل هكذا.. ولن تضرنا الوطنية في شيء.

إن أمريكا تطلق على نفسها "شعب واحد تحت حماية الله".. فمتى سنتعلم نحن المسلمين أن نكون "شعبا واحدًا تحت حماية الله"؟

اقرأ أيضًا:


* إمام مسجد إبراهيم في ساكرامينتو بولاية كاليفورنيا.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع