 |
|
مسجد
آية صوفيا في تركيا |
عام
2002م هو عام الحسم الذي سيحدد شكل
العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
فمع انتهاء هذا العام سينظر الاتحاد
الأوروبي بجدية تجاه "الطلبات"
المقدمة إليه من قبل الدول العشر
الراغبة في الالتحاق بالركب الأوروبي.
وليس سرًّا أن هناك دولاً معينة -وهي
بلغاريا ورومانيا وتركيا- سيتعين عليها
الوقوف في "نهاية الطابور" لتنال
حظها من الانضمام.
وليس
سرًّا أيضًا أن الاتحاد الأوروبي سيسعى
إلى المماطلة مع دولة مثل تركيا، تاركًا
موعد انضمامها مفتوحًا إلى أجل غير مسمى.
وبالرغم من سعيها الحثيث لنيل ذلك "الشرف"،
وبالرغم من مجهوداتها المتواصلة -التي
بدأت منذ قمة هلسينكي 1999م- فإنه من
الواضح حاليًا أن تركيا وصلت في النهاية
إلى مرحلة "اللاأمل"، ومرحلة من
اليأس دفعتها إلى مراجعة نفسها مرة أخرى
بخصوص انضمامها.
وقد
قامت أنقرة مؤخرًا بإظهار ترحيبها
الكامل والتام بكل ما يتعلق بالإصلاحات
الهيكلية والسياسية -طبقًا لمعايير
كوبنهاجن- التي فرضها الاتحاد الأوروبي
كشرط أساسي لفتح باب العضوية أمام تركيا.
ولكن هذا الأمر يثير شكوك بعض الأتراك،
الذين يدعون أن الاتحاد الأوروبي لن يكف
عن "طلباته" المستمرة، ولن يكف عن
ممارسة ضغوطه على تركيا حتى ترضخ
الأخيرة وتستسلم لمزيد من الإصلاحات
الدستورية، خاصة في موضوعَي حقوق
الأقليات الإثتية وإلغاء عقوبة الإعدام.
وبعد
خمسة عشر عامًا من حرب ضروس بين الحكومة
التركية وحزب العمل الكردستاني -تلك
الحرب التي انتهت باعتقال عبد الله
أوجلان زعيم الحزب- بدأت الإدارة
التركية في "لجم تصرفاتها" و"ضبط
نفسها" تجاه أية عقوبات سواء ضد
الأكراد أو غيرهم؛ وصار إلزامًا عليها
الموافقة على رغبة الاتحاد الأوروبي في
الاعتراف بالقبرصيين اليونانيين بجنوب
قبرص، وحل الأزمة القبرصية بالطريقة
التي ترضي الاتحاد.
الاتحاد
الأوروبي "يتدلل"
والحقيقة
أن عام 2002م أفرز بدايات طيبة تبشر
بالآمال والطموحات؛ ففي نهاية العام
الماضي اتخذت تركيا خطوات جريئة للوقوف
على تلك القضايا التي تعكر علاقتها مع
الاتحاد الأوروبي؛ وأبرزها القضية
القبرصية. وعلى أثر ذلك قام الاتحاد
بعقد قمة في ديسمبر 2001م، أخبر فيها
الحكومة التركية باستعداده لفتح
محادثات جديدة معها بشأن الانضمام؛
الأمر الذي شجَّع أنقرة على الإسراع في
الأخذ بالإصلاحات الديمقراطية، التي
تهدف إلى جعل التشريع التركي أقرب ما
يكون للمعايير الأوروبية الديمقراطية.
وعلى
هذا الأساس قام مجلس الشعب التركي (TGNA)
بالموافقة على سلسلة من الإصلاحات "الديمقراطية"
في مجال حرية التعبير والرأي؛ هذا
بالإضافة إلى وضع مهلة محددة –حتى
نهاية شهر مارس 2002م– للانتهاء من جميع
إجراءات "الدمقرطة" قصيرة المدى.
وقد عبَّر نائب رئيس الوزراء ميسوت
يلماظ –وهو المسئول الأول عن تنظيم
العلاقات بين الاتحاد والحكومة التركية–
عن أمله في فتح باب المفاوضات مع
الاتحاد في عام 2003م، بحيث يتم الانضمام
في عام 2007م.
ولكن
بالرغم من كل هذه الجهود التركية، ظلَّ
الاتحاد الأوروبي منتهجًا أسلوب
المماطلة والتسويف في تحديد موعد محدد
لبدء المفاوضات؛ بحجة أن "الجهود
التركية" لم تكن على قدر المستوى
المطلوب الذي يتماشى مع معايير
كوبنهاجن. وهاهو جونتر فيرهويجن Guenter
Verheugen -المسئول
الأوروبي عن توسيع الاتحاد الأوروبي–
يدلي بتصريحاته من خلال زيارته أنقرة في
14 فبراير 2002م؛ فيقول: إنه بالرغم من أن
من الإصلاحات كانت بمثابة تقدم كبير في
"المجال التركي" فإنها "كانت غير
كافية من وجهة النظر الأوروبية". ثم
أضاف قائلاً: "نحن نتوقع أن الخطوات
القادمة سوف تغطي مجالات عديدة لم
تُغطَّ من قبل، مثل عقوبة الإعدام
والتعليم". كما شدد على حاجة تركيا
إلى "التطبيق الكامل" للمعايير
السياسية الأوروبية؛ حيث أوضح أن "بداية
سير المفاوضات متعلق أولاً وأخيراً
بمدى التقدم الذي سوف تحققه تركيا".
الانقسام
في الحكومة التركية
وفي
بحث حول "أجندة تركيا - الاتحاد
الأوروبي لعام 2002م" -والذي قامت به
المؤسسة التركية الأوروبية في فبراير
2002م– ظهر لنا أن 68% من الشعب التركي
يؤيدون دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي.
وذلك أن معظم المواطنين الأتراك ينظرون
إلى الاتحاد الأوروبي على أنه قارب نجاة
سينتشلهم من الأزمة الاقتصادية التي
تسيطر على بلادهم؛ وأيضًا ينظرون إليه
كمساعد أول وأخير لدعم المهمة القومية
في التحديث والتغريب.
وعلى
الرغم من تصاعد التوترات على الصعيد
الرسمي –بسبب شأن الانضمام– فإن
الحكومة الائتلافية (التي يرأسها
بولاند أجاويد رئيس الحزب الديمقراطي
اليساري) تمكنت في النهاية من تدعيم
موقفها المؤيد للانضمام. ولكن هذا لا
ينفي مدى التفكك والانقسام الذي وصلت
إليه الحكومة التركية، التي صارت
منقسمة فيما بين "فريق" يلماظ وحزب
الأم من جهة، و"فريق" دولت باحكالي
نائب رئيس الوزراء وحزب العمل الوطني من
جهة أخرى. فبينما صرَّح يلماظ أن "معارضة
الاتحاد الأوروبي لا تستلزم منا
الاختباء في ظهر الجيش"، انتقد
باحاكلي بشدة فكرة دخول الاتحاد
الأوروبي "بأي ثمن". وقد ظهر عدم
اتفاق الفريقين خاصة في موضوع إلغاء
عقوبة الإعدام، حيث ادعى باحكالي أن
الغرض من هذا الإلغاء هو منع تنفيذ حكم
الإعدام ضد أوجلان.
وقد
تصاعدت التوترات داخل النظام السياسي
التركي، حتى وصلت إلى الذروة في العاشر
من شهر فبراير 2002م؛ حيث تم نشر مئات
الرسائل –عبر البريد الإلكتروني– التي
كتبتها كارين فوج Karen
Fogg، ممثلة
الاتحاد الأوروبي في تركيا. وتسرُّب تلك
الرسائل "الإلكترونية" أظهر جهود
فوج المتوالية لتملق الحكومة التركية؛
بهدف دفعها إلى تلبية المطالب
الأوروبية؛ الأمر الذي أشعل غيظ أولئك
الذين يعارضون العملية برمتها، وجعلهم
أكثر إصرارًا على الرفض.
وفي
ذلك الشأن قام باحاكلي بمخاطبة حزبه NAP
قائلاً: "إنه
لو كان بعض رجال الأعمال والسياسيين قد
اجتمعوا على مصلحة تركيا في دخولها
الاتحاد الأوروبي -مثل اجتماعهم بشأن
إدارة الاتحاد الأوروبي داخل تركيا-
لكانت علاقتنا مع الاتحاد أكثر تقدمًا
وفعالية مما نحن عليه الآن".
وفي
وسط إدانات الاتحاد الأوروبي لتلك
الرسائل، تم إجراء تحقيقات واسعة بصدد
معرفة أولئك "المقتحمين" Hackers
الذين قاموا
بإرسال تلك الرسائل؛ حيث نفت المخابرات
التركية أية علاقة بالحادث. ولكن بالرغم
من ذلك قام رئيس تحرير الجريدة التركية Hurriyet
–وهو مؤيد
للاتحاد الأوروبي– بالإدلاء بأن مصدر
تسرب تلك الرسائل يأتي من أطراف مناهضة
للاتحاد الأوروبي: أطراف "من داخل
الحكومة التركية".
الأزمة
القبرصية
كلما
برزت الأزمة القبرصية في الأفق، ازدادت
المجادلات اشتعالاً حول التحاق تركيا
بالاتحاد الأوروبي. والحقيقة.. أنه قبل
استئناف المحادثات في يناير 2002م -بين
الزعيم التركي القبرصي راءوف دنكتاس Rauf
Denktas والزعيم
اليوناني القبرصي جلافكوس كليريديس Glafcos
Klerides- كانت
المشادات بين تركيا والاتحاد الأوروبي
بشأن حل المشكلة القبرصية قد وصلت إلى
أوجها.
فبينما
أكدت تركيا أنها لن تخطو خطوة واحدة
بصدد "التكامل السياسي" مع الأتراك
القبرصيين إلا بعد قبول اليونانيين
القبرصيين في الاتحاد الأوروبي، قامت
اليونان وهددت باستخدام قوة الفيتو
لوقف مشروع التوسع -الذي يتبناه الاتحاد–
في حالة غياب تسوية تعترف بحق
اليونانيين القبرصيين. ومن جانب
الاتحاد الأوروبي فهو بالطبع يأمل في
التحاق تركيا بالاتحاد؛ حيث سيعجل ذلك
من إصلاح العلاقات بين البلدين.
وبالرغم
من كثرة المحادثات - بين الطرفين
المتنازعين – التي أخذت مقرها في قبرص،
فإنهما ما زالا يُصران على عنادهما؛
الأمر الذي جعل مسئولي الاتحاد
الأوروبي يكشرون عن أنيابهم.. فيحذرون
تركيا من تجاهل حقوق اليونانيين
القبرصيين وعدم إدراجهم في الاتفاقية،
كما يحذرونها من ضم شمالي قبرص.. وإلا
"فستُحرم" من جميع الفرص التي
ستؤهلها للالتحاق بالاتحاد.
والحقيقة
أن الأزمة القبرصية ليست وليدة اليوم،
وإنما هي وليدة عقود طويلة. فالطرفان
حتى هذه اللحظة لا يزالان بعيدين كل
البُعْد عن أي تسوية، خاصة فيما يتعلق
بالمشاركة في السلطة وبمشكلة اللاجئين
والأرض. وستبقى مشكلة اليونانيين
القبرصيين حجر عثرة في العلاقات بين
الاتحاد الأوروبي وتركيا.
المشكلة
أبعد من قبرص
وفي
كل الأحوال فإن السقم -الذي يتضح لنا
جليًّا في العلاقات بين تركيا والاتحاد
الأوروبي– لا يقتصر على المشكلة
القبرصية، وإنما يتعداها بمراحل. وليس
أدل على ذلك من كلمة وزير خارجية تركيا
"إسماعيل كيم" التي ألقاها في
بداية هذا الشهر (مارس) -عبر التلفاز–
قائلاً: "إذا استمر الحال كما نحن
عليه الآن، فستذهب كل جهودنا أدراج
الرياح، وسينتهي الأمر بتركيا إلى أن
تضرب رأسها في الحائط". ولم يقف الأمر
عند هذا الحد؛ إذ سارع بعدها بثلاثة
أيام أمين عام مجلس الأمن القومي "تونكر
كلينيك" (Tuncer
Klinic) بالتصريح
قائلاً: "إن الجهود التركية للانضمام
للاتحاد الأوروبي محكوم عليها بالفشل".
ودلل على ذلك قائلاً: "إن تركيا لم ترَ
أية مساعدة –ولو حتى بسيطة- من جانب
الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أن
الأخير ينظر إلى المشاكل التركية
بسلبية واضحة". ومن ثَم ألزم كلينيك
تركيا بالبحث عن حلفاء جدد مثل روسيا
وإيران، مع عدم تجاهل الولايات المتحدة
الأمريكية.
وبالرغم
من محاولات رئيس الوزراء بولاند أجاويد
للتغطية على كلام كلينيك، والادعاء
بأنه لا يعكس إلا وجهة نظر ذاتية، وعلى
الرغم من تأكيده "بأن العلاقات مع
الاتحاد الأوروبي تتقدم ببطء"؛ فإن
كلمات كلينيك لها رنين قوي في الداخل
التركي، خاصة أنها تدعم جبهة الرفض داخل
النظام السياسي لتركي.
ويُضـاف
إلى كـلمات كلينيك ما قاله قائد الأركان
التركي "حسـين كيفريكوجلو" (Huseyin
Kivrikoglu) في الشهر الماضي عن دول الاتحاد
الأوروبي، وكيف أنها متسامحة كل
التسامح مع تواجد الجماعات المعارضة
للنظام التركي على الأراضي الأوروبية؛
موضحًا أن هدف أوروبا الغربية كان
دائمًا يصب في إضعاف تركيا منذ إعلانها
كجمهورية.
وأخيرًا..
تلك الشكوك والهواجس التركية بدأت تظهر
على السطح -على عكس ما كان من قبل-؛ مما
يصعب الأمر على الطرفين (تركيا والاتحاد
الأوروبي) في إعادة "المياه إلى
مجاريها"؛ ولذا فإنه من المرتقب
حاليًا أن يسعى كل منهما لرأب الصدع –في
الشهور المتبقية من عام 2002م– قبل فوات
الأوان.
المقالة
الأصلية
اقرأ
أيضًا:
|