 |
|
قضية
فلسطين من أبرز محاور تقارب الحكومة
مع الحركات الإسلامية وابتعادها عن
أمريكا
|
بعد خمس سنوات تقريبا من إعلان ست من القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية المصرية مبادرة لوقف العنف في 5 يوليو1997 سادت خلالها تساؤلات وشكوك كثيرة حول مضمون وأبعاد تلك المبادرة بل وجديتها؛ إذ بحملة واسعة يشهدها الإعلام المصري خلال الأسبوعين الماضيين بدأتها مجلة المصور، شملت إجابات حاسمة على تلك التساؤلات ونفيا قاطعا لهذه الشكوك، وتأكيدات جازمة بجدية المبادرة. إلا أن هذا الاهتمام الإعلامي والسياسي الواسع بمبادرة وقف العنف ليس وليد الأسبوعين الأخيرين فقط، فقد بدأ جديا منذ شهر يناير الماضي عندما سمحت الدولة بنشر أربعة كتب تتضمن الأساس النظري لتلك المبادرة شارك فيها ثمانية من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية ضمن سلسلة جديدة أطلق عليها اسم سلسلة تصحيح المفاهيم. وقد قام بتأليف تلك الكتب أو مراجعتها كل من: كرم زهدي وناجح إبراهيم وأسامة حافظ وعبد الماجد وعصام الدين دربالة وعلي الشريف وفؤاد الدواليبي وحمدي عبد الرحمن، وحملت حسب ترتيب مؤلفيها لها العناوين التالية: "مبادرة إنهاء العنف.. رؤية شرعية ونظرة واقعية"، و"حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين"، و"تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء"، و"النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين".
ومع
ذلك فإن الجديد في التغطية الإعلامية
والسياسية لمبادرة وقف العنف خلال
الأسبوعين الأخيرين هو تضمنها موقفا
علنيا واضحا من جانب السلطات الرسمية
وشبه الرسمية المصرية وعدد من أبرز
العناصر الفاعلة في النخبة والإعلام
المصريين بصدق المبادرة وجدية ما ترتب
عليها من تحول جذري في الجماعة
الإسلامية وتوقفها التام عن كل ممارسات
العنف.
ومع
أن تلك التغطية الإيجابية وذلك الموقف
المساند للمبادرة قد تأخرا - حسب
تقديرنا - ثلاث سنوات على الأقل، حيث
كان واضحا منذ إطلاقها قبل خمس سنوات
أنها تمثل مدخلا واسعا لتحول جذري في
طبيعة الجماعة الإسلامية من جماعة
دينية عنيفة مغلقة إلى جماعة سياسية
اجتماعية سلمية ذات برنامج إسلامي؛
فالأكثر أهمية الآن هو محاولة قراءة
ملامح ذلك الموقف الجديد وتأثيراته على
الأوضاع الداخلية في مصر، وبعض من
علاقاتها الخارجية بخاصة مع الولايات
المتحدة الأمريكية.
دوافع
الإعلان
وأول
ملامح الموقف الجديد من تحول الجماعة
الإسلامية يمكن التعرف عليه عبر السعي
لاستكشاف الدوافع التي أدت إلى إعلانه
بتلك الطريقة، في التوقيت الذي تم فيه،
والسياقات الدولية والإقليمية
والمحلية التي أحاطت به. والحديث عن
الدوافع يبدأ بما طرحته الكتابات
والتحليلات من أن الدولة تسعى - من خلال
إعلان موقفها الداعم للمبادرة والتركيز
الإعلامي على الجماعة الإسلامية
المتحولة عن العنف إلى السياسة - إلى طرح
تلك الأخيرة كمنافس سياسي وإعلامي
لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي
تتحفظ الدولة على منحها الشرعية
القانونية، وتتحسس من أنشطتها السياسية
والنقابية والإعلامية.
والحقيقة
أن هناك صعوبات كبيرة تواجه قبول صحة
ذلك الدافع، في مقدمتها إدراك الدولة
لخطورة تلك المراهنة في ظل خبرتها
التاريخية مع الجماعة الإسلامية منذ
منتصف السبعينيات وحتى بداية
الثمانينيات عندما دعمتها لتواجه بها
المد اليساري والناصري، ثم انقلبت
عليها بعد ذلك، وأضحت أول وأخطر عناصر
تهديد الاستقرار والدولة معا في مصر
خلال الثمانينيات ومعظم التسعينيات.
كذلك
فإن ذلك الطرح لا يصمد أمام حقيقة أن
تحول الجماعة الإسلامية يعني خروجها من
معسكر حركات العنف الإسلامية إلى معسكر
الحركات السياسية الإسلامية الذي توجد
جماعة الإخوان المحظورة في مركزه منذ
قيامها، وهو ما يجعل التشارك بينهما
في كثير من الرؤى والقضايا - بخاصة على
المديين المتوسط والبعيد - أمرا مرجحا
تدعمه خبرة الإخوان الطويلة بالعمل
السياسي والجماهيري، على الرغم من
استمرار الخلاف بينهما حول قضايا ورؤى
أخرى عديدة. ولا شك أن خبرة الدولة
الأمنية والسياسية الطويلة في التعامل
مع ملف الحركات الإسلامية يجعلها تدرك
بعمق تلك الحقيقة.. الأمر الذي يمنعها
من تلك المراهنة.
وتتحدث
كتابات وتحليلات أخرى عن أن الدافع وراء
إعلان التأييد العلني لمبادرة وقف
العنف إنما هو استكمال صفقة بدأت قبل
خمس سنوات بين الدولة والجماعة
الإسلامية، توقف بموجبها الأخيرة
أنشطتها العنيفة في مقابل أن تفرج
الدولة عن قياداتها وأعضائها المحكوم
عليهم والمعتقلين، وتمنحها هامشا أوسع
من حرية الوجود والحركة؛ حيث إن
الجماعة نفذت الجزء الخاص بها في تلك
الصفقة، بينما يمثل إعلان تأييد
المبادرة والترويج لها وما قد يستتبع
ذلك من إجراءات الجزء الخاص بالدولة
الذي تقوم به الآن.
ومثل
الدافع السابق، فإن حديث الصفقة لا يصمد
كثيرا أمام عدة حقائق. أولاها أن
المبادرة قد صدرت باقتناع ذاتي داخلي في
صفوف القيادات التاريخية للجماعة
الإسلامية، خاصة المسجونين منذ عام
1981 نتيجة لعوامل كثيرة مركبة ذاتية
ومصرية وإقليمية ودولية لا مجال
للاستفاضة فيها.
أما
الحقيقة الثانية فهي ذلك المسار الصعب
الذي أخذته المبادرة منذ إعلانها في
5 يوليو 1997 وحتى صدور قرار جماعي
باعتمادها من مجلس شورى الجماعة
الإسلامية في 24 مارس 1999 الذي يقيم
نحو نصف أعضائه خارج مصر، حيث لا
إمكانية لعقد أي صفقات معهم، وهم جميعا
مطلوبون من جانب الحكومة المصرية
لتنفيذ أحكام قضائية صادرة في حقهم
معظمها بالإعدام.
الحقيقة
الثالثة التي تؤكد عدم وجود تلك الصفقة
هي استمرار الدولة خلال الأعوام الخمسة
السابقة في عقد محاكمات واسعة لأعضاء
الجماعة الإسلامية صدرت عليهم خلالها
أحكام قاسية منها الإعدام، كما نفذت
بعض أحكام الإعدام الصادرة بحق بعض
الأعضاء، فضلا عن حدوث بعض الصدامات
بين أجهزة الأمن وبعض القياديين
الهاربين انتهت بمقتلهم.
إلا
أن كل تلك الحقائق التي تنفي وجود مثل
هذه الصفقة لا تتناقض مع حقيقة أخرى
تمثل جزءا من الدافع الأول الحقيقي
لإعلان تأييد المبادرة الآن، وهي تلك
المتعلقة بقيام الدولة منذ إعلانها عام
1997 بتقديم بعض التسهيلات بداخل
السجون أو خارجها لأعضاء الجماعة
الإسلامية وبعض محاميهم من أجل الترويج
للمبادرة وتشجيعها، سواء بين هؤلاء
الأعضاء أو في صفوف محدودة من النخبة
والرأي العام المهتم. كما قامت
الدولة بعد شهور من إطلاق المبادرة
وبالتحديد منذ بداية عام 1998 باتخاذ
بعض الإجراءات لتخفيف الضغوط عن أعضاء
الجماعة بداخل السجون بتحسين ظروفهم
عما سبق، أو خارجها بوقف عمليات
الاعتقال العشوائي التي كانت سائدة قبل
حادث الأقصر في نوفمبر 1997. فضلا عن
الإفراج منذ ذلك التاريخ عن بضعة آلاف
من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها
الذين كانوا معتقلين بموجب قانون
الطوارئ دون صدور أحكام قضائية ضدهم.
والأرجح
أن تلك التسهيلات والخطوات الهادفة
لدعم المبادرة وتنقية الأجواء من
التوترات التي كانت سائدة فيها كانت
تعكس درجة غير قليلة من ثقة الدولة في
صدق المبادرة وجديتها وأهميتها، إلا أن
الجزء المتبقي من الشكوك والحذر
والرغبة في التيقن من التحول كان وراء
تأخير إعلان التأييد السياسي والإعلامي
للمبادرة طيلة هذه السنوات.
لماذا
الآن؟
أما
لماذا الآن بالتحديد؟! فإن الإجابة
تتضمن بذاتها الدافع الثاني الرئيسي
لإعلان ذلك التأييد للمبادرة بتلك
الطريقة الموسعة. فمن المعروف منذ
تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا
وتنزانيا في 7 أغسطس 1998 على يد "الجبهة
الإسلامية العالمية لقتال الصليبيين"
التي تشكلت بصفة أساسية بين المنشق
السعودي أسامة بن لادن وزعيم جماعة
الجهاد المصرية الخارجية أيمن الظواهري
في فبراير من العام نفسه، أن السلطات
الأمريكية لا تضع الجماعة الإسلامية
المصرية ضمن الجماعات المتعاونة مع بن
لادن على الرغم من اتهامها لثلاثة أو
أربعة عناصر منها موجودين في أفغانستان
بالتعاون معه. وعقب وقوع هجمات
الحادي عشر من سبتمبر 2001 على واشنطن
ونيويورك وحتى قبل شهرين تقريبا ظلت
الرؤية الأمنية الأمريكية في حربها
المحمومة ضد ما تسميه الإرهاب محتفظة
بالتقدير نفسه فيما يخص علاقة الجماعة
الإسلامية مع بن لادن وشبكته، على
الرغم من وضع الجماعة الإسلامية منذ
سنوات على قوائم الإرهاب الأمريكية.
وخلال الشهرين الأخيرين بدا أن هناك
تغييرا جوهريا في تلك الرؤية الأمنية
الأمريكية يتعلق بتصورها لطبيعة
التنظيم الداخلي لجماعة بن لادن
وعلاقات التعاون والتحالف التي تربطها
بجماعات إسلامية أخرى حول العالم، بما
أدى إلى تغيير تقديرها للجماعة
الإسلامية المصرية التي بدأت في
اعتبارها واحدة من الجماعات المهمة
فيما تسميه "شبكة القاعدة".
ونتيجة
لهذا التقدير الأمريكي الجديد غير
المؤسس سوى على انطباعات عامة وبعض
المعلومات المغلوطة والمدسوسة، بدأت
حملة إعلامية وأمنية وسياسية أمريكية
واسعة للترويج بأن هناك مخاطر جدية من
استئناف الجماعة الإسلامية عملياتها
العنيفة بداخل مصر وخارجها انطلاقا من
تحالفها المزعوم مع شبكة بن لادن.
وقد أتى ذلك التقدير الأمريكي الجديد
وما ارتبط به من حملات في الوقت الذي
يبدو أن الدولة المصرية قد تأكدت فيه
بما يشبه اليقين من صدق وجدية واستقرار
تحول تلك الجماعة الكامل والنهائي من
طريق العنف الديني إلى طريق العمل
السياسي. ولم يكن هناك - على ما يبدو -
من طريق للتعامل مع ذلك التناقض الحاد
في التقديرات الأمريكية والمصرية سوى
إعطاء المجال واسعا لأصحاب الشأن
أنفسهم لإعلان حقيقة تحولهم وأبعاده
على الرأي العام المحلي والعالمي، بما
في ذلك إدانتهم العلنية الصارمة لهجمات
الحادي عشر من سبتمبر التي تتهم واشنطن
بن لادن بالقيام بها.
وسيرا
على النهج نفسه فقد قررت الدولة - على ما
يبدو أيضا - الانحياز إلى تقديراتها
الأدق بصدق وجدية التحول وإلى المصالح
المصرية الرئيسية التي يدعمها بخاصة
الاستقرار والأمن، فكانت تلك الحملة
الإعلامية والسياسية الواسعة لإبراز
التأييد شبه الرسمي والنخبوي لمبادرة
وقف العنف.
مستقبل
العلاقة
بالإضافة
إلى الدوافع السابقة لتبلور موقف
إيجابي من مبادرة الجماعة الإسلامية
وتحولها، يمكن الحديث عن دافع آخر يمثل
هو نفسه مسارا محتملا لمستقبل العلاقة
بين تلك النوعية من الجماعات المتحولة
والدول التي توجد بها، ومن بينها مصر.
فتسامح الدولة مع تلك الجماعات في أثناء
تحولها عن طريق العنف وبعده، قد تناقض -
ولا شك - في الشهور التالية لهجمات
الحادي عشر من سبتمبر مع المناخ الدولي
العدائي الذي فرضته الولايات المتحدة
ضد كل ما يتعلق بالظاهرة الإسلامية،
وهو الأمر المرشح للتفاقم خلال
المستقبل. فمن المتوقع أن تواصل
الولايات المتحدة الأمريكية ما تسميه
"الحرب ضد الإرهاب لفترات طويلة
قادمة، وأن تتخذ أشكالا وصورا جديدة
متنوعة، سوف تصيب مجتمعات ودولا
ومنظمات عربية وإسلامية، الأمر الذي
قد يفقد واشنطن كثيرا من التعاطف الرسمي
والشعبي في تلك الدول، ويدفع بها
تدريجيا نحو إعطاء أولوية لمصالحها
الداخلية - بخاصة الاستقرار والأمن -
التي تهددها تلك الحرب الأمريكية
الطويلة المتواصلة غامضة العدو والهدف.
والأرجح أن يدعم ذلك التباعد التدريجي
بين هذه الدول والولايات المتحدة
والتسامح المتصاعد بينها وبين الحركات
والجماعات الإسلامية العنيفة تخلي تلك
الأخيرة المتواصل والصريح عن أفكارها
وأفعالها التكفيرية والعنيفة تجاه
الدولة.
ولا
شك أن حركتي التباعد والتسامح هاتين
ستتأثران مباشرة بصعوبة التوصل إلى حل
عادل وشامل ونهائي لقضية فلسطين خلال
المدى المتوسط، الأمر الذي سيكون من
أبرز محاور وأسباب مزيد من التباعد عن
واشنطن ومزيد من التسامح والتفاهم مع
الجماعات الإسلامية المتحولة نهائيا عن
العنف ضد دولها ومجتمعاتها ومواطنيها..
اقرأ
أيضًا:
*
نقلا عن صحيفة الأهرام- القاهرة 5-7-2002.
**
خبير بمركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية- الأهرام.
|