بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


175 مثقفًا سعوديًّا يردون على 60 أمريكيًّا

السعوديون للأمريكان: على أي أساس نتعايش؟!

05/05/2002

محمد جمال عرفة – إسلام أون لاين.نت

ورقة المثقفين السعوديين حللت أحداث سبتمبر وتداعياتها

في أعقاب التوتر الشديد الذي ساد العالم عقب ضربات 11 سبتمبر التي أعقبتها هجمة أمريكية وغربية شرسة على المسلمين واتهامهم بالإرهاب.. ثم ما تلاها من مزيد من الحنق والحقد على المسلمين والعرب عقب المجازر الصهيونية في فلسطين والتواطؤ الأمريكي معها؛ بدأ بعض المثقفين في أمريكا والغرب يوجهون رسائل غامضة إلى المثقفين العرب يسألونهم: لماذا يكرهون الغرب؟ ولماذا التقاتل؟!.

حيث وزعت ورقة أعدها (مركز القيم) في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان "على أي أساس نقاتل؟"، ووقع عليها ستون من المفكرين الغربيين خاطبوا خلالها مثقفي ومفكري العالم الإسلامي، وكانت تتمحور حول قضايا عدة، من أهمها: أخلاقيات الحرب الأمريكية ضد ما يسمى الإرهاب(!).

ولأن عدم الرد على هذه الورقة المشبوهة التي تسعى للصق تهمة الإرهاب بالمسلمين يُظهر المسلمين كأنهم عاجزون عن الحوار الحضاري الثقافي ويُثبت تهمة الإرهاب؛ فقد قام موقع "الإسلام اليوم" السعودي الذي يشرف عليه الشيخ "سلمان بن فهد العودة" –أحد كبار العلماء ذوي النفوذ والتأثير بين الشباب- بخطوة جريئة في هذا المجال عبر طرح ورقة مضادة (جوابية) يرد بها على مثقفي الغرب، ولكن بمنهج آخر أكثر رقيا غير منهج (التقاتل) الذي تحدث به مثقفو أمريكا –أو بمعنى أصح: محاربو أمريكا- وهو منهج (التعايش) بما يتضمنه من مناقشة لكل أسس التعايش والإعمار في الأرض كالعدل والمساواة ورفض الظلم وغيره. وهي فكرة إسلامية وذكية في الوقت نفسه، خصوصا في هذا العصر الذي يشهد إرهاصات الانهيار لقوة عظمى تخالف مبادئ التعايش والكون كما رسمها الخالق القدير.

وبعبارة أخرى: فقد جاءت ورقة المثقفين المسلمين السعوديين مسلحة بمنهج (القيم الإسلامية) في الحوار، وأساسيات التعامل مع شعوب العالم، وبالطبع لم تنسَ التعرض لأحداث سبتمبر -عقدة الأمريكان- وتداعياتها، والموقف من أمريكا، والإسلام والعلمانية، والحرب على ما يسمى بالإرهاب.

وقد بلغ عدد الموقعين على ورقة "الإسلام اليوم" 175 من كبار علماء ومثقفي وأساتذة الجامعات والأطباء والإعلاميين السعوديين، وسيدات من الرموز الشهيرة بالمملكة. وشارك فيها شرائح متعددة من المجتمع، وضمت عدداً من أهل العلم والفكر؛ منهم قضاة وأعضاء في مجلس الشورى، كما ضمت مجموعة من الصحفيين، ورجال الأعمال.

التعايش أهم من التقاتل

وترجع أهمية الورقة السعودية إلى أنها صادرة عن علماء ومثقفين من أرض مكة المباركة، وبالتالي سينظر لها الغربيون على أنها تمثل الموقف الرسمي للإسلام، لو جاز التعبير. كما أن صدورها عن السعودية تحديدا -التي يُنسب غالبية المتهمين بتفجير مركز التجارة العالمي إليها- أمر بالغ الدلالة، ويندرج تحت بند رد العدوان والانتقادات، خصوصا أن الأمريكان يتهمونها بدعم الإرهاب في كل العالم الإسلامي عبر الدعم المالي للمدارس الدينية.

وليس سرا أن أوساطًا ثقافية عربية عديدة -خصوصا المصرية- فكرت في الرد على البيان الأمريكي ببيان مماثل، بيد أنها ترددت في ذلك لأن أسلوب البيان الأمريكي كان عدائيا وحربيا.

ولكن الرد -أيا كان مصدره- كان ضروريا لاعتبارات عديدة؛ من بينها، على الأقل، محاولة تحييد المثقفين الغربيين المنصفين أو جذبهم لصالح الحق العربي والإسلامي بدلا من ترك الساحة لأنصار اليمين المسيحي المتطرف (المسيحية الصهيونية) يسيطرون على الشارع الثقافي مثلما سيطروا على الكونجرس والإدارة الأمريكية، ومن هنا تأتي الأهمية الثانية للرد السعودي.

أيضا من مزايا هذه الورقة الجوابية الموجهة للمثقف الغربي وليس للغربي العادي -كما يقول معدوها- أنها كُتبت بلغة يفهمها الغربي العادي مؤكدة في الوقت نفسه على القيم الإسلامية الراسخة التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، كما حللت أحداث سبتمبر وتداعياتها من خلال مناقشة عقلية هادئة للأفكار التي طرحها المفكرون الأمريكيون في محاولة لفتح حوار أكثر موضوعية ونضجاً مع العقلاء منهم.

ركزت الورقة السعودية على ست قضايا أو محاور أساسية، هي:

أولا: قضية الحوار

كان أهم عنصر ركزت عليه الورقة السعودية فيما يتعلق بقضية "الحوار" هو أن لغة الحوار هي لغة القوة، ومن الخطأ أن نجعل القوة لغة الحوار؛ لأن من شأن ذلك أن يهدم أسس الحوار ويجعله "خضوعًا"، وإنه لكي يكون الحوار ناجحًا ومؤثرًا فلا بد أن يجري وسط أجواء من الاحترام، والوضوح، والصراحة، والموضوعية؛ بحيث يتقبل كل طرف وجهات النظر الأخرى، أو يقبل النقد والمراجعة بعيدا عن التشنج.

ووفقا لهذا المنهج قبِل المثقفون السعوديون مناقشة أي قضية يطرحها الغرب، استنادا إلى "مجموعة من المفاهيم في الأخلاق والحقوق والقضايا المعرفية" تُعد القاسم المشترك مع الغرب، وبالمقابل أكدوا على انفراد المسلمين -كما هو حال الأمريكان- بأولويات مختلفة تُعد من مرتكزات السيادة والأولوية الحضارية.

ثانيا: قيم يؤمن بها المسلمون

حيث أكد البيان - ردا على دعوة الأمريكان للمسلمين لتبنِّي قيمهم - أن هناك قيمًا يؤمن بها المسلم، ومجموعة من المبادئ والأخلاقيات الأساسية التي تحكم علاقته مع الأمم الأخرى، التي أرساها رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً قبل أن توجد منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية.

ونوّه إلى أن هذه الأسس تتفق بقدر مشترك مع بعض الأسس التي أوردها المثقفون الأمريكيون في بيانهم، ومن هذه القيم الإسلامية:

1- الإنسان من حيث هو كينونته مخلوق مكرم؛ فلا يجوز أن يُعتدى عليه مهما كان لونه أو عرقه أو دينه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: 70).

2- تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق.. وقتل نفس واحدة ظلماً عند الله كقتل الناس جميعاً، وحماية نفس واحدة من القتل كإحياء الناس جميعاً، وقد جاء في القرآن: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32).

3- لا يجوز إكراه أحد في دينه، قال الله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256) بل إن الإسلام نفسه لا يصح مع الإكراه.

4- إقامة العلاقات الإنسانية على الأخلاق الكريمة أساس في رسالة الإسلام، وهكذا كل أنبياء الله، يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (الحديد: 25)، ولهذا فإن أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم في الأصل هو العدل والإحسان والبر، وهذا من القسط الذي يحبه الله والذي أمرنا به، قال الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إنّمَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْراجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8).

5- كل ما في الأرض من خيرات ظاهرة وباطنة إنما خلقت من أجل الإنسان {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}، وهي إنما خلقت له ليكون استثماره لها في حدود الحق والعدل والإصلاح. وعليه فإن الإفساد في الأرض (كالعدوان على الغير من الشعوب المستضعفة ومنازعتها في ثرواتها وخيراتها الخاصة التي تملكها) أو تلويث البيئة.. هو من الفساد الذي لا يحبه الله.

6- المسؤولية في الجنايات الخاصة فردية؛ فلا أحد يؤخذ بجريرة غيره (مثل حادث 11 سبتمبر)، قال الله تعـالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (فاطر: الآية 18).

7- العدل بين الناس حق لهم، والظلم محرم فيما بينهم مهما كانت أديانهم أو ألوانهم أو قومياتهم.. قال الله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام:152).

8- الحوار والدعوة بالحسنى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125).

ثالثا: أحداث سبتمبر وتداعياتها

شدد البيان السعودي هنا على مسألتين هامتين:

الأولى: ليس من العقلانية في شيء أن تتحول أحداث 11 سبتمبر إلى سلطة لممارسة التصنيف للمفاهيم والحضارات والتجمعات القائمة.

الثانية: لم تكن هجمات سبتمبر محل ترحيب وحفاوة عند كثيرين في العالم الإسلامي وغيره؛ لجملة من الأسباب القيمة والمبدئية والمصلحية والأخلاقية المستمدة من الإسلام.

الثالثة: التذكير بأن تعاليم الإسلام تصف النصارى بأنهم أقرب للمسلمين من غيرهم، وأن نبي الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم أرسل مجموعة من أصحابه في سنوات الإسلام الأولى إلى أحد الملوك المسيحيين في الحبشة؛ لأنه يتميز برعاية الحقوق الخاصة، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً لملك المسيحيين الرومان، ولملك المسيحيين الأقباط، ولقي الكتابان حفاوة بالغة.

وقد أخبر القرآن الكريم أن المسيحيين هم الأفضل في أخلاقيات التعامل من بين كل المجموعات الدينية المخالفة للإسلام في قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى...} (المائـدة: 82).

وبناء على هذه الحقيقة يشكك البيان السعودي فيما قاله البيان الأمريكي، ويروجه المثقفون في الغرب، من أن الغرض هو: "محاربة المجتمع الأمريكي وقيمه البشرية العالمية"، ويتساءل: لماذا لم يختر المنفذون بلداً آخر غير الولايات المتحدة ممن يتبنى نفس القيم الغربية؟ ولماذا لم يتوجه هؤلاء إلى دول ومجتمعات أخرى تدين بالوثنية في آسيا وأفريقيا؛ فهي أولى بالحرب لو كان دافعهم هو محاربة من يختلف معهم في القيم؟

ولتذكير الغرب بأن محاربته للإسلام ككل خطأ؛ يقول البيان: "على الغرب أن يدرك أن محاصرة الخيارات الخاصة والطموح المعتدل في العالم الإسلامي وصناعة الصراع سيرسّخ الكثير من المفاهيم التي يصعب تجاوزها في المستقبل، وسيخلق مشكلة للأجيال القادمة في العالم كله. وليس من العقلانية أن نفترض أن الذين هاجموا الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر لا يشعرون بنوع من المبررات الذاتية صنعتها فيهم ودفعتهم إليها القرارات الأمريكية في مناطق عالمية متعددة، وإن كنا لا نرى واقعية هذه المبررات لضرب الأمن المدني؛ لكنه استقراءٌ لنوع من العلاقة السببية بين الأحداث والسياسات الأمريكية".

ويدلل البيان على تعمّد صناعة المسلمين كعدو لأمريكا والغرب بقوله: "لو افترضنا أن منفذي أحداث 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة هم مجموعةٌ خاصةٌ داخل أوروبا أو الصين أو اليابان أو حتى مجموعة دينية من اليهود.. فهل كان القرار الأمريكي سيضع لهم ولشعوبهم مواجهة بهذا الشكل القائم اليوم كما يضعها للمسلمين؟!".

ويدعو البيان - عوضا عن أسلوب الانتقام - أن يكون هذا الحدث سبيلاً إلى تأسيس مؤسسات جديدة بين الدول والشعوب لإقامة العدل وإحقاق الحق؛ لتكون بديلاً لمؤسسات نشأت بعد الحربين العالميتين كهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لنزع فتيل الحرب بين الدول المستبدة التي فشلت في تحقيق العدل والأمن للشعوب المستضعفة، ولم تحمِ دولها لئلا تكون مسرحاً يتمدد فيه نفوذ الدول العظمى.

كما يجب أن يلفت الحدث الأنظار إلى أن الإفراط في القوة مهما تعددت صورها ليس سبباً كافياً للحماية، وأن الفئة القليلة تستطيع إلحاق الأذى والأضرار الضخمة بخصمها البالغ القوة إذا أرادت ذلك. وقد تعلمنا من التاريخ أن الضمانات لتحقيق الأمن لا تُفرض بالقوة فقط؛ لأن الضمانات التي تُفرض بالقوة تحمل معها بذور الفشل والانهيار، وتكون مصحوبة بالسخط والتذمر من طرف، والغطرسة والكبر من طرف آخر. أما حينما تكون الضمانات مبنية على العدل فإن فرص نجاحها تكون أكبر.

رابعاً: أمريكا والموقف منها

لم يسأل أحد في العالم الإسلامي من قبل نفسه: لماذا لا تسبب الدول الآسيوية الكبرى كالصين واليابان مشاكل للعالم الإسلامي، في حين تسبب لهم أمريكا والغرب الكثير من المنغصات؟!
ولكن المثقفين السعوديين حرصوا على الرد على هذا السؤال اعتمادا على طبيعة المواقف السياسية الأمريكية المنحازة لإسرائيل.

فلو أن أمريكا عزلت نفسها عن العالم، مثلا، ورفعت يدها عن القضايا المشتعلة؛ فليس يعني المسلمين أن تكون دولة متقدمة أو ديمقراطية أو علمانية. فالمشكلة بالتالي في موقف أمريكا من القضية الفلسطينية، ووقوفها الدائم مع الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وقيامها بتبرير كافة الممارسات الصهيونية المخالفة لقرارات الأمم المتحدة، ودعمها بأحدث الأسلحة التي تُستخدم في قتل الأطفال والنساء والشيوخ وتهديم المنازل… وهذا السلوك رسم صورة ذهنية عن أمريكا بأنها لا تحترم المنظمات الدولية، كما لا تحترم المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها الديمقراطية.

خامساً: الإسلام والعلمانية

ركز موقّعو الورقة الأمريكية على ضرورة فصل الدين عن الدولة، ورأوا في ذلك قيمة عالمية ينبغي على جميع شعوب الأرض قبولها، ولكن المثقفين السعوديين ذكروا في بيانهم أن نظرة المسلمين إلى إشكالية العلاقة بين الدين والدولة تختلف عن هذا التصور، وأن الدين الإسلامي دين شامل له أحكام تفصيلية في كافة مناحي الحياة، ويصعب أن تتكون دولة جادة ومحترمة لشعبها في البيئة الإسلامية دون أن تتبنى أحكام هذا الدين العامة.

وقالوا: إن ما دعا إليه المثقفون الأمريكيون في بيانهم من ضرورة فصل الدين عن الدولة يمثل قصورا في فهم الدين كمكون أساسي للثقافة في المجتمعات الإسلامية، وأنه لا يمكن تطبيق مبدأ الفصل في المجتمع المسلم؛ لأنه يحرم أفراده من حقهم في تطبيق أحكام حياتهم العامة، وتبني الدولة للدين الإسلامي ليس معناه التدخل في خصوصيات الأقليات وإجبارها على التخلي عن دينها وإكراهها على الدخول في الإسلام؛ فقد استقر في وعي المسلم، وعُلِمَ من صريح آيات القرآن ألا إكراه في الدين.

سادسًا: الحرب العادلة والإرهاب

هنا يُشار إلى عدة حقائق هامة يشرحها المسلمون للغربيين كالتالي:

الحقيقة الأولى: أن التطرف ليس خاصاً بالمفهوم الديني؛ بل ثمة أشكال من التطرف السياسي والاقتصادي والإعلامي يُفترض أن تحظى بنفس الاهتمام؛ لأنها تمارس مصادرة لمبادئ الأخلاق وأنظمة الحقوق في العالم. كما أن التطرف الديني ليس مرتبطا بديانة معينة، وكل التجمعات الدينية في العالم يوجد فيها أشكال متطرفة.

وبالتالي فليس من العقل ولا العدل الإلحاح غير العقلاني على قضية التطرف الإسلامي، وصناعة مشروع الاستفزاز لـه دون المعالجة الحقوقية لكل أشكال التطرف في العالم الديني وغير الديني.

الحقيقة الثانية: ثمة مجموعة من المشاكل يواجهها العالم في: الحقوق والحريات والأولويات الإنسانية (التعليمية والصحية والغذائية والأخلاقية) يفترض أن تحظى بالاهتمام، وأن محاصرة كثير من التجمعات الإسلامية المتشددة سياسيا وعسكريا وإعلاميا هو الدافع الأكبر للتشدد في التجمعات والحركات الإسلامية.

ثم تأتي أهم النصائح الإسلامية للغرب على لسان المثقفين السعوديين قائلين:

* إننا ندعو إلى انفتاح جاد من الغرب على الإسلام، وقراءة مشاريعه، والتعامل بهدوء مع الواقع الإسلامي، وأن يُجري الغرب مراجعة جادة في الموقف من الإسلام، وفتح قنوات حوار بين النخب المثقفة الممثلة لتيار الإسلام العريض، والمفكرين وصناع القرار في الغرب.

* من المهم أن يدرك الغرب أن غالبية الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وغيره تمتلك قدرًا ذاتيًّا من الاعتدال من المهم المحافظة عليه، وفرض نظام الحقوق لهذه المجموعات العاملة بهدوء، وعدم صناعة الاستفزاز، أو السماح به من أي طرف وتحت أي مبرر.

* لماذا لم يُذكر الفلسطينيون الذين يتعرضون، وبخاصة هذه الأيام، لأبشع أنواع الإرهاب من هدم المدن والمخيمات والقتل الجماعي والحصار الخانق للمدنيين الأبرياء.. في بيان المثقفين الأمريكان. وكل ذلك لا يمارسه ضدهم أفراد أو منظمة سرية بل دولة عضو في الأمم المتحدة.. هي دولة إسرائيل!.

* إن إدارة الصراع في التجمعات الغربية تنطلق من رعاية المصالح القومية -إن لم نقل الفئوية- والمحافظة عليها ولو على حساب حقوق الآخرين. وهذه السياسة هي التي تصنع التهديدات الخطيرة للأمن المدني ليس للغرب فحسب، بل للعالم كله، فضلاً عن كونها تصنع الأوضاع المأساوية اللاإنسانية.

نفس منطق عصور الظلام!

كذلك كتب الشيخ (سفر بن عبد الرحمن الحوالي) ينتقد بيان المثقفين الأمريكيين، ويقول: إنه أمر مؤسف للغاية أن تكون نظرة ستين مثقفاً - في العصر الذي أصبح التواصل فيه بين البشر متاحاً - هي نفسها تقريباً النظرة التي كان رجال الدين في العصور الأوربية المظلمة ينظرونها إلى الإسلام!.

وقال: إن أمريكا هي أكثر بلاد العالم من حيث المنظمات العنصرية الدينية المتطرفة والإرهابية.. فهل يصح نسبة ما يفعله أي منها إلى كل الشعب الأمريكي، فضلاً عن الدين الأمريكي ذاته؟!.

ولماذا لا يهاجم الإعلام البريطاني الكاثوليكية عند كل حادث في أيرلندا؟ أليست الكاثوليكية عدواً تقليدياً للبروتستانت؟ وأليست الحرب هناك دينية صريحة؟

وقال: إن المشكلة في الحقيقة هي مع الإسلام وليست مع الحركات الإسلامية؛ فلو أننا قدرنا أن كل المسلمين في العالم صاروا أمريكيين في كل شيء؛ فإن أي حادث يقع لن يُنسب إلا إليهم ومن أول وهلة!! وأرجع هذا إلى "رواسب في اللاشعور تنطلق دون المرور على قناة التفكير مطلقا"!.

وضرب سلمان مثلا هاما يدل على أن الإسلام هو المقصود بالعداء؛ فقال: "لو أن هذا الحيف، بل العداء، محصور في قضية فلسطين لقيل: إن هذا بتأثير اللوبي الصهيوني في أمريكا! ولو أنه محصور في أفغانستان لقيل: إن هذا نتيجة لوجود تنظيم القاعدة فيها! لكن إذا كان ذلك عاماً لكل بلد إسلامي وأقلية إسلامية في العالم.. فبماذا يمكن تفسيره؟" ثم ضرب الأمثلة التالية:

الاتحاد السوفيتي والصين: كلاهما عدو سابق لأمريكا، وفي كل منهما شعوب تطالب بهذا الحق (في الأولى: مجموعة دول البلطيق من جهة، ومجموعة دول القوقاز الإسلامية من جهة أخرى، وفي الأخرى: البوذيون التبت من جهة، والمسلمون من جهة أخرى).

الهند والفلبين من جهة وإندونيسيا والسودان من جهة أخرى

(فالأوليان فيهما شعبان مسلمان يطالبان بالانفصال، والأخريان فيهما أقليتان غير مسلمتين تطالبان بالشيء نفسه).

فما هي المواقف الثابتة للسياسة الأمريكية؟

* الوقوف بقوة مع استقلال بحر البلطيق، وتجاهل مطالب الجمهوريات الإسلامية؛ بل رفضها أحياناً، والسكوت عن إبادة عنصرية يمارسها الروس هناك.

* الوقوف بقوة مع البوذيين التبت، وتجاهل قضية المسلمين الصينيين مع أن عددهم يزيد على عشرة أضعاف أولئك!

* اعتبار الحركتين الانفصاليتين في كشمير وجنوب الفلبين إرهابيتين، وإعلان الحرب عليهما، وبالمقابل الوقوف بقوة مع الحركتين الانفصاليتين في إندونيسيا والسودان!.

وختم بقوله: إذا كان لدى المفكرين الستين تفسير لهذا غير الانحياز ضد الإسلام فليقدموه!

ومع ذلك وجه الشيخ سلمان - الذي يُعتبر أحد كبار الشيوخ السلفيين السعوديين - رسالة للأمريكان يقول فيها:

"نعرب لكم عن استعدادنا للمجادلة بالتي هي أحسن، واللقاء بكم فرادى أو مجتمعين، في بلادنا أو في أمريكا. سوف نرسل رأينا إلى كل واحد منكم، وإلى غيركم من المثقفين أيضا، وسوف نستقبل آراءكم وملاحظاتكم بكل عناية".


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع