|
يراهن
أحد السيناريوهات الأمريكية لضرب
العراق على المعارضة كحجر الزاوية في
الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين،
ويستند هذا السيناريو إلى شن المعارضة
في شمال العراق وجنوبه -بدعم من وحدات
أمريكية وبريطانية خاصة- حربا تهدف إلى
الإطاحة بالنظام، وإعلان حكومة تمثل
مختلف الفصائل العراقية، وذلك على غرار
ما حدث في أفغانستان مؤخرا، عندما أطاحت
المعارضة المدعومة أمريكيًّا بنظام
طالبان، وأقامت نظاما بديلا مواليا
لواشنطن.
والسؤال
المطروح بقوة الآن: هل السيناريو
الأفغاني قابل للتنفيذ في العراق؟
لماذا
الإصرار الأمريكي؟
الموضوع
العراقي كان مطروحا على الأجندة
الأمريكية قبل أحداث 11 سبتمبر؛ حيث كانت
واشنطن تنظر بقلق إلى التحركات
العراقية للخروج من العزلة الدولية،
وتفكيك الحصار. وكان من أبرز هذه
التحركات:
أ.
عودة العلاقات الدبلوماسية بين بغداد
ومعظم الدول العربية؛ حيث قررت أربع دول
من دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهي:
البحرين، والإمارات، وقطر، وعمان –
استئناف عمل سفاراتها في العراق، وتحسن
العلاقات العراقية مع كل من مصر وسوريا.
ب.
تزايد التعاطف الشعبي العربي والدولي
مع معاناة الشعب العراقي، وتصاعد
الدعوات لرفع العقوبات عنه؛ وهو ما أدى
إلى كسر الحظر على الطيران العراقي،
واستئناف الرحلات الجوية إلى بغداد؛
بما يُعد مؤشرا على تغير الموقف العربي
والدولي تجاه العراق والعقوبات
المفروضة عليه.
جـ.
كان للمصالح التجارية دور كبير في تفكيك
الحصار المفروض على العراق، وفي هذا
الإطار وقَّعت الدول المتعاونة مع
العراق في مجلس الأمن (الصين وروسيا
وفرنسا) عقودا معه في مجال الطاقة
وإعادة الإعمار المدني والاقتصادي
بمبالغ قُدرت بأكثر من 500 مليار دولار
خلال السنوات الماضية.
كما
حرصت بغداد على إشراك الدول العربية في
هذه الصفقات خاصة مصر وسوريا، هذا بخلاف
دعوتها للدول المتضررة من العقوبات
بتجاوزها، وهي الدعوة التي أخذت بها
تركيا والأردن بالفعل.
وكان
للعامل النفطي أثر كبير، سواء في
التأثير على مواقف الدول الغربية من
القضية العراقية، أو تحسين الوضع
الاقتصادي للعراق؛ حيث يبيع العراق ما
قيمته 16 مليار دولار من النفط سنويا
طبقا لبرنامج النفط مقابل الغذاء، وهذا
ما أعطى للنظام العراقي شعورا بالقدرة
على تحدي الحصار.
لذا
فإن الولايات المتحدة استغلت أحداث
سبتمبر في إجهاض النجاحات العراقية،
ووضع مخططاتها وسيناريوهاتها الخاصة
بالعراق موضع التنفيذ، وشجعها على ذلك
نجاح تجربة الإطاحة بنظام طالبان في
أفغانستان، وبالتالي بدء المرحلة
الثانية لما يُسمى بالحرب ضد الإرهاب
التي تشنها الولايات المتحدة على ما
تسميه "دولا مارقة" أو "محور
الشر"، وعلى رأسها العراق.
أفغنة
العراق.. حجج متضاربة
يتنازع
سيناريو أفغنة العراق اتجاهان، لكل
منهما حججه والحقائق التي يستند إليها:
الاتجاه
المؤيد:
يرى
أصحاب هذا الاتجاه أن المعارضة
العراقية تسيطر على نحو 25% من الأراضي
العراقية كوجود سياسي وعسكري، في مقابل
10% فقط كانت تسيطر عليها المعارضة
الأفغانية قبل سقوط طالبان. وإذا كانت
الأخيرة عبارة عن مجرد ميليشيات ضعيفة
ومفككة، فإن المعارضة العراقية من
القوة والكفاءة بما يجعلها قادرة على
الإطاحة بالنظام، خاصة أن هناك أربع
جماعات منها تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي
قوي، وهي: "المجلس الأعلى للثورة
الإسلامية"، و"حزب الدعوة" في
الجنوب، و"المؤتمر الوطني العراقي"
-الذي يتكون من فصائل تشكل مختلف ألوان
الطيف السياسي العراقي-، والمعارضة
الكردية في الشمال، يُضاف إلى ذلك آلاف
العسكريين الفارين خارج العراق الذين
لديهم الاستعداد للعودة للعراق عبر
الدول المجاورة عند انطلاق شرارة هذا
السيناريو. كما يرون أن القوات المسلحة
العراقية ترغب في الإطاحة بالنظام، ولا
ينقصها سوى الشروع الجاد في تغييره.
ويؤكد
أصحاب هذا الاتجاه أن المحك الأساسي في
نجاح هذا السيناريو هو تبلور جهد دولي
لتنفيذه، ويبرهنون على ذلك بأن
المعارضة الأفغانية التي شكك الكثيرون
في قدراتها كانت قوية وقادرة على حسم
المعركة لصالحها عندما تبلور هذا الجهد
لمحاربة طالبان التي كانت تسيطر على 90%
من الأراضي الأفغانية.
وبالمقابل،
فإن للمعارضة العراقية تحالفات إقليمية
ودولية لا يستهان بها، وهو ما يعطيها
القوة اللازمة للإطاحة بالنظام، خاصة
إذا شلت الولايات المتحدة يديه من
استخدام ترسانته العسكرية التقليدية
وغير التقليدية في إجهاض تحركاتها.
الاتجاه
المعارض:
يرد
الفريق المعارض لأفغنة العراق على
الحجج السابقة بتأكيد أن نظام طالبان لم
يكن معترفًا به دوليًّا إلا من ثلاث
دول، هي: باكستان والإمارات والسعودية،
وتعرض لعقوبات دولية قبل أحداث سبتمبر
بسبب رفضه تسليم أسامة بن لادن المشتبه
الرئيسي بالتخطيط للهجوم على سفارتي
واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، وجاءت
هجمات سبتمبر لتكون بمثابة النهاية
لهذا النظام، خصوصًا بعد نجاح الولايات
المتحدة في حشد التأييد لحملتها على
أفغانستان، ليس فقط من الدول الغربية،
ولكن أيضا من حكومات عربية وإسلامية،
وهذا على عكس النظام العراقي المعترف به
دوليًا، والذي يحظى بدعم قوى كبرى مثل
الصين وروسيا، ولديه جيش كبير يقدر
تعداده ما بين 350 ألفا إلى 450 ألف جندي،
وهو مزود بأحدث الأسلحة، منها دفاعات
أرضية حديثة، وصواريخ أرض- أرض
باليستية، ويمتلك المهارات القتالية
المختلفة، كما أنه نظام راسخ، ولا توجد
أية تنظيمات ذات شأن في العراق سوى "حزب
البعث" (حزب السلطة)، حتى يمكن القول
بأن هذا التنظيم يمكن أن يحل محل ذاك.
وفي
الوقت نفسه، فإن قوات المعارضة
العراقية ليست قوية بما يكفي لمنازلة
الجيش العراقي من دون دعم بري أمريكي
كبير، حيث تشير تقديرات القيادة
العسكرية الأمريكية إلى أن عملية إسقاط
نظام صدام حسين تتطلب نحو 200 ألف جندي
أمريكي في شمال العراق وجنوبه.
ويضيف
أصحاب هذا الاتجاه عددًا من الحقائق
التي تستبعد تطبيق السيناريو الأفغاني
في العراق أهمها:
1-
أن جماعات المعارضة العراقية تنتمي إلى
جذور وخلفيات مختلفة: إسلامية، وقومية،
وماركسية، ووطنية، وتنظر بتوجس إلى
بعضها البعض. والخلافات فيما بينها أكبر
من الخلافات مع النظام العراقي؛ حيث
يغلب على علاقات المؤتمر الوطني مع
الجماعات الكردية في الشمال نوع من
الفتور وعدم الفعالية، وكانت علاقة "المؤتمر
الوطني" بواشنطن -التي قررت دعمه
بمبلغ 97 مليون دولار خلال حكم الرئيس
كلينتون للإطاحة بالنظام العراقي- سببا
في رفض "حزب الدعوة" الشيعي
الانضمام إلى "المؤتمر الوطني"،
وتعليق "المجلس الأعلى للثورة
الإسلامية" عضويته فيه.
2-
أن المعارضة العراقية الضعيفة لن
تستطيع القيام بما قامت به المعارضة
الأفغانية الممثلة في التحالف الشمالي
الذي كان يسيطر على جزء ليس هينًا من
أفغانستان، وكانت له قواته المسلحة
التي تستطيع المساهمة في حسم الجولات
العسكرية، لا سيما أنها كانت الحاكمة
قبل وصول طالبان إلى الحكم.
3-
ومن جهة ثانية، فإن العراقيين الذين
اكتووا بنار العقوبات منذ عام 1990 ينظرون
إلى المعارضين في الخارج على أنهم مجرد
"خونة" باعوا وطنهم لصالح واشنطن،
خصوصًا "أحمد الجلبي" زعيم "المؤتمر
الوطني"، كما أن العناصر العسكرية
البارزة التي خرجت من العراق، ويعول
عليها الجلبي في الإطاحة بالنظام لم
تقبل جميعها المشاركة في أعمال عسكرية
ميدانية.
ورغم
حرص الولايات المتحدة على كسب المعارضة
العراقية في الداخل إلى جانبها -حيث
أرسلت مبعوثين سريين إلى شمال العراق
مؤخرًا للتفاوض حول الإطاحة بالنظام-
فإن المعارضة العراقية -سواء في الشمال
أو الجنوب- أعلنت رفضها للمخطط الأمريكي
لاستخدامها كرأس حربة ضد النظام. ويدل
على ذلك إعلان "حزب الاتحاد الوطني
الكردستاني" بزعامة جلال طالباني "والحزب
الديمقراطي الكردستاني" بزعامة
مسعود بارزاني عن رفضهما القاطع لضرب
العراق، حتى لو أدى ذلك إلى إقامة دولة
كردية في الشمال، وأكد التنظيمان
حرصهما على وحدة التراب العراقي،
وإيجاد حل ديمقراطي اتحادي للمشكلة
الكردية، ويدحض هذا الإعلان الدعاوى
القائلة بإمكانية التحرك الكردي نحو
بغداد كجزء من السيناريو المقترح
لإسقاط النظام العراقي.
4-
صعوبة تسويق شكل مقبول لائتلاف معارض،
يشكل بديلا لنظام الحكم العراقي بسبب ما
يتردد حول الخلافات المذهبية واحتمالات
إقامة دولة كردية، ومخاطر تفتيت العراق
إلى دويلات تتصارع للسيطرة على المناطق
التي تختلط فيها المذاهب والطوائف، أو
تتوافر فيها الموارد الطبيعية كالنفط،
وبالتأكيد فإن هذه الصراعات -في حالة
سقوط النظام- سوف تمتد إلى الدول
المجاورة مثل تركيا وإيران اللتين توجد
فيهما امتدادات مذهبية وعرقية للمذاهب
والعرقيات المنتشرة في العراق.
5-
الموقف الإقليمي الرافض لسيناريو
الإطاحة بصدام، وذلك بعكس الموقف
الإقليمي المؤيد لإطاحة طالبان؛
فباستثناء باكستان فإن الدول المجاورة
لأفغانستان مثل الهند والصين وروسيا
وطاجيكستان كانت تدعم المعارضة
الأفغانية بقوة؛ حفاظًا على مصالحها،
وخشية من تصدير النموذج الإسلامي
الطالباني المتشدد إلى أراضيها. أما
الموقف الإقليمي بالنسبة للعراق فلا
توجد أية دولة مجاورة على استعداد
لتوفير قواعد لواشنطن لضرب العراق أو
قواعد إمداد وتموين للمعارضة سوى
تركيا، وتزامن هذا الرفض الإقليمي لضرب
العراق مع نجاح بغداد -بعد توسيع اتفاق
النفط مقابل الغذاء- في استخدام
الاقتصاد كورقة ضغط على الدول المجاورة
لتعديل مواقفها السياسية.
ويتخوف
البعض من جر المنطقة إلى حالة حرب شاملة
إذا اتجه العراق إلى ربط ما يجري على
أراضيه بقضية فلسطين المشتعلة حاليا من
خلال إقحام إسرائيل في الأزمة، في حالة
تضيق الخناق عليه، واتخاذ عدة خيارات
صعبة مثل قصف إسرائيل بما يحتمل أن يكون
لديه من أسلحة بيولوجية أو كيماوية، أو
توجيه قواته لاحتلال إحدى الدول
المجاورة.
شروط
نجاح السيناريو
عند
تقييم الخبراء لهذا السيناريو، يرون
أنه من السذاجة الاعتقاد بأن الضربات
الجوية التي ستمهد الطريق للتحرك البري
الأمريكي سوف تقضي على القوات البرية
العراقية، أو تفتح الباب أمام المعارضة
للزحف نحو بغداد دون مقاومة، ويرون أن
نجاحه يرتبط بمدى تقبل القيادة
المركزية الأمريكية لحدوث خسائر بين
صفوف القوات الأمريكية المشاركة، وهو
الأمر الذي منع الإدارات الأمريكية
السابقة من اعتماد هذا السيناريو في
الإطاحة بصدام.
وفي
هذا الإطار اشترط أنتوني كوردسمان -رئيس
مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن-
خمس حالات يمكن للإدارة الأمريكية أن
تنطلق منها في تنفيذ هذا السيناريو، وهي:
1-
أن تُظهر الإدارة الأمريكية دليلا
دامغا على تورط العراق في هجوم 11 سبتمبر.
2-
أن تُظهر الإدارة الأمريكية دليلا
دامغا على قيام العراق بتطوير برنامج
أسلحة الدمار الشامل.
3-
أن تنقل الولايات المتحدة أقوالها إلى
أفعال بصدد قضية فلسطين.
4-
أن يكون لها خطة مقنعة وموثوقة وسريعة
للنظام البديل في العراق على ألا يكون
من رموز المعارضة في الخارج.
5-
أن تكون الولايات المتحدة جاهزة لتحصل
ما سينجم عن ذلك من خسائر بشرية ومادية.
اقرأ
أيضًا:
*
باحث في الشؤون الخليجية- القاهرة.
|