 |
|
فقراء المغرب ينتظرون بارقة أمل
|
يكاد
المهتمون بالشأن المغربي يُجمعون على
حقيقة الطابع الاستثنائي الذي تكتسبه
انتخابات السابع والعشرين من شهر
سبتمبر الجاري، المتمثل بالأساس في
أن هذه الانتخابات ستشكل الاختبار
الرئيسي الأول لمصداقية عملية التحول
نحو الديمقراطية الجارية في المغرب
منذ تشكيل حكومة التناوب بقيادة الزعيم
الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998.
والثابت-
برأي عدد من المحللين المغاربة- أن
شفافية الانتخابات التشريعية الجديدة
ونزاهتها ستفسح المجال واسعا لتكريس
حياة سياسية ذات نكهة مختلفة في البلاد،
تجعل من صناديق الاقتراع وإرادة
الناخبين العامل الأساسي في صناعة
أجهزة الحكم ومؤسساته، ومن التناوب على
السلطة والرقابة البرلمانية على
الحكومة والتفريق بين السلطات، دعائم
ثابتة للنظام السياسي الجديد الذي
يتطلع الملك الشاب محمد السادس إلى
بنائه.
وبالمقابل،
فإن أي عملية تلاعب أو تزوير في النتائج
الانتخابية، على نحو يؤكده جل الأحزاب
والأطراف المشاركة ستفضي إلى ضربة
قاضية لذلك المسار الذي مثّل لكثير من
المغاربة بارقة أمل، في ظل أزمة معيشية
اقتصادية واجتماعية خانقة، سيكون من
الصعب على المؤمنين بالخيار الديمقراطي
تطويق آثارها السلبية البائسة.. لعل
أشدها خطورة إصابة شرائح المجتمع
الواسعة المعنية بالتغيير بالانتكاسة
وانكسار الأمل، وهو ما
قد يجعل البلاد تنزلق مجددا إلى
الخيارات الشمولية والقمعية القاسية
التي جربت على نحو متكرر في العهود
السابقة.
ويدرك
القائمون على الحكم في المملكة
المغربية -كما تشير بعض المصادر
الموثوقة- أكثر من غيرهم هذه الحقيقة.
ولهذا فإن لديهم حرصا كبيرا على أن تحوز
الانتخابات الجديدة على ثقة أكبر عدد
ممكن من المواطنين والأطراف السياسية،
وأن يساهم ذلك في إقناع الرأي العام
المحلي والإقليمي والدولي بأن قرار
التغيير الذي اتخذ أواخر عهد الملك الراحل
الحسن الثاني لا رجعة عنه، خاصة وقد
تحول إلى عنوان رئيسي في برنامج ما أضحى
يعرف بـ "العهد الجديد"، الذي دشنه
الملك الحالي محمد السادس.
غير
أن التحدي المطروح على أهل الحكم في
المغرب -مثلما تشير إلى ذلك دوائر مقربة
منهم- والذي قد يجدون صعوبة في مواجهته، هو
كيفية التوفيق بين الانتخابات التي يجب
أن تكون نزيهة، وضمان إنتاج هذه
الانتخابات لخريطة سياسية لا تشكل "زلزالا"
على غرار ما جرى في مطلع التسعينيات في
الجارة الشرقية الجزائر؛ وبما يضمن
مصالح دوائر نافذة في الحكم أو حوله لن
تقف ساكتة إذا ما لاح لها خطر يهددها،
خصوصا وهي تملك العديد من الأوراق
الهامة، التي يمكن أن تلعبها لعرقلة
عملية التحول برمتها، أو الإبطاء من
وتيرتها على الأقل.
ذلك
هو السؤال إذن الذي يشغل بال النخب
المغربية هذه الأيام، والذي يمكن
الاعتماد في إيجاد إجابة عليه على
العناصر التالية:
آليات
جديدة لضبط الخريطة السياسية
لقد
برر الملك الراحل الحسن الثاني- الذي
يعتبره جل مواطنيه بحق باني الدولة
الحديثة في المغرب- أمر الانقلاب
السياسي الذي أجراه قبل وفاته بعام،
بإسناده الوزارة الأولى لعبد الرحمن
اليوسفي أحد أبرز معارضيه، وسماحه
بتشكيل ما عرف بحكومة التناوب، بالعمل
على تجنيب بلاده ما أسماه في وقتها بـ
"السكتة القلبية".. حيث بلغت
الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في
المغرب في مطلع التسعينيات حدا يهدد
بانهيار مؤسسات الدولة وسيادة الفوضى
والانعدام التام للأمن والاستقرار.
وقد
شكل وجود اليوسفي الزعيم المعارض
السابق على رأس الوزارة الأولى في
المغرب-بصرف النظر عن التحفظات التي
برزت لاحقا-، وتجديد الثقة فيه من قبل
الملك الجديد محمد السادس، إشارة واضحة
من قبل مؤسسة العرش -مؤسسة الحكم
الرئيسية في البلاد-، على وجود قطيعة
بين الآليات المعتمدة في تسيير الشأن
العام سابقا، والآليات التي سيتم
الاعتماد عليها في العهد الجديد.
وبرأي
"منصف السليمي"- المحلل السياسي
والخبير بالشئون المغربية- "فإن
المغرب في ظل الملك محمد السادس وحكومة
التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي قد
قطع نهائيا مع آليات التحكم التقليدية
في الخارطة السياسية، كالتزوير
والتقسيم المسبق للمقاعد النيابية
والتدخل المباشر للتأثير على إرادة
الناخبين، وسيعول من هنا فصاعدا على
آليات تحكم جديدة أكثر حداثة وعصرية
وملائمة لمتطلبات التنمية داخليا
وخارجيا".
ويشير
السليمي، برأيه هذا إلى إدراك النخب
الحاكمة في المغرب، لإمكانية- بل لضرورة-
توخي طرق جديدة في التحكم في الحياة
السياسية، خصوصا مع وجود عوامل مساعدة
على ذلك في الواقع القائم، كارتفاع نسبة
الأمية (ما يقارب 50% من المغاربة أميون)،
وهيمنة الولاءات القبلية في مناطق
واسعة ومتعددة من البلاد، فضلا عن عوامل
أخرى تقنية وقانونية وسياسية، يظل
التحكم فيها بيد الأجهزة الإدارية
والحكومية، باعتبارها صلاحيات طبيعية
لها ولا يمكن تجريدها منها مهما بلغ
الحرص على شفافية العملية الانتخابية
ومصداقيتها.
في
هذا الإطار، يتحدث محمد الساسي- أستاذ
القانون العام في كلية الحقوق بجامعة
الرباط- عن خمس آليات قانونية وسياسية
سخرتها إلى حد الآن أجهزة الحكم
المغربية لضمان نتائج انتخابية لا تخرج
عن أطر معينة، تراها هذه الأجهزة مقبولة
لاستيعاب أي تغيير ممكن، وهذه
الآليات هي:
أولا:
عدم السماح بتخفيض سن الناخبين إلى 18
سنة بدل 20 سنة كما هي حاليا.
ثانيا:
التقسيم الانتخابي، من خلال خلق دوائر
انتخابية بمواصفات محددة يعرف مسبقا
أنها لا تخدم مصالح تيار سياسي يخشى
فوزه.
ثالثا:
رفض إعادة وضع قوائم الناخبين من جديد
والاقتصار على مراجعتها.
رابعا:
اعتماد صيغة "غير مألوفة" لنظام
الاقتراع اللائحي، على نحو بدا أقرب
منه إلى نظام الاقتراع الفردي منه إلى
اللائحي.
فتح
المجال على مصراعيه أمام الراغبين في
إنشاء أحزاب جديدة، بما يساعد على
تشتيت أصوات الناخبين، وضمان استحالة
فوز حزب بمفرده بالأغلبية.
وخلاصة
القول، أن مؤسسة الحكم في المغرب، قد
ضمنت قبل إجراء الانتخابات بفترة
طويلة، أنها ستكون هي المتحكم الأساسي
في تشكيل الحكومة القادمة؛
لأن أيا من الأطراف السياسية لن يكون
قادرًا وحده على الظفر بالجزء الغالب من
الكعكة البرلمانية، وسيكون الجميع
محتاجا للعرش لتزكيته ومساعدته على
بناء ائتلاف حكومي أو المشاركة فيه.
أسطورة
الخطر الإسلامي
إن
ما بدا واضحا للمراقبين لعملية الإعداد
للانتخابات المغربية المقبلة أن الهاجس
الأكبر الذي يسيطر على أحزاب الحكومة
والمعارضة معا- وهي تستعد للمشاركة في
هذه الانتخابات- هو أن "الإسلاميين"
المتكتلين بالأساس في "حزب العدالة
والتنمية" الإسلامي المعتدل هم
المرشح الأبرز للفوز بهذه الانتخابات.
وقد
شكل هذا الهاجس مبررا لقرار هذه الأحزاب
على اختلاف توجهاتها، وخصوصا حزب
الحكومة الرئيسي "الاتحاد الاشتراكي
للقوات الشعبية"، -وعلى وجه التحديد
الجناح الراديكالي فيه بقيادة وزير
الإسكان والبيئة محمد اليازغي-، إعلان
حرب شرسة من جانب واحد على التيار
الإسلامي، سخرت فيه أدوات إعلامية
وأمنية، بهدف تحجيم حظوظه الانتخابية،
وتشويه صورته على نطاق واسع أمام الرأي
العام المحلي والدولي، وتخويف مؤسسة
الحكم من إمكانية السماح له بالوصول إلى
الحكم.
وبحسب
كثير من المحللين، فإن هذه الحرب التي
تشن ضد التيار الإسلامي، قد تجاوزت كل
الحدود المقبولة سياسيا وأخلاقيا،
وأصبحت متناقضة مع المنطلقات التي
تزعمها في الدفاع عن الديمقراطية، حيث
تحول الهدف مع استمرار الحملة ضد
الإسلاميين، إلى دعوة صريحة لإقصائهم
من ساحة العمل السياسي الشرعي،
والتحريض على القيام بذلك بكافة
الوسائل، بما في ذلك وسائل الردع والعنف
التي تتوفر عليها السلطة.
وتتزعم
صحيفة "الأحداث المغربية" التي
يمتلكها مقربون من الوزير محمد اليازغي
-الرجل الثاني في حزب الاتحاد الاشتراكي-
حربا إعلامية شرسة ضد التيار الإسلامي،
لا يتردد بعض المراقبين في وصفها بـ "الحرب
القذرة"، خصوصا بعد ترديها إلى
استعمال خطاب لم يكن شائعا في الصحف
اليومية الجادة، وهو أقرب إلى خطاب ما
يعرف بـ "الصحافة الصفراء".
وتنتهج
"الأحداث المغربية" التي تتحدث
بلسان عدد من النافذين في الحزب الحاكم،
نهج التعميم في التعامل مع التيار
الإسلامي. فالإسلاميون - على اختلاف
توجهاتهم، كما يرد وصفهم في صفحاتها -
"متأسلمون"، أي أنهم ليسوا "مسلمين
حقيقيين"، وليسوا "أصوليين" أو"تكفير
وهجرة" أو"سلفية جهادية" جميعا،
بما يذكر المتابع بخطاب الأجنحة
الاستئصالية داخل أنظمة الحكم في بعض
البلدان العربية والإسلامية، كالجزائر
وتونس وتركيا.
وتتبنى
"الأحداث المغربية" شعار "لا
ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"؛ وهو
كما يرى العديد من المحللين، شعار مضلل
من ناحيتين على الأقل، أولهما احتكار
أطراف معينة في الساحة السياسية الصفة
الديمقراطية، وثانيهما تسويغ هذه
الأطراف لنفسها حق منح الصفة
الديمقراطية لأطراف معينة، ونزعها عن
أطراف أخرى بحسب ما تقتضيه مصالحها.
وقد
احتج الإسلاميون المغاربة في مناسبات
كثيرة، سواء من خلال صحف يمتلكونها كـ"العصر"
و"التجديد"، أو صحف أخرى مستقلة،
على النهج الذي تسلكه "الأحداث
المغربية"، وهو نهج علماني متطرف
برأيهم، يشجع على الفتنة ويدعو إلى
الاقتتال الداخلي، من خلال افتعال "أعداء
وهميين" للديمقراطية، ومحاولة جر
البلاد إلى حالات مشابهة لما جرى في
بلدان أخرى تختلف في ظروفها وعلاقات
تياراتها السياسية فيما بينها، اختلافا
كليا عن المغرب.
ويرى
إسلاميو حزب "العدالة والتنمية" في
المغرب، أن التيارات اليسارية لا يمكن
لها المزايدة على التيارات الإسلامية
في مسألة الديمقراطية. فقد مارست هذه
التيارات في فترات زمنية سابقة العنف
بشكل واسع، كما تورط عدد كبير من رموزها
في محاولات انقلابية على نظام الحكم
الشرعي، وتبنى عدد منها برامج سياسية
شمولية مخالفة لمبادئ التعددية
السياسية وحقوق الإنسان.
ويؤكد
عدد كبير من قادة الحركات الإسلامية
المغربية على أهمية الفصل بين "العلمانية"
و"الديمقراطية". فالعلمانية
مرفوضة شرعيا ودستوريا وقانونيا في
المغرب الذي ينص دستوره على أن "الملك
هو أمير المؤمنين"، فيما تبقى
الديمقراطية وسيلة لتنظيم الحياة
السياسية والحيلولة دون انزلاق
العلاقات بين مختلف التيارات والأحزاب
السياسية نحو ظواهر العنف والانقلابات
والتمردات العسكرية والمدنية.
وبشكل
عام، يرى العقلاء في الساحة المغربية
ألا صالح للبلاد في جر حياتها السياسية
إلى أجواء شبيهة بتلك التي عاشتها بلدان
كالجزائر أو تونس، دفعت فيها السلطات
إلى خوض حروب قذرة ضد التيار الإسلامي
بحجة تهديده لمؤسسات الحكم، وهي حجة
يعتقد النزهاء من المحللين أنها كانت
مفتعلة، وأنها كانت ترمي إلى حرمان
الإسلاميين من الفوز الانتخابي جزئيا
أو كليا.
الحاجة
إلى ولاية "اشتراكية" ثانية
ثالث
العناصر الموجهة لعملية الإعداد
للانتخابات النيابية المغربية، كما
ألمحت إلى ذلك بعض المصادر القريبة من
الحكم، إمكانية وجود رغبة لدى مؤسسة
العرش في استمرارية حزب الاتحاد
الاشتراكي للقوات الشعبية على رأس
الحكومة لولاية ثانية، سواء في إطار
ائتلاف ضيق يتكون من ثلاثة أحزاب على
الأكثر في حال إذا مكنت النتائج
الانتخابية من ذلك، أو ائتلاف موسع
كالذي تتشكل منه الحكومة الحالية.
ويستند
محللون في القبول بإمكانية وجود مثل هذه
الرغبة إلى عدة أسباب من بينها:
-
عدم
وجود بديل؛ فالقصر لا يريد الرجوع
لحكومات ما يعرف بالأحزاب الإدارية
القديمة التي تحولت في عهد "التناوب"
إلى المعارضة.
-
تقدير
القصر أن الإسلاميين غير مؤهلين لتشكيل
حكومة في الوقت الراهن، على الرغم من
وجود إمكانية كبيرة بفوزهم وتصدرهم
قائمة الأحزاب الفائزة، وذلك لاعتبارات
داخلية وخارجية، وممانعة عدد من أصحاب
المصالح في ذلك.
-
إثبات
قادة حزب الاتحاد الاشتراكي قدرات غير
منتظرة في إبداء المواقف المرنة،
والتحول كما يقول بعض رفاقهم القدامى
إلى رجال دولة حسب المقاس، أو رجال "مخزن"
بحسب التعبير السياسي المغربي.
غير
أن هذه الرغبة لا يمكن أن تكون مطلقة
وسهلة التحقيق، مثلما يشير المحللون،
وذلك لعدد من الاعتبارات الموضوعية
المقبولة، لعل أهمها:
-
فشل
حكومة الاتحاد الاشتراكي الذريع في حل
معضلات اجتماعية واقتصادية كبيرة،
كالبطالة و الفقر والسكن غير اللائق
والهجرة السرية… وغيرها.
-
حالة
التآكل الداخلي التي يعيشها حزب
الاتحاد الاشتراكي منذ انعقاد مؤتمره
السادس في ربيع 2001، وانشقاق جناحين على
الأقل عنه، هما حزب "المؤتمر
الاتحادي" الذي نشأ بتخطيط من
الزعيم النقابي محمد نوبير الأموي،
وحركة "الوفاء للديمقراطية" التي
اختار مؤسسوها النشاط في شكل جمعية.
-
ظهور
بوادر أزمات وصراعات على التحالف
اليساري الذي يقوده الاتحاد الاشتراكي
المعروف باسم "الكتلة الديمقراطية"،
وهو ما يمكن أن يحرمه من قاعدته
السياسية ويربك محاولاته في بناء
تشكيلته الائتلافية.
اقرأ:
معلومات عامة عن
الحياة السياسية في المغرب
اقرأ
أيضًا:
|