بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

آسيا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


ألف باء.. كشمير

16/06/2002

طاهر أمين

حفل تاريخ كشمير قديمًا بصراعات عديدة بين البوذيين والبراهمة، حيث كان الحاكم يقوم باضطهاد أفراد الطائفة المعادية لطائفته. وقد ذكر بعض الرحالة الصينيين أن آسوكا الأكبر قد أقام العديد من الأديرة والقباب والمعابد في وادي كشمير، كما أنه وضع الأساس لمدينة سريناغري التي تسمى الآن سرينغار.

كما كوَّن كانيشا -حاكم شمال غربي الهند والذي ينتمي إلى طائفة الكوشان- المجلس البوذي الرابع في كشمير. ولكن حكم طائفة الكوشان شهد نهايته في سنة 178 بعد الميلاد؛ لتقوم على أنقاضه سلالة غوناندا الحاكمة، والتي خفت فيها صوت البوذيين؛ نظرًا للاضطهاد الذي مورس ضدهم من قبل بعض الحكام.

وقد حكم كشمير العديد من السلالات البراهمية، مثل: ميكرا كولا، كركوتا، أوتبالا، لوهارا حتى القرن الثاني عشر الميلادي. واكتسبت كشمير -خلال هذه الفترة من القرن 9 إلى 12 الميلادي- شهرة واسعة كمركز للثقافة الهندوسية، إلى أن غزا المغول كشمير في 1320م وانسحبوا منها بعد 8 أشهر من غزوها؛ وذلك قبل حلول الشتاء.

دخل الإسلام إلى كشمير خلال القرن الرابع عشر الميلادي، حيث اعتنق رينشان –وهو حاكم بوذي كشميري- الإسلام في 1320م على يدي سيد بلال شاه المعروف، يعرف كذلك باسم بلبل شاه، وهو رحالة مسلم من تركستان. وقويت شوكة الإسلام خلال حكم شاه مير (1339 –1344م)؛ وقد انخرط العلماء المتصوفة في صفوف الجماهير لتبليغ دين الله. ومعظم هؤلاء العلماء قدموا من وسط آسيا، ومن بينهم سيد بلال شاه، سيد جلال الدين من بخارى، سيد علي الهمداني وابنه... إلخ. ورغم الجهود التي بذلها كل هؤلاء العلماء، فإن جهود سيد علي الهمداني المعروف باسم شاه همدان قد تميزت عن غيرها. فقد وُلِد في منطقة همدان بإيران في سنة 1314 واضطره غزو قوات تيمورلنك لوسط آسيا إلى الهجرة إلى كشمير، التي خصَّها بثلاث زيارات في سنوات 1372 و1379 و1383م على التوالي، برفقة 700 من أتباعه، حيث وفق في نشر الإسلام بين الآلاف من الكشميريين.

وقد تعقب ابنه سيد محمد الهمداني خطاه، وأقنع الحاكم المسلم آنذاك إسكندر (1389 – 1413م) بتطبيق الشريعة. ويتهم المؤرخون الهندوس الحاكم المسلم إسكندر باضطهاد الهندوس وتدمير معابدهم، غير أن هذا الاتهام مبالغ فيه. فقد تميز الحاكم المسلم زين العابدين بن إسكندر (1420 – 1470م) بتسامح كبير تجاه الهندوس، وازدهرت كشمير خلال فترة حكمه، حيث أدخل العديد من الصناعات والحرف، من بينها: صناعة الورق والحرف اليدوية وغيرها، وهو ما اشتهرت به كشمير. وفي نهاية القرن الخامس عشر الميلادي كان أغلبية سكان كشمير قد اعتنقوا الإسلام.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن انتشار الإسلام في كشمير وتكاثر أتباعه، كان يتم عن اقتناع كامل وليس قسرًا أو إكراهًا، حيث مهدت ظروف عديدة الطريق نحو هذا الانتشار الواسع للإسلام، ومن أهمها: رغبة الطبقة الدنيا من الهندوس في إحراز المساواة الاجتماعية والفرص العادلة للازدهار، وهو ما جعلها ترى في الإسلام أفضل بديل عن الحياة التي كانت تحياها. إضافة إلى سهولة تعاليم الإسلام مقارنة بالتعاليم البوذية وتعاليم البراهمة، دون أن نغفل عوامل أخرى، من بينها: فشل الحاكم الهندوسي في قمع الغزو المغولي، وحالة الفوضى التي كانت تشهدها البلاد تحت حكمهم.

وقد استمر الحكم الإسلامي في كشمير قرابة خمسة قرون من 1320 إلى 1819م على ثلاث فترات، هي:

أ - فترة حكم السلاطين المستقلين: (1320 – 1586م).

ب - فترة حكم المغول: (1586 – 1753م).

جـ – فترة حكم الأفغان: (1753 – 1819م).

وقد كان الحكم المغولي في عمومه عادلاً، حيث قام حكامهم بنشر الإسلام والأمن وتشجيع التجارة والصناعة والزراعة، غير أن الحكم الأفغاني كان على خلافه، حيث أرهق الحكام الرعية بالضرائب المرتفعة، إضافة إلى تكرر أحداث الشغب والمصادمات بين الشيعة والسنة؛ نظرًا لاضطهاد الحكام الأفغان للشيعة.

وفي سنة 1819م قام حاكم البنجاب السيخي "رانجيت سينغ" بغزو كشمير، وحكمها حتى سنة 1846م وأذاق شعبها الويلات، ففرض الضرائب الباهظة، وأجبر الناس على العمل دون أجر، وسن قوانين عنصرية ضد المسلمين، وأغلق العديد من المساجد ومنع إقامة الصلوات فيها، وكان دم المسلم أرخص من دم الهندوسي أو السيخي، في حين كان القانون يعتبر ذبح بقرة جريمة عقوبتها الموت.

التاريخ الحديث

ترجع وضعية جامو وكشمير الحالية إلى سنة 1846م حينما باعها البريطانيون لـ"غلاب سينغ" بمبلغ 7.5 مليون روبية بموجب اتفاقيتي لاهور وأمريتسار (مارس 1846م)؛ وذلك غداة الحرب الأولى التي نشبت بين الإنجليز والسيخ. وقد علق "ناث بزاز" على هذه الصفقة، وهو أحد الوجوه السياسية المعروفة في كشمير بقوله: "مليونان من البشر في وادي كشمير وجلجت بيعوا كما تباع الشياه والأغنام لمغامر غريب، دون أن يكون لهم أدنى رأي في الموضوع".

ولقد كان الاهتمام الإستراتيجي البريطاني في إنشاء إمارة في المنطقة يرجع إلى رغبة بريطانيا في إيجاد "حاجز" بين إمبراطوريتها الهندية وبين الإمبراطوريتين الروسية والصينية من جهة الشمال. وقد استطاع غلاب سينغ بمزيج من الغزو والدبلوماسية أن يسيطر على جامو وكشمير بما في ذلك مناطق لاداخ وبلتستان وجلجت، وأنشأ نظام حكم لعائلة "دوغرا" التي حكمت كشمير حتى سنة 1947م. وقد أعقب غلاب سينغ ثلاثة حكام هم: رانبير سينغ (1858م)، وبارتاب سينغ (1885م)، وهاري سينغ (1925م) الذي كان آخر حكام هذا النظام إلى تاريخ انقسام شبه القارة في 1947م.

ولقد كانت عائلة "دوغرا" شبيهة بالحكم السيخي من حيث إلحاق الأذى بالمسلمين عن طريق فرض الضرائب الباهظة وسن القوانين التمييزية وسد سبل التعليم في وجوههم. ومن مظاهر هذا الاضطهاد كذلك، نظام الجباية الذي كان قاسيًا. فبالإضافة إلى أخذ 50% من المحاصيل، كان المسؤولون يأخذون ضرائب على النوافذ، والمواقد، وحفلات الزواج، وعلى قطعان الماشية، بل وحتى على مداخن بيوت المسلمين. وكان ذبح الأبقار ممنوعًا بموجب القانون، وتوقع على فاعله عقوبة القتل. وكانت المساجد تابعة للحكومة، كما أن جريمة قتل المسلم كانت تُعَدّ أهون شأنًا من قتل غير المسلم، إضافة إلى سحق أي مظهر من مظاهر الاحتجاج السياسي بوحشية.

ولذا فقد شهدت المنطقة حوادث عديدة، تم فيها حرق عائلات مسلمة بأكملها بحجة انتهاك القوانين المذكورة، كما أن عمال مصنع الحرير التابع للحكومة -الذين احتجوا على الأجور المنخفضة في سنة 1924م- أغرقوا في النهر بأمر من المهراجا. وعندما لفت وفد يمثل المسلمين أنظار نائب الملك البريطاني اللورد ريدينغ أثناء زيارته لسرينغار في 1924م إلى ما يعانيه المسلمون من محن، تم نفي أعضاء الوفد بالكامل كما تمت مصادرة ممتلكاتهم. ويذكر أن الإنجليز عينوا لجنة يرأسها ب. ج. غلانسي لتقصي مصداقية الشكاوى التي تقدم بها المسلمون، وكان أن أكدت اللجنة وقوع مظالم ضد المسلمين، غير أن المهراجا أهمل توصياتها.

وقد لعبت مدرستان إسلاميتان -وهما مدرسة "مير واعظ" التابعة لمسجد "الجمعية" بسرينغار ومدرسة "شاه همدان"- دورًا فعَّالاً في تسليط الأضواء على المظالم التي كان يتعرض لها المسلمون في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، غير أن الوعي السياسي لم يتبلور في أذهان مسلمي كشمير إلا عندما برزت إلى الوجود الطبقة المثقفة من الشعب الكشميري، حيث تم في سنة 1922م إنشاء اتحاد الشباب المسلم في جامو من قبل تشودري غلام عباس، وانضافت هذه الجهود إلى جهود شيخ محمد عبد الله في 1930م لتحريك المسلمين.

وقد اندلعت الحركة الشعبية الكشميرية في 1931م حينما منع موظف حكومي إمام المسجد من إلقاء خطبة الجمعة، فقام شخص يدعى عبد القدير بإلقاء خطاب حماسي حول القرارات التي يصدرها المهراجا ضد المسلمين. وفي 13-7-1931م قتل 22 مسلمًا كشميريًّا حينما فتحت الشرطة النار على مظاهرة عارمة كانت تحتج على اعتقال عبد القدير، وفي 14-10-1932م تم الإعلان عن إنشاء مؤتمر مسلمي جامو وكشمير تحت قيادة شيخ محمد عبد الله، وقد أصبح المؤتمر أداة أساسية في تحريك الجماهير ضد حكم المهراجا المتعسف.

غير أنه لم يمضِ كثير من وقت، حتى أصبح الوضع السياسي في كشمير يخضع لسياسة الهند البريطانية بعد أن تبنى حزب الكونجرس الوطني الهندي نظرية "الشعب الواحد" التي مفادها أن الهند شعب واحد رغم تعدد طوائفها وأعراقها، في حين كان المسلمون يتبنون نظرية "الشعبين" أي أن شبه القارة الهندية تحوي شعبين مختلفين تمامًا هما الهندوس والمسلمون. لكن انقسامًا حدث بين المسلمين كذلك حينما مال شيخ عبد الله إلى تبني النظرة العلمانية القومية التي ينطلق منها الكونجرس الوطني الهندي، وهو ما دعاه إلى تغيير اسم مؤتمر مسلمي جامو وكشمير.. فسماه المؤتمر الوطني. إلا أن مخاوف تشودري غلام عباس من أن يصبح هذا المؤتمر امتدادًا للكونجرس الوطني الهندي دفعته في أكتوبر 1941م إلى بعث الحياة في مؤتمر مسلمي كشمير، الذي استطاع -من خلال الأغلبية التي يتمتع بها في المجلس التشريعي- تمرير قرار يقضي بانضمام كشمير إلى باكستان؛ وذلك بتاريخ 19-7-1947م.

وفي عشية تقسيم شبه القارة، كانت هناك ثلاث قوى سياسية في كشمير هي كالتالي:

1 - المؤتمر الوطني بقيادة شيخ عبد الله الذي كان يرغب في الانضمام إلى الهند.

2 - مؤتمر مسلمي كشمير بقيادة تشودري غلام عباس الذي كان يرغب في الانضمام إلى باكستان.

3 - المهراجا هاري سينغ الذي كان يفضل الاستقلال عن باكستان والهند؛ لأنه كان يعلم أن الانضمام إلى إحداهما يعني زوال عرشه واستبدال حكمه المتسلط بحكومة ديمقراطية؛ ولذا فقد وضع المهراجا -أثناء التقسيم- كل قادة المؤتمرين الوطني والإسلامي خلف القضبان.

جذور الصراع

حافظت بريطانيا على علاقات هيمنة في 584 إمارة هندية تقوم بالإشراف على شؤون الدفاع والعلاقات الخارجية بها، وقد أشارت بريطانيا عشية التقسيم على هذه الإمارات أن تنضم إلى الهند أو باكستان، وفقًا لرغبة الجماهير في كل إمارة، غير أن ثلاث إمارات لم تتخذ قرارًا بهذا الشأن في 15-8-1947م، وهي: (حيدر آباد، جوناغاد، كشمير). ثم قرر حاكم جوناغاد المسلم أن ينضم إلى باكستان رغم وجود أغلبية هندوسية في الإمارة؛ وأمام معارضة هذه الأغلبية لقرار الحاكم، دخلت القوات الهندية الإمارة وأجرت استفتاء انتهى بانضمامها إلى الهند، ونفس الشيء حدث بالنسبة لحيدر آباد، حيث أراد حاكمها المسلم أن يظل مستقلاً بإمارته، غير أن الأغلبية الهندوسية لم تقر خطوته هذه.. فدخلت القوات الهندية الإمارة بتاريخ 13-9-1948م، وهو ما جعلها تنضم إلى الهند.

وقد كانت وضعية كشمير مخالفة تمامًا لوضعية الإمارتين السابقتين، حيث إن حاكمها الهندوسي قرَّر –بعد فشله في أن يظل مستقلاً- الانضمام إلى الهند، متجاهلاً رغبة الأغلبية المسلمة الساحقة في الانضمام إلى باكستان. وقد قبلت الهند انضمامه إليها في حين رفضت انضمام الإمارتين السابقتين إلى باكستان بناء على رأي الحاكمين بهما. وكان الحاكم الكشميري هاري سينغ يريد كسب الوقت؛ لأنه يفضل أن يكون مستقلاً عن كل من الهند وباكستان، ولكن عندما دُفع إلى الاختيار بين الهند وباكستان فضل الانضمام إلى الدولة الهندوسية على الانضمام إلى باكستان المسلمة، لكنه فعل ذلك بحذر خوفًا من حدوث ثورة مسلمة ضد هذا القرار. فقام بعرض معاهدتين على كل من باكستان والهند لإبقاء الأوضاع كما كانت عليه، وللمحافظة على الاتصالات والإمدادات؛ فقبلت باكستان المعاهدة، في حين رفضتها الهند، ثم انطلق المهراجا في اتباع سياسة مدروسة؛ فمن جهة بدأ بالاتفاق مع المهراجات الهندوس في حملة إبادة منظمة ضد مسلمي كشمير، ومن ناحية أخرى اتخذ خطوات لتسهيل الانضمام إلى الهند.

ومن السهل معرفة مقدار التقتيل الذي تعرض له المسلمون في جامو وحدها، حيث أبادت قوات المهراجا أكثر من 200 ألف مسلم، محولة جامو من مقاطعة ذات أغلبية مسلمة إلى مقاطعة ذات أقلية مسلمة. وتبع هذا تعزيز العلاقات بين المهراجا وبين المسؤولين الهنود، فيما تواصلت أعمال إنشاء الطرق التي تربط الهند بكشمير، إضافة إلى إقالة بانديت كاك رئيس وزراء كشمير الذي عقد معاهدة مع باكستان، حيث حل محله "مهر تشند" الذي كان إلى جانب الهند علنًا. وتم إطلاق سراح شيخ عبد الله الذي كان ضد الانضمام إلى باكستان، بينما ظلَّ قادة مؤتمر مسلمي كشمير وعلى رأسهم تشودري غلام عباس يقبعون في زنازين المهراجا. وقد شكلت هذه الأمور مجتمعة قناعة لدى قادة باكستان حول خطة المهراجا طويلة المدى الهادفة إلى الانضمام إلى الهند.

وفي هذه الأجواء المشحونة، دخل إلى كشمير مئات من أفراد قبائل الباتان من مقاطعة شمال غرب باكستان؛ وذلك لمساعدة إخوانهم في العقيدة الذين يتعرضون للمذابح على أيدي جنود المهراجا، وقد أدى هذا التصعيد في الأحداث إلى هروب المهراجا من سرينغار، حيث أُقنع من قبل السلطات الهندية فيما يبدو بضرورة الانضمام إلى الهند في 22-10-1948م. وقامت الهند عند سماعها بدخول أفراد القبائل المسلمة، بإرسال قواتها إلى كشمير حتى قبل استكمال "شكليات" انضمام كشمير إليها.

وقد قبلت الهند الضم مبدئيًّا بشرط أن يُجرى استفتاء تحت رعاية دولية من أجل معرفة رغبة شعب كشمير، حيث جاء في رد "ماونتباتن" المندوب السامي البريطاني في الهند على رسالة المهراجا التي طلب فيها الانضمام إلى الهند؛ ما يلي:

".. تناسقًا مع السياسة البريطانية القاضية بأن الولاية التي تصبح فيها قضية الانضمام محل نزاع، فإن القرار يتخذ في المسألة وفقًا لرغبة شعب الولاية. وإن رغبة حكومتي هي أن تحل قضية الانضمام بالرجوع إلى قرار الشعب حالما يتم إقرار الأمن في كشمير ويتم تطهير أرضها من الغزاة".

وفي مطلع يناير 1948م، احتجت الهند لدى الأمم المتحدة ضد ما أسمته بالاعتداء الباكستاني على أراضٍ انضمت إلى الهند قانونيًّا؛ وذلك بالإحالة إلى المادتين 34 و35 من الفقرة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة حول "الحل السلمي للنزاعات".

وقد أثبتت وثائق متعلقة بعملية التقسيم –تم الكشف النقاب عنها مؤخرًا- تورط بريطانيا في تسهيل استيلاء الهند على كشمير، حيث أظهر ألاستاير لامب –اعتمادًا على هذه الوثائق- أن ماونتباتن لعب دورًا فعالاً في الضغط على "ريد كليف" من أجل تسليم مقاطعة "غورداسبور" ذات الأغلبية المسلمة إلى الهند، وقد مثلت هذه المقاطعة المنفذ الوحيد للهند إلى كشمير. وقد كانت نظرة بريطانيا معتمدة على أن كشمير التي تتمتع بموقع إستراتيجي هام يمكن أن يسيل لها لعاب روسيا أو الصين؛ ولذا فمن "الحكمة" أن تُضم إلى دولة كبيرة ومستقرة الأوضاع (أي الهند)، بدلاً من أن تضم إلى دولة صغيرة وغير مستقرة مثل باكستان.

وقد قام ألاستاير لامب بدراسة عميقة ومتأنية للأحداث التي تزامنت مع التقسيم، وأصدر كتابًا أسماه "ولادة أزمة كشمير في 1947"؛ وتحدى فيه مزاعم الهند بأن معاهدة انضمام كشمير قد وُقعت بواسطة المهراجا هاري سينغ، حيث إنه يرى أن التسلسل الزمني للأحداث يشير إلى أن القوات الهندية دخلت كشمير قبل توقيع معاهدة الانضمام إلى الهند، بل إنه يعتقد أن معاهدة الانضمام الموقع عليها ليس لها وجود أصلاً نسبة إلى رفض المهراجا التوقيع عليها؛ ولذا فإن الهند لم تقدم أبدًا النسخة الأصلية للمعاهدة في أي محفل دولي.

وتحمل وجهة نظر لامب وزنًا كبيرًا نسبة لما شفعها به من وثائق وشواهد. وبناء عليه، فإن نظرة لامب بأن معاهدة الانضمام لم توقع أصلاً تقوض الحجة القانونية التي تستند عليها الهند في كون كشمير أصبحت جزءاً منها غداة توقيع المهراجا هاري سينغ على معاهدة الانضمام. وقد جاء تأكيد ما ذهب إليه لامب من قبل صحفي هندي معروف هو م. ج. أكبر في كتابه الجديد عن كشمير، والذي أثبت فيه تآمر نهرو وماونتباتن لحرمان باكستان من كشمير.

نستطيع إذن، انطلاقًا من هذه الخلفية التاريخية، معرفة موقع كل من الأطراف الثلاثة المعنية (باكستان، الهند، كشمير) من النزاع. فشعب كشمير الذي يعتبر الطرف الرئيسي في هذا الصراع، هو الجهة الأكثر تضررًا، حيث إنه لم يُحرم فقط من حقه الطبيعي في تقرير مصيره الذي وعدته به الهند والذي حفلت به قرارات الأمم المتحدة حول كشمير، بل يعاني فوق ذلك من وطأة الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان، مما يجعل النزاع حول كشمير يمثل أهمية قصوى بالنسبة له.

فهو قد ضحَّى بالغالي والنفيس من أرواح أبنائه منذ التقسيم، كما عانى على كل الأصعدة: سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا تحت نير الغطرسة الهندية، إضافة إلى أن عملية الانقسام التي حدثت في صفوف قادة الشعب الكشميري في 1947م كان لها النصيب الأوفر في خلق الأزمة الحالية، حيث يعترف شيخ عبد الله في مذكراته أن التوجه الشعبي العام أيام التقسيم كان يفضل الانضمام إلى باكستان، إلا أن رأيه كان على غير ذلك، ولا يزال شعب كشمير يدفع ثمنًا باهظًا لذلك القرار الذي أملته مصلحة شيخ عبد الله السياسية.

ماذا تعني كشمير بالنسبة للطرفين؟

صرَّح نهرو للسيد أتلي رئيس وزراء بريطانيا في برقية بعثها إليه بتاريخ 25-10-1947م: "أن كشمير، كما تعلمون، ترتبط من الناحية الشمالية بحدود مشتركة مع ثلاث دول هي أفغانستان والاتحاد السوفيتي والصين، وهو ما يجعل أمن كشمير أمرًا حيويًّا لأمن الهند.. خاصة وأن الحدود الجنوبية لكشمير مشتركة مع الهند، فمساعدة مهراجا كشمير إذن واجب يمثل مصلحة قومية للهند".

ويقول مايكل بريتشر: إن الاعتبار الرئيسي للهند تجاه كشمير ينبع من موقعها كقوة في وسط آسيا، ولم يخف نهرو –وهو كشميري- اهتمامه الشخصي بكشمير، فقد صرَّح في البرلمان الهندي: "لقد كنت مهتمًا جدًّا بالأمر، فإلى جانب الدوافع التي كانت تحرك الحكومة الهندية، كانت هناك أسباب شخصية وعاطفية، وأنا لا أريد أن أخفي هذا الأمر، فإني مهتم بكشمير".

وتعتبر باكستان أن كشمير منطقة حيوية بالنسبة لأمنها؛ نظرًا لأن الطريقين الرئيسيين وشبكة السكة الحديدية في سرحد وشمال شرق البنجاب تجري محاذية لكشمير؛ لذا فإن احتلال الهند لكشمير يمثل تهديدًا مباشرًا لباكستان، وخصوصًا أن فيها ثلاثة أنهار تعتبر المغذي الرئيسي للنظام الزراعي في باكستان، تصب كلها من كشمير. وقد لخَّص الأستاذ ظفر الله خان وزير خارجية باكستان هذه الأهمية في قوله: "إن إلحاق كشمير بالهند لا يمكن أن يضيف شيئًا كثيرًا إلى اقتصاد الهند أو أمنها الإستراتيجي، بينما يمثل أمرًا حيويًّا لباكستان، فإذا ما انضمت كشمير إلى الهند، فإن باكستان –سواء من الجانب الإستراتيجي أو الاقتصادي- إما أن تصبح جزءاً خاضعًا لسلطة الهند، أو ينتهي وجودها كدولة ذات سيادة مستقلة".

وبعيدًا عن هذه التعليلات السياسية والإستراتيجية للقضية، فإن المحرك الرئيسي لسياسات أطراف النزاع، يكمن في "صراع النظريات" الذي نشب بين نظرية الشعب الواحد ونظرية الشعبين، وهو ما عبَّر عنه نهرو بصراحة حينما قال:

"إن الأمر لا يتعلق بكشمير، بل بصراع أعمق من ذلك بكثير، يقف في وجه العلاقات الباكستانية - الهندية، ويجعل الوضع خطيرًا جدًّا، فنحن لا نستطيع أن نتخلى عن أهدافنا الأساسية التي حملناها طويلاً والتي تعتبر أساس دولتنا".

وخلال الفترة الممتدة من سنة 1947م إلى سنة 1964م، كان هناك مساران متزامنان هما: جهود التسوية وجهود إضفاء طابع المؤسساتية على الصراع، وسنتناول كلاًّ منهما على حدة.

جهود تسوية الصراع

من المهم معرفة الطبيعة اللامتناسقة للصراع الهندي - الباكستاني من أجل فهم توجهات الأطراف حيال جهود تسوية الصراع. ونشير بداية إلى أن باكستان قد ورثت تركة ثقيلة متمثلة في جيش ضعيف جدًّا بكل المقاييس، ويعتمد على فيالق يقودها الضباط البريطانيون إضافة إلى عدم وجود البنية الإدارية آنذاك، في حين كانت الهند على النقيض من هذا تمامًا، فجيشها كان قويًّا جدًّا، وبنيتها الإدارية مكتملة. ففي حرب 1948م استولت القوات الهندية على معظم الأراضي الكشميرية، بينما ظلت القوات الباكستانية تحتفظ بمناطق جبلية لا تمثل أهمية إستراتيجية.

في البداية.. اعتبرت الهند أن انضمام كشمير إليها أمر مؤقت وأن مستقبل كشمير سيخضع لاستفتاء شعبي محايد تحت رعاية دولية، ولكنها فيما بعد غيرت هذا الموقف وادعت أن كشمير جزء لا يتجزأ من الأراضي الهندية. ومع ذلك، فقد ظلت الولاية تحتفظ بوضع خاص تحت المادة 370 من الدستور الهندي. وقد تشكلت حكومة كشمير الحرة في المناطق التي احتفظت بها باكستان، غير أن هذه الحكومة ظلت في الواقع تحت سيطرة الحكومة الباكستانية.

وكان صانعو القرار السياسي في باكستان يفضلون تدخل طرف ثالث نشط في الصراع؛ وذلك لخوفهم من الهند ولعدم ثقتهم فيها، حيث طلب محمد علي جناح –أول حاكم عام لباكستان- في سنة 1947م من بريطانيا أن تتدخل في الصراع من أجل "المساعدة في تسوية الخلافات بين أعضاء الكومنولث"، كما أن وزير الخارجية الباكستاني السيد ظفر الله خان اقترح في أول خطاب له أمام الأمم المتحدة، عدة أمور من بينها نشر قوات دول الكومنولث في كشمير. لكن المسؤولين الهنود لم يكونوا على استعداد للسماح لطرف ثالث قوي بالتدخل وتغيير الوضع القائم، خاصة بعد تفوقهم العسكري وسيطرتهم على المواقع الإستراتيجية في الولاية.

وقد رفعت الهند قضية كشمير أمام الأمم المتحدة؛ وذلك بموجب المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة في شكل تظلم منها ضد باكستان، وركَّز الممثل الهندي لدى الأمم المتحدة في حديثه على غزو القبائل لكشمير، واتهم باكستان بالتواطؤ مع منفذي هذه الهجومات. وهذا يعتبر عدوانًا ضد الهند؛ لأن كشمير انضمت لها في 26-10-1947م، وذلك اعتمادًا على اعترافات المهراجا (حاكم كشمير)، ثم كرَّر المتحدث الهندي العرض الذي تقدم به جواهر نهرو بغية إقامة استفتاء شعبي في كشمير تحت الرعاية الأممية.

أما ممثل الحكومة الباكستانية لدى الأمم المتحدة، فقد عرض القضية من زاوية أوسع، حينما اعتبر كشمير جزءاً من مخطط هندي كبير لخنق دولة باكستان الوليدة وإجهاض تقسيم شبه القارة الهندية. واعترض على أن يكون ضم كشمير للهند من قبل المهراجا أمرًا قانونيًّا، موضحًا أن الوضع في كشمير يمثل انتفاضة شعبية ضد نظام المهراجا الظالم. كما قارن بين انضمام منطقة جوناغاد ذات الأغلبية الهندوسية، وهو الأمر الذي أبطلته الهند، وبين انضمام كشمير إلى الهند، وهو ما رحَّبت به الهند وقبلته. وأوضح أنه في كلتا الحالتين كان الحاكم يختلف من حيث الديانة عن غالبية الشعب.

ولقد كانت القرارات التي اتخذها مجلس الأمن في 21-4-1948م و13-8-1948م و5-1-1949م ذات أهمية كبرى، حيث إنها شكلت موقف المجلس من الصراع الدائر في كشمير. فعرض أن يأخذ المجلس موقفًا حصيفًا وقانونيًّا من خلال تمحيص الشكاوى التي يعرضها كل طرف ضد الآخر، فعرض صفقة شاملة تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

1 - انسحاب القوات العسكرية من كشمير.

2 - إجراء استفتاء شعبي.

3 - تنصيب حكومة انتقالية في كشمير للإشراف على الوضع.

وفيما يخص قضية سحب القوات، طلب من باكستان أن تسحب جميع قوات القبائل ووحدات الجيش من كشمير، بينما سمح للهند أن تبقي عددًا أدنى من قواتها من أجل مساعدة حكومة كشمير في إجراء الاستفتاء الشعبي الذي فضلت الأمم المتحدة أن يكون تحت إشراف دولي واسع، غير أن الطرفين رفضا هذا "العرض" الذي تقدم به مجلس الأمن لأسباب مختلفة. وسنذكر الخطوط العريضة لأهم ميادين الاختلاف بين العروض والاقتراحات التي كانت تقدمها دائمًا الهند وباكستان أمام الأمم المتحدة للمناقشة والتي لم تحز يومًا ما على اتفاق، وهي كما يلي:

أ – كانت الهند تعتبر قضية انضمام كشمير لها أمرًا بينها وبين شعب كشمير فقط، وفي المقابل كانت باكستان تعتبر نفسها على قدم المساواة مع الهند فيما يخص هذا الموضوع.

ب – كانت باكستان تريد أن يعهد إلى الأمم المتحد كل ما يتعلق بإجراء وتنظيم ومراقبة الاستفتاء الشعبي، غير أن الهند كانت ترغب في تحجيم دور الأمم المتحدة بحيث لا تترك لها سوى دور المراقبة وإبداء النصائح والتوجيهات.

ج – كان أهم شيء بالنسبة للهند وقف القتال في كشمير، وإرجاع الأمور إلى نصابها الطبيعي، أما باكستان فإنها كانت تعتبر أن تحقيق هذين الأمرين سيكون جزءاً من عملية الإعداد لإجراء الاستفتاء.

د – شدَّدت باكستان على أن الانسحاب لا بد أن يكون كاملاً من كلا الطرفين ومتزامنًا في التوقيت، غير أن الهند كانت ترفض أن ينسحب جيشها من كشمير.

هـ - كانت الهند ترغب في أن تكون الحكومة الانتقالية التي تحكم كشمير أثناء الاستفتاء بقيادة شيخ عبد الله، بينما كانت باكستان تفضل أن تتولى تسيير الحكم إدارة تعينها الأمم المتحدة.

ومن السهل جدًّا أن ندرك أن المقترحات التي تقدم بها كلا الطرفين كانت تعكس بجلاء الدوافع التي تحركهما. فالهند -وهي تقدم اقتراحاتها- كانت تتوقع أن تكون نتيجة الاستفتاء في صالحها في حالة ما إذا بقيت قواتها في كشمير وتمت عملية الاستفتاء بإشراف حكومة انتقالية يرأسها شيخ عبد الله. أما باكستان فكانت تعتقد أن كشمير ذات الأغلبية المسلمة ستنضم إليها بعد الاستفتاء، ما دام تقسيم الهند قد تم على هذا المنوال.

وبسبب هذه الاختلافات الأساسية في الدوافع والمقترحات، كان ما يخطط الطرفان للوصول إليه وتحقيقه عن طريق الأمم المتحدة مختلفًا كذلك. فالهند كانت تريد أن تدان باكستان بوصفها دولة معتدية؛ أما باكستان فقد بذلت جميع جهودها من أجل أن تُعامل مثل ما تعامل الهند، وهو ما جعل حل القضية يستعصي. فانقلبت قاعات الأمم المتحدة إلى محافل خطابية يظهر فيها كل واحد مهاراته، وعجزت كل محاولات الوساطة التي بذلتها الأمم المتحدة أن تأتي بجديد. ونذكر منها على سبيل المثال: لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان، وساطة الجنرال الكندي ماكنوغتون، ومقترحات وجهود السادة: أوين ديكسون، وغونار جارينغ، وفرانك غراهام..

وقد بلغ موقف الهند من الصلابة والعناد حدًّا دفع السيد أوين ديكسون أن يفصح في نهاية مساعيه أنه لا يوجد هناك استفتاء يمكن أن يحوز على قبول الهند؛ كما أن باكستان رفضت أن تقبل أي حل يؤدي إلى بقاء الوضع في كشمير على ما هو عليه مع إحداث بعض التغييرات البسيطة. وقد خلصت جميع جهود الأمم المتحدة للوساطة وحل النزاع إلى نتيجة واحد مفادها أن الحل الوحيد الممكن يتمثل في إجراء مفاوضات ثنائية باكستانية هندية، وهو ما قامت به الهند وباكستان في سنوات (1953 ، 1955 ، 1962/ 1963) غير أن هذه المفاوضات قد انتهت إلى طريق مسدود؛ بسبب النظرة العدائية المتبادلة وعدم الثقة، إضافة إلى اختلاف موازين القوى العسكرية.

غير أنه من المهم ملاحظة أن أهداف الطرفين قد تطرق إليها مرارًا نوع من التغيير؛ وذلك بفعل مرور الوقت وتزايد ارتفاع فاتورة الصراع. فالهند التي كانت تدعي أن كشمير بأكملها تابعة لها بموجب القانون، أضحت مستعدة للقبول بالوضع القائم مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليه دون منازعة باكستان على الشطر الذي تسيطر عليه. أما باكستان التي اتسمت مواقفها نسبيًّا بنوع من الصلابة فقد وافقت على مناقشة قضية تجزئة كشمير في سنة 1955م مع استمرارها في المطالبة بضرورة إجراء استفتاء في وادي كشمير. وحينما استطاعت باكستان بقيادة أيوب خان خلال (1962 – 1963م) أن تحل بعض المشاكل الصغيرة مع الهند -وخاصة الصراع حول مياه نهر السند خلال هذه الفترة- تمت مناقشة التجزئة بجدية، غير أن الاختلافات حول وضعية الوادي المحتل بقيت كما هي.

اقرأ أيضا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع