بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


واشنطن تلعب على حبل انفصال الجنوب

السودان.. "إيجاد" تناقش الدين والنفط والانفصال

20/06/2002

بدر حسن شافعي*

تشهد العاصمة الكينية نيروبي في الفترة من 17 يونيو إلى 20 يوليو 2002 أطول مفاوضات تتم تحت إشراف (السلطة الحكومية لمكافحة التصحر والتنمية في شرق أفريقيا) المعروفة اختصارا باسم (إيجاد) أو (إيقاد)؛ لبحث أزمة جنوب السودان المندلعة منذ عام 1983.

ويشارك في الاجتماعات بالإضافة لدول إيجاد (وهي: كينيا– إثيوبيا – أوغندا – إريتريا –الصومال – جيبوتي) ممثلون عن كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما الدولتان اللتان قامتا بتعيين مبعوث خاص لكل منهما للشأن السوداني، والنرويج إحدى أبرز الدول الأوربية في مجال تقديم المساعدات الغذائية للجنوب – خاصة الجوي – من خلال برنامج المساعدات الإنسانية.

بالإضافة لممثلين عن كل من مصر وليبيا باعتبارهما من دول الجوار من ناحية، وصاحبتي المبادرة المشتركة المعروفة باسمهما من ناحية ثانية.

وتناقش القمة ثلاث قضايا أساسية هي: قضايا النفط، وعلاقة الدين بالدولة في الجنوب، ثم قضية حق تقرير المصير للجنوب.

توقيت المفاوضات

تعقد مفاوضات (إيجاد) في وقت بالغ الخطورة، خاصة بعد احتدام المعارك بين الجانبين: الحكومة، وجيش المتمردين (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بزعامة جون جارانج، خاصة في المناطق الإستراتيجية القريبة من حقول البترول، حيث تمكنت القوات الحكومية في الآونة الأخيرة من استعادة مدينة قيسان الإستراتيجية القريبة من الحدود الإثيوبية - في ولاية النيل الأزرق - التي ظلت خاضعة لسيطرة المتمردين طيلة خمس سنوات، بينما أعاد المتمردون احتلال مدينة كبويتا في الجنوب.

وقد أرجع بعض المحللين انتصار قوات الحكومة في الشمال إلى تحسن العلاقات السودانية الإثيوبية في الآونة الأخيرة، وتوقف إثيوبيا عن دعم المتمردين، لكن في المقابل تمكنت قوات المتمردين من السيطرة على مدينة كبويتا الإستراتيجية في ولاية شرق الإستراتيجية على بعد 80 كم من الحدود مع كينيا بعد استخدام قوات التمرد للسلاح الجوي.

وأعلن جارانج أنه تمكن من قتل 200 جندي حكومي، واعتقال 28 آخرين، فضلا عن سيطرته على بعض المعدات العسكرية التي كانت في حوزة هذه القوات.

والشيء الغريب هنا هو استخدام جارانج للسلاح الجوي في المعركة لأول مرة، وهو ما يثير التساؤل: كيف حصل على هذا السلاح؟ خاصة أن واشنطن كانت دائما تضغط على القوات الحكومية لمنع استخدام هذا السلاح الجوي في حربها مع المتمردين، وهو الأمر الذي طلبه وزير الخارجية الأمريكي باول بشدة أثناء زيارته للمنطقة العام الماضي؟.

والسؤال الثاني: كيف غضت واشنطن الطرف عن ممارسات المتمردين في كبويتا، خاصة أن هناك اتفاقا تم توقيعه بين الجانبين برعاية أمريكية يقضي بتهدئة الأوضاع في مثلث كبويتا – بييور – بوما في ولاية شرق الاستوائية لمدة ستة أشهر، بدءا من أول يناير 2002 وانتهاء في الثلاثين من يونيو 2002 من أجل السماح بالقضاء على مرض يهدد قطعان الماشية في هذه المناطق؟.. إذ لم تعلق واشنطن المفاوضات مع جارانج، أو توقف الدعم المادي له، في الوقت الذي قامت فيه - قبل مفاوضات إيجاد - بوقف الحوار مع الحكومة بعد قصفها لإحدى المدن الجنوبية، الأمر الذي اعتبرته خرقا لاتفاقات الهدنة التي تم توقيعها بين الجانبين أوائل هذا العام!.

ويبدو أن قوات جارانج دأبت قبل أي مفاوضات على تصعيد الأعمال العسكرية من أجل دخول هذه المفاوضات من منطلق القوة، فنفس الأمر قامت بفعله قبل اجتماعات "إيجاد" العام الماضي، حيث قامت بالسيطرة على مدينتي ديم والزبير الإستراتيجيتين في منطقة بحر الغزال، وهما من المناطق الغزيرة بالبترول، وبررت هجومها آنذاك بسبب استيلاء القوات الحكومية على مدينة جوبا الإستراتيجية والتي تعد العاصمة لدولة الجنوب المستقبلية!.

ومن هنا يمكن فهم أسباب سعي قوات التمرد لوضع يدها على المناطق الإستراتيجية - خاصة مناطق البترول - من أجل المساومة على اقتسام عوائد النفط مع الحكومة، ومن ثم امتلاك مصدر دخل منفصل عن الموارد الحكومية، تمهيدا لانفصال الجنوب.

أي أن الحركة لا تطالب الحكومة باستخدام عوائد البترول من أجل تحسين مستوى الخدمات والمرافق في الجنوب، وإنما تطالب بالحصول على نسبتها من هذه العوائد، وتصريفها كيفما تشاء، وهذه هي نقطة الخلاف الأولى التي تكاد تعصف بمفاوضات إيجاد؛ حيث إن الحكومة ترفض إعطاء عوائد البترول لحركة جارانج، خاصة أن قبيلته (الدينجا) لا تمثل سوى 17% من سكان الجنوب فقط، كما ترى الحكومة أن دورها يتطلب استخدام العوائد النفطية لإحداث نهضة في الجنوب ككل؛ وقد بدأت بالفعل منذ عامين تقريبا وضع برنامج للنهوض بالتنمية في الجنوب أطلق عليه اسم (برنامج الطوارئ الإنمائي للولايات الجنوبية)، وتم صرف قرابة 700 مليون دولار على 10 ولايات جنوبية العام الماضي، كما أن الحكومة تستند – كما صرّح بذلك وزير البترول السوداني لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية أوائل يونيو 2002 – إلى تقرير المبعوث الأمريكي الخاص جون دان فورث الذي رفعه لإدارة بوش في 26-4-2002، وجاء فيه ضرورة التوزيع العادل لموارد السلطة على أهل السودان ككل، ولم يتحدث عن تقسيم هذه العوائد بين الحكومة وحركة جارانج.

تقرير دان فورث

ولعل توقيت مفاوضات إيجاد الأخيرة يكتسب أهمية ثانية، بالنظر لأنها تأتي بعد أقل من أسبوعين من مناقشة لجنة الاستماع في الكونجرس (5-6-2002) لتقرير المبعوث الخاص للولايات المتحدة جون دان فورث عن الأوضاع في جنوب البلاد، والذي يوضّح إلى حد بعيد الرؤية الأمريكية للوضع في السودان، والتي يمكن طرحها في مفاوضات إيجاد الأخيرة.

وقد جاء في التقرير ما يلي:

1- أن الولايات المتحدة ما زالت مشغولة بقضيتي الرق وحقوق الإنسان في السودان.

2- أن كلا الطرفين لا يمكنه كسب الحرب، ومن ثم لا بد من ممارسة الضغوط على الجانبين في اتجاه السلام.

3- الولايات المتحدة لا تعتزم إطلاق مبادرة سلام أمريكية، فهناك مبادرات كثيرة ينبغي دعمها.

4- الإشادة بجهود الرئيس الكيني دانيال أراب موي - الذي حصل على تفويض من إيجاد في مارس الماضي - لتحقيق المصالحة في جنوب البلاد، والذي قام بدوره بتعيين رئيس أركان جيشه مبعوثا للسلام في البلاد.

من هذا التقرير يمكن استخلاص بعض الملاحظات التي قد تفيد في فهم سير عملية التفاوض الراهنة:

1- أن واشنطن بالرغم من القول بعدم وجود مبادرة خاصة بالسودان فإن إشادتها بالرئيس الكيني معناه تأييد ما جاء في مبادرة إيجاد، خاصة فيما يتعلق بحق تقرير المصير، وفصل الدين عن الدولة.

2- أن الحديث عن قضيتي الرق وحقوق الإنسان سيظل سيفا مسلطا على رقبة السودان في حالة عدم الانصياع لمطالب واشنطن، ومن هنا يمكن فهم موقف واشنطن الحالي من حكومة الخرطوم، الذي يقوم على تطبيق سياسة العصا والجزرة، فنظرا لتعاون حكومة البشير مع الفريق الأمني الأمريكي الذي زار البلاد في أغسطس 2001 - أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بشهر - للتفتيش عن معسكرات الإرهاب، فضلا عن تنديد السودان بأحداث سبتمبر، ودعمها لواشنطن في حملتها ضد الإرهاب - فقد وافقت واشنطن على تمرير قرار لمجلس الأمن في نفس الشهر بشأن رفع العقوبات الدولية عن الخرطوم، ولم تستخدم حق الفيتو في الاعتراض عليه. ولكن في المقابل لم ترفع واشنطن العقوبات الخاصة التي فرضتها على الخرطوم في 1998 بعد حادث تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانيا، حيث قرر الكونجرس في نوفمبر 2001 تمديد هذه العقوبات بالرغم من أنها تفرض حظرا على الشركات، بل والأفراد، فيما يتعلق بالتنقيب عن البترول في السودان.

3- أن واشنطن تهدف إلى تدويل قضية الجنوب، بحيث لا يصير أمرها في أيدي الطرفين الأساسين في المعادلة (الحكومة - جارانج)، ومن ثم يصبح هناك نوع من الوصاية والإشراف الدولي علي أي اتفاق، وهنا يمكن فهم أسباب نص التقرير على عدم قدرة أي طرف على حسم المعركة لصالحه، ومن ثم لا بد من وجود ضغوط دولية.

كما أن التقرير يكشف عن وجود قدر من التنسيق بين واشنطن والدول الأوربية شركاء إيجاد للتوصل إلى تسوية لقضية الجنوب وفق مبادرة إيجاد، وليس وفق المبادرة المصرية - الليبية، أو اتفاق جيبوتي اللذين يؤكدان على بقاء السودان موحدا.

ويبدو أن هذا النهج الأمريكي القائم على الإشراف الدولي هو الذي تنتهجه واشنطن في التعامل مع الأزمة منذ أوائل 2002، خاصة بعد توقيع اتفاق النوبة لوقف إطلاق النار، والذي تم إخضاعه للإشراف الدولي (الأمريكي!).

4- أن التعقيبات التي جاءت على التقرير داخل لجنة الاستماع الأمريكية توضح لنا أن واشنطن عازمة - خلال هذه المفاوضات، أو ربما في الجولة الثانية منها، والتي ستلي هذه الجولة في حالة فشلها وتستمر خمسة أسابيع أيضا - على حسم قضايا: النفط - الدين والدولة - حق تقرير المصير؛ بما يحقق مصالح الجنوبيين، مع ممارسة كافة الضغوط لإجبار الحكومة على تنفيذ مثل هذه البنود، ويتضح ذلك من عبارات (بريندير جاست) رئيس مجموعة إدارة الأزمات الدولية والمسئول عن إفريقيا داخل الكونجرس، حيث ركز في كلمته على فكرة حق تقرير المصير، وقال: "بالرغم مما توصلنا إليه من حلول توفيقية بين الجانبين – إشارة لاتفاق النوبة – فإن الأجزاء الأصعب لم تحل بعد وهي قضية حق تقرير المصير … إن من أعقد المشكلات المتوقعة على مائدة مفاوضات إيجاد هي علاقة الدين بالدولة، وربما تكون قضية حق تقرير المصير هي المقتل لمفاوضات إيجاد المقبلة، ومن ثم فإن المفاوضات لن تنجح بدون تدخل دولي واسع!". ثم قدم مقترحات سماها (العصا والجزرة) للضغط على الجانبين للتحرك نحو القضايا المفصلية.

إن الموقف الأمريكي الذي ظهرت ملامحه الإقليمية إلى حد كبير في تقرير (دان فورث) يشبه إلى حد كبير ما جاء بالتقرير الذي أصدرته المجموعة الدولية للأزمات والتي تم تشكيلها أوائل هذا العام بقيادة كل من الولايات المتحدة – بريطانيا – النرويج، وتتخذ من بلجيكا مقرا لها لمراقبة الوضع في جنوب السودان.

فهذا التقرير الذي جاء في 200 صفحة حمل عنوان (الله – النفط – تغيير منطقة الحرب في السودان)، وهو يشير إلى القضايا الثلاث الأساسية، فلفظ الجلالة يشير إلى قضية فصل الدين عن الدولة وعدم تطبيق الشريعة في الجنوب، والنفط يشير إلى ضرورة تقسيم عوائد النفط بين الشمال والجنوب، والنقطة الثالثة هي المتعلقة بحق تقرير المصير.

وقد علق التقرير على هذه القضايا الثلاث الأساسية، فاقترح إقامة اتحاد فيدرالي علماني يقوم على فصل الدين عن الدولة، وإعفاء الجنوب من تطبيق قوانين الشريعة، وتقسيم عوائد النفط على أساس جغرافي. ولقد كان لطرح هذا التقرير قبل قمة إيجاد التي عقدت في الخرطوم في يناير 2002 أحد أسباب توقيع اتفاق النوبة، الذي أثار حفيظة العديد من السودانيين، على اعتبار أنه ساهم في تدويل قضية السودان من ناحية، كما أنه يعدّ مقدمة لفصل الجنوب عن الشمال على اعتبار أن منطقة النوبة تقع وسط السودان وتقطنها أغلبية مسلمة!.

وهكذا يتضح أن مفاوضات إيجاد تكتسب أهمية كبرى سواء من حيث دلالات التوقيت من ناحية، والقضايا المثارة من ناحية ثانية، والاهتمام الإقليمي والدولي المتمثل في المشاركة الواسعة من ناحية ثالثة، فضلا عن طول مدة المفاوضات (قرابة خمسة أشهر) وإمكانية التجديد لفترة أخرى مماثلة.. من ناحية رابعة.

وكل هذا يدفعنا إلى القول بأن قضية السودان تقف عند مفترق الطرق الآن، وأن الحكومة في موقف حرج إزاء هذا التكتل الداخلي والإقليمي والدولي ضدها، خاصة أن المفاوضات تنطلق من مبادرة إيجاد، وليس من المبادرة المصرية - الليبية التي تؤيدها الحكومة. ويبدو أن واشنطن، وإن كانت تؤيد فكرة حق تقرير المصير، فإنها قد تعارض انفصال الجنوب لما قد يحدثه ذلك من قلاقل في المنطقة، فضلا عن وجود مخاوف من انضمام الشمال المسلم إلى مصر في إطار إحياء مشروع وحدة وادي النيل، ومن ثم فإنه من المتوقع أن تركز واشنطن الآن على قضيتي النفط والشريعة، مع إرجاء فكرة تقرير المصير، أو اقتراح الحل الفيدرالي العلماني الذي يسلخ عن السودان هويته الإسلامية التي أعلنتها حكومة الإنقاذ عام 1989.


* باحث في الشئون الأفريقية.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع