 |
|
إيرل
هيلليارد يواجه سام ويجينز |
باقٍ
على الانتخابات التشريعية الأمريكية
حوالي أربعة شهور؛ وحتى يأتي موعدها في
نوفمبر القادم سنقوم بعرض مقالات شبه
أسبوعية عن أحوال جماعات الضغط
الإسلامية والعربية الموجودة
بالولايات الأمريكية، موضحين أهمية تلك
الجماعات، ومدى تأثيرها على الساحة
السياسية. وأولى حلقاتنا سنبتدئها
بالأحداث الأخيرة التي جرت في ولاية
ألباما الأمريكية؛ حيث حقق اللوبيان
الأمريكيان (المسلم والعربي) انتصارين
هامين، ولكنه محدود في أولى المعارك
السياسية الحقيقية التي خاضاها منذ عام
2000 في مواجهة اللوبي الإسرائيلي.
وقد
وقعت المواجهة في الدائرة الانتخابية
السابعة بولاية ألباما يوم الإثنين
4-6-2002؛ إذ خاض عضو مجلس النواب الأمريكي
"إريل هيلليارد" -الذي سانده
اللوبيان المسلم والعربي- معركة
للمنافسة على مقعد الحزب الديمقراطي
بدائرته الانتخابية في مواجهة "إرتور
ديفيس" مرشح اللوبي الإسرائيلي
المفضل.
وقد
جذبت المواجهة السياسية -التي وقعت
بواحدة من أفقر الولايات الأمريكية-
اهتمام الصحافة الأمريكية؛ لتأثرها
المباشر بالصراع الدائر بين اللوبي
الإسرائيلي واللوبيين المسلم والعربي
حول التأثير على السياسة الأمريكية
تجاه الشرق الأوسط؛ الأمر الذي جذب
أموالا طائلة تُقدر بمئات الآلاف من
الدولارات الأمريكية إلى المعركة
الانتخابية التي تقع في واحدة من أفقر
الولايات الأمريكية.
وقد
أُعلنت نتائج المعركة الانتخابية في
يوم الثلاثاء الخامس من يونيو بفوز "إريل
هلليارد" بـ43839 صوتا، وهو ما يعادل 45%
من الأصوات، بينما حصل "أرتور ديفيس"
على 42689 صوتا، وهو ما يعادل 44% من
الأصوات، بينما راحت نسبة 11% من الأصوات
إلى مرشح ثالث. ونتيجة لذلك سوف يواجه
هيلليارد منافسه ديفيس في معركة ثانية
حاسمة على مقعد الحزب الديمقراطي عن
الدائرة السابعة في ولاية ألباما في
الخامس والعشرين من يونيو المقبل.
نصر
محدود ولكنه هام
ويمكن
النظر إلى نتائج الخامس من يونيو على
أنها نصر محدود، ولكنه هام للوبيين (المسلم
والعربي) على اللوبي الإسرائيلي. فهو
محدود لأنه لم يكن كافيا لمنح هلليارد 51%
من الأصوات، ومن ثم الأغلبية التي تكفيه
لعدم منافسة ديفيس مرة أخرى على مقعد
الحزب الديمقراطي للدائرة السابعة
بولاية ألباما. وهو محدود أيضا؛ لأن
ديفيس حاز على نسبة من الأصوات أكثر
بكثير من النسبة التي حاز عليها في
انتخابات عام 2000؛ إذ تفوق هلليارد على
ديفيس بنسبة 24% من الأصوات. وتشير
استطلاعات الرأي إلى أن هلليارد كان
متقدما على ديفيس بنسبة 12% من الأصوات في
شهر مارس الماضي قبل أن يبدأ اللوبي
الإسرائيلي تكثيف حملته لمساندة ديفيس.
ورغم
ذلك تعتبر نتائج الخامس من يونيو نصرا
هاما للوبيين المسلم والعربي لأسباب
عديدة: منها أن هلليارد يخوض انتخابات
هذا العام في دائرة جديدة نسبيا عليه؛
إذ قادت تعديلات أجريت على خريطة
الدائرة الانتخابية السابعة بولاية
ألاباما في أوائل عام 2000 إلى حرمان
هلليارد من بعض أهم المقاطعات المساندة
له التي يغلب عليها الناخبون الأفارقة
الأمريكيون، خاصة في مقاطعة مونتجمري،
بينما أضيفت إلى الدائرة بعض المقاطعات
التي يغلب عليها السكان البيض؛ حيث
تتزايد مساندة ديفيس، وخاصة في مقاطعتي
برمنجهام وتوسكالسو.
أضف
إلى ذلك أن المواجهة بين هيلليارد
وديفيس كانت أول مواجهة سياسية حقيقية
بين اللوبيين المسلم والعربي من ناحية،
واللوبي الإسرائيلي من ناحية أخرى، منذ
انتخابات نوفمبر 2000. ومن أهم المظاهر
الإيجابية التي شهدتها هذه المواجهة
عودة اللوبي المسلم الأمريكي القوية
للساحة السياسية بعد أن تصور البعض أن
أحداث سبتمبر ستعيقه عن الاستمرار في
تقدمه السياسي.
فقد
شهد عام 2000 صعودا ملحوظا لنجم اللوبي
المسلم الأمريكي على الساحة السياسية
الأمريكية؛ إذ اتَّحد غالبية المسلمين
الأمريكيين خلف منظماتهم الكبرى
للتصويت لمرشح الحزب الجمهوري "جورج
دبليو بوش"، وصوتوا كأول كتلة
انتخابية مسلمة أمريكة موحدة في
التاريخ.
11
سبتمبر لم تسبب نكسة
وقد
مثل فوز بوش -الذي لم يؤيده اللوبي
الإسرائيلي- انتصارا هاما للوبي المسلم
الأمريكي؛ إذ فتح شهية القوى السياسية
المسلمة الأمريكية الناشئة على العمل
السياسي. ولكن بعد وقوع أحداث سبتمبر
واجه اللوبي المسلم الأمريكي العديد من
الظروف السياسية القاسية، شملت التضييق
على حقوق وحريات أعداد غفيرة من
المسلمين المقيمين في أمريكا، وإغلاق
عدد من أكبر مؤسساتهم الإغاثية، وحملة
تشويه سياسية وإعلامية كبيرة، شنها
تحالف من اللوبي اليميني المتطرف
واللوبي الإسرائيلي ضد القوى السياسية
المسلمة الأمريكية الناشئة.
وقد
يسأل البعض عن مدى قوة اللوبي المسلم
الأمريكي السياسية بعد أحداث سبتمبر،
خاصة مع ندرة المعلومات المتوافرة عنه،
وهو ما كشفته المواجهة بين "هيلليارد
وديفيس"، التي أكدت أن قوة اللوبي
المسلم الأمريكي في تصاعد لأسباب
عديدة، منها أن المسلمين الأمريكيين
واجهوا أزمة سبتمبر مثلما واجهوا أزمة
حرب الخليج الثانية بشعور متزايد برغبة
في المواطنة الأمريكية وممارسة حقوقهم
السياسية، والواضح أن الأزمات السياسية
الكبرى تزيد من رغبة مسلمي أمريكا في
المشاركة في السياسة الأمريكية، وليس
العكس.
والواضح
أيضا أن حملة التضييق على حقوق وحريات
المسلمين والعرب في أمريكا -التي طغت
أخبارها على تناول الإعلام العربي
والإسلامي لقضايا المسلمين والعرب في
أمريكا- أخفت تحتها مساعي المسلمين
الحثيثة لزيادة قوتهم السياسية.
ومن
أبرز هذه المساعي -التي كشفت عنها
مواجهة هيلليارد مع ديفيس- جهود مسلمي
أمريكا الحثيثة لتسجيل أكبر عدد من
الناخبين المسلمين في الكشوف
الانتخابية؛ سعيا منهم لبناء قاعدة
تصويتية قوية، وجهود أخرى بذلها بعض
الكتاب والناشطين المسلمين الأمريكيين
لتوعية المسلمين والعرب بالسياسيين
الأمريكيين المساندين لهم ولقضاياهم،
وخاصة في الكونجرس الأمريكي.
ومن
المهم أيضا أن نوضح أن اللوبي المسلم
الأمريكي بذل خطوات واسعة على سبيل حشد
طاقاته المالية لمساندة المرشحين
المساندين لقضاياه ماليا. وقد أشارت
صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها
الصادر في 3 يونيو 2002 إلى أن الأموال
المسلمة والعربية ظهرت بوضوح في حملة
مساندة هيلليارد؛ حيث رتبت الجماعات
العربية والمسلمة أكثر من حملة لجمع
تبرعات لهيلليارد في ولايات مثل
كاليفورنيا ومشيجان، حيث تعيش تجمعات
عربية ثرية. ومن المظاهر الإيجابية
الهامة الأخرى -التي شهدتها المواجهة
بين هيلليارد وديفيس- تحالف اللوبيين
العربي والمسلم في انتخابات نوفمبر
التشريعية، وهما معا يمكنهما أن يفعلا
الكثير.
التمييز
بين اللوبيين
ويعتبر
اللوبي المسلم الأمريكي واللوبي العربي
الأمريكي حليفين طبيعيين، وكان يصعب
حتى وقت قصير التمييز بينهما. ولكن مع
نهاية التسعينيات أصبحت هناك إمكانية
للتمييز بين اللوبي العربي الذي يقود
منظمات مثل المعهد العربي الأمريكي
واللجنة العربية لمكافحة التمييز،
واللوبي المسلم الذي يقود تحالف
المنظمات السياسية المسلمة الأمريكية،
الذي يضم أربع منظمات سياسية مسلمة
كبرى، وهي: مجلس العلاقات الإسلامية
الأمريكية، والمجلس الإسلامي
الأمريكي، ومجلس الشئون العامة
الإسلامية، والاتحاد الإسلامي
الأمريكي.
ويتميز
اللوبي العربي بتاريخه الطويل نسبيا
مقارنة بالمنظمات السياسية المسلمة
الأمريكية، كما يتميز أيضا بنجاحه في
الدفع بعدد من العرب الأمريكيين في
مواقع بارزة في أكبر المؤسسات
الأمريكية، ومنها الكونجرس -حيث يتواجد
ستة نواب عرب أمريكيون-، والإدارة
الأمريكية الحالية -حيث يتواجد وزير
الطاقة العربي الأصل "سبنسر إبراهام"-.
أما
اللوبي المسلم فيتميز بحداثة نشأته
وأعداده الكبيرة؛ حيث تقدر أعداد
المسلمين في أمريكا بحوالي ستة ملايين
نسمة، كما يتميز أيضا بطبيعته الشابة
وترابطه الأيدلوجي القوى.
توحيد
اللوبيين
وفي
انتخابات عام 2000 لم يستطع اللوبيان
المسلم والعربي توحيد صفوفهما خلف مرشح
رئاسي واحد؛ حيث مال العرب الأمريكيون
إلى مرشح الحزب الديمقراطي "آل جور"،
حيث يميل العرب الأمريكيون تقليديا
للحزب الديمقراطي. بينما ساند المسلمون
الأمريكيون مرشح الحزب الجمهوري "جورج
دبليو بوش". ويتميز المسلمون
الأمريكيون بارتباطاتهم الحزبية غير
القوية؛ مما يساعدهم على المناورة
السياسية بالتحرك بين الحزبين
السياسيين الكبيرين في أمريكا لتأييد
المرشحين المؤيدين لقضاياهم، بغض النظر
عن انتماءاتهم الحزبية أو الأيديولوجية.
ومن
المرجح أن تشهد انتخابات نوفمبر القادم
إعادة لتوحيد صفوف اللوبيين المسلم
والعربي خلف نواب الكونجرس المساندين
لهم، والمعروفين للجميع بشكل يصعب
الاختلاف عليه.
وقد
حدث ذلك في الرابع من يونيو 2002 حين واجه
إريل هيلليارد منافسه المؤيد لإسرائيل
أرتور ديفيس. وتشير التحليلات إلى أن
اللوبيين المسلم والعربي وقفا موحدين
خلف هيلليارد.
الأفارقة..
ورقة ضاغطة
أما
النتيجة الإيجابية الثالثة -التي نتجت
عنها انتخابات الدائرة السابعة بولاية
ألباما- فهي تقريب صفوف المسلمين والعرب
الأمريكيين مع صفوف إحدى أهم الأقليات
الأمريكية، وهي الأقلية الأفريقية
الأمريكية.
وقد
نشرت بعض وسائل الإعلام المعبرة عن
مواقف الأفارقة الأمريكيين -مثل "بلاك
ألوكترات دوت كوم"- تحليلات عن دور
اللوبي الإسرائيلي في انتخابات ألباما.
وأشارت بعض التحليلات المنشورة في 3
يونيو 2002 أو قبل الانتخابات بيوم واحد
إلى أن تدخل الإيباك في انتخابات ألباما
جزء من مساعي الإيباك التاريخية
للتفرقة بين الأفارقة الأمريكيين من
ناحية، والمسلمين والعرب من ناحية
أخرى؛ خوفا من أن يميل الأفارقة
للمسلمين والعرب حول قضية فلسطين.
وقد
أوضحت هذه التحليلات أن اللوبي
الإسرائيلي يخشى دائما من أن يميل
الأفارقة الأمريكيون -مع تزايد قوتهم
السياسية واستقلالهم الفكري- إلى
المسلمين والعرب بسبب جذورهم التاريخية
المشتركة، وبسبب إمكانية أن يربط
الأفارقة الأمريكيون بين معاناتهم في
أمريكا ومعاناة الأفارقة في جنوب
أفريقيا وبين معاناة العرب في فلسطين
تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وتقول
المصادر: إن اللوبي الإسرائيلي سعى
للتفرقة بين الأفارقة الأمريكيين
والعرب بشتى الوسائل، مثل التأثير على
السياسيين الأمريكيين ماليا وسياسيا
وإعلاميا، ومثل شنّ حملات تشوه صورة
المسلمين والعرب في عيون الأفارقة
الأمريكيين باتهامهم بالاتجار بالعبيد
في إفريقيا.
وقد
رأت هذه المصادر أن تدخل الإيباك في
انتخابات ألباما -سعيا لإسقاط إريل
هيلليارد بسبب مساندته للقضايا المسلمة
والعربية ولبعض الدول العربية
الإفريقية- أمر فاق الحد. وربما يؤدي إلى
زيادة تقارب المسلمين والعرب
الأمريكيين من الأفارقة الأمريكيين في
المستقبل المنظور.
وأخيرا
-وهو ما أحب التأكيد عليه- فإن معركة
إريل هيلليارد للدفاع عن مواقفه
المساندة للمسلمين والعرب لم تنتهِ
بعد، وفي الحقيقة إنها بدأت، كما بدأت
أيضا مساعي المسلمين والعرب الأمريكيين
الحثيثة لترك بصماتهم على انتخابات
نوفمبر 2002 التشريعية. ولو نجحوا في
مساعيهم هذه؛ لكان ذلك انتصارا كبيرا
للمسلمين والعرب وقضاياهم، وخطوة هامة
على سبيل تقديم مصالحهم في الدوائر
السياسية الأمريكية في وقت هم في أمسّ
الحاجة إلى انتصار من هذا النوع.
اقرأ
أيضًا:
*كاتب
ومحلل سياسي بمجلس العلاقات الإسلامية
الأمريكية "كير"
|