بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

آسيا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


التطرف الروسي ينال العرب.. وبوتين يعلن الحرب عليه

04/05/2002

**د. عاطف معتمد عبد الحميد

بوتين

لم يكن تفكك الاتحاد السوفيتي انهيارًا لبناء جمع بين أسواره أطيافًا كرنفالية من الديانات والقوميات والعقائد والثقافات فحسب، بل كان انهيارًا لبناء حاول أن يمزج بين هذه الأطياف في نسيج واحد ثبت بالتجربة أنه حلم بعيد المنال. ولقد كانت أهم مزية في هذا البناء هي تعايش مختلف الألوان مع بعضها البعض، تارة بالاقتناع العقائدي الاشتراكي الذي قبله كثير من السكان، وتارة بالقسر الذي كانت أدواته تهدد كل من تسول له نفسه بالخروج على النظام.

وجاء انفراط العقد السوفيتي ليفتح أبواب المجتمع الروسي على مصراعيه أمام أفكار ومعتقدات كان مجرد التحدث بها شبهة شائنة. وولجت هذه الأفكار إلى المجتمع الروسي من أبواب متعددة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية. فمن مجتمع كان يحارب الرأسمالية واحتكار أدوات الإنتاج إلى مجتمع تصل فيه الرأسمالية إلى أشكال متطرفة تختلط فيها بعلاقات مع المافيا والفساد. ومن مجتمع كانت حكومته تحظر "المشاهد" التي تخدش الحياء في السينما والتلفاز إلى مجتمع تخطى كافة المجتمعات الأوربية في قبول "البورنوغرافيا" والثقافة الحسية مقروءة كانت أو مصورة أو متلفزة... إلخ.

ولعل من أبرز صور التحول الفكري الكبير في المجتمع الروسي ظهور الأفكار القومية المتطرفة المستقاة في معظمها -وهو الغريب- من الأفكار النازية، التي تتفاخر روسيا بأنها أوقعت بها الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وانتصرت لقيم ومبادئ معاداة التطرف القومي. 

الحركات القومية الروسية

قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي كانت القوميات داخل البناء السوفيتي ذات وضعية خاصة؛ وعمد كثير من الباحثين السوفيت إلى عدم إثارة مصطلح القومية؛ لأنه يشجع على مطالبة كل أمة بالاستقلال والانفصال عن المركب السوفيتي. وكانت النتيجة أن تبنى كثير من الباحثين أفكارًا تشكك في أن هناك ظاهرة واقعية اسمها القومية، واعتبروا أن "القومية تتطلب إيمانا عميقا باللاواقع"! وقد انتشرت في روسيا في الثمانينيات فكرة أنه بالإمكان التخلي عن مفهوم "القومية" على أساس –وكما أشار إلى ذلك تشيكوف- أنها لا تعدو أن تكون أكثر من "شعارات سياسة ووسيلة لحشد الجماهير، وهي أبعد عن أن تكون لغة علمية". ولعل أكثر المناطق التي كان يخشى عليها من أن "تتفشى" فيها الأفكار القومية مناطق الجمهوريات الإسلامية في جنوب الاتحاد السوفيتي نظراً لاشتراك تأثير القومية مع الدين الذي كان يمكن أن يهدد بالانفصال.

وعلى المستوى الرسمي لروسيا الفيدرالية، لم تنته توجهات التحفظ على مفاهيم القومية، نظرًا لتألف المركب الفيدرالي الروسي من قوميات وأعراق متعددة. بيد أنه منذ أوائل التسعينيات تدفقت عديد من الأفكار القومية إلى المجتمع الروسي. ويمكن لنا أن نجدها على مستويين: الأول: في الجنوب القوقازي حيث الحركات القومية المتعانقة مع توجهات دينية، والثاني: بين السكان الروس في المناطق الجغرافية التاريخية لروسيا كإقليم موسكو وإقليم مدينة سانت بطرسبرج (ليننجراد سابقاً)، وليس للمستوى الأخير مرجعية دينية كنظيره في القوقاز.

وإذا نظرنا للفكر القومي في مستواه الثاني فسنجده ترديداً مباشراً للأفكار الفاشية التي عادة ما يحملها اليمين المتطرف في مجتمعات أوربية متعددة ليس آخرها اليمين الفرنسي الذي تمثلت أفكاره في نجاح لوبان في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية. ويحمل اليمين الروسي المتطرف شعارًا رئيسيًّا هو "أخرجوا الأجانب من روسيا.. روسيا فقط للروس"، ويوزع منشوراته في أماكن تجمع الأجانب (عرب، أفارقة، آسيويين) كالجامعات والمعاهد ومساكن الطلبة، وغيرها، مهدداً إياهم بالقتل إذا لم يغادروا البلاد.

وهناك عدة تنظيمات لليمين المتطرف أشهرها جماعة "سكين هيد"، أي جماعة حليقي الرؤوس بستراتهم الجلدية السوداء وأعمارهم التي تتراوح بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين. ويتجمع نشطاء هذه التنظيمات على فترات من خلال إعلام بعضهم البعض عبر البريد الإليكتروني. ويتزعم الحزب القومي الشعبي - أحد أشهر هذه التنظيمات - أليكسندر إيفانوف سوخارافسكي.

مظاهر النشاط والإعلان عن الوجود

على الرغم من أن عدد نشطاء الحركات القومية لا يزيد عن 10 آلاف فرد -وهو عدد كبير في ذات الوقت– فإن نشاطهم يعطي صورة أكثر مبالغة. فهؤلاء يتجمعون في مسيرات جماعية متناسقين في المظهر (الرأس الحليق عن آخره، السترات الجلدية السوداء، الأحذية الحديدية الثقيلة، معاصم اليد الجلدية المطعمة بالحديد، التسلح بالعصي، ومسدسات الغاز الحارق) يرفعون شعارات بصوت واحد تُسمع قطاعاً كبيراً من الناس في الأحياء التي يمرون بها. وحتى عام 1999 كان يسمح لهذه التجمعات بالمشاركة في الاحتفالات القومية؛ وعلى رأسها الاحتفال بالانتصار في الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية)، وهو ما سجل لهم شهرة واسعة في فترة وجيزة، ساعد على ذلك تلقف وسائل الإعلام لهم التي تبحث عن كل ما هو جديد وتقديمه إلى القراء.

غير أنه ما تزايد نشاط هذه التنظيمات بما قامت به من قتل الأجانب والتعدي على الطلاب العرب والأفارقة حظرت الحكومة الروسية نشاطها وضيقت الخناق على تظاهرتها. وقد بلغت درجة خطورة هذه التنظيمات أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن في 19-4-2002 أن تنامي الحركات المتطرفة يشكل تهديدًا للأمن القومي الروسي في إشارة مباشرة إلى هذه التنظيمات. وجاء ذلك خلال الحملة القومية للشرطة الروسية التي تمت في الفترة من 19 إلى 23 إبريل لمواجهة الحوادث المنتظرة لاحتفال هذه الجماعات بالذكرى 113 لميلاد هتلر "الملهم الروحي لهذه التنظيمات" (صحيفة كومرسانت الروسية، مراجعة الأخبار من 28 مارس إلى 19- إبريل -2002، النسخ الإليكترونية).

وعلى الرغم من أن الأفكار النظرية التي يعلنها هؤلاء المتطرفون موجهة ضد الأجانب كافة (بما فيهم الأوربيون والأمريكان) فإن متابعة هذه الحوادث على مدى السنوات الأخيرة تظهر تسجيلاً أكثر ما يكون ضد الآسيويين السود وعلى رأسهم الهنود، السيريلانكيون، الأفغان، الباكستانيون... إلخ، وضد الطلاب والمهاجرين العرب (يمنيون، مصريون، فلسطينيون، سودانيون...إلخ) وكذلك ضد القوقازيين (وعلى رأسهم الشيشان).

والسيناريو واحد في كل الحالات.. طالب أو مهاجر عربي أو آسيوي أو إفريقي يعود من جامعته أو عمله في مواعيد منتظمة يرصدها المتطرفون، ينتظرونه في مدخل البيت، ينهالون عليه ضربًا بنعالهم الحديدية المدببة، مستخدمين مسدسات غازية. ثم يتركونه ينزف حتى يُبلغ عنه أحد؛ ينقل بعدها إلى المستشفى ليفارق الحياة في أغلب الأحوال.

ويأتي شهر إبريل من كل عام - ذكرى ميلاد هتلر- ليشهد حوادث متعددة، ذهب ضحيتها في آخر سنتين عدة عشرات من حالات القتل، وأكثر من مائتي جريح نقلوا إلى المستشفيات، وعدة مئات من حالات التعدي التي لا يمكن لك أن تسمعها إلا في تجمعات الأجانب دون أن يبلغ بها رجال الشرطة أو تصل إلى وسائل الإعلام.

ولا تفرق حالات الاعتداء بين رجل وامرأة أو تعرف حدودًا عمرية بعينها، أو مكانة اجتماعية دون غيرها. فآخر الاعتداءات طالت صحفيا أفغانيا أجهز الضرب المبرح عليه، وفارق الحياة عقب وصوله المستشفى. كما اعتدى المتطرفون على زوجة سفير جنوب إفريقيا وأطفئوا أعقاب السجائر في صدرها (شبكة الأخبار سي.إن.إن 20-4-2002).

الجالية العربية في روسيا وسبل الحماية

في الوقت الذي قامت فيه أكثر من عشر سفارات بتحذير رعاياها في روسيا -من موسكو إلى سخالين- من خطر تعرضهم للضرب أو القتل من قبل حركات التطرف مع ذكرى ميلاد هتلر زعيم النازية (توافق هذه الذكرى 20 إبريل من كل عام)، تعاني الجالية العربية من ضعف الاتصال سواء بين بعضهم البعض أو من قبل سفاراتهم التي قد لا تعلم عددهم أو أماكن وجودهم، لعدم التزام هؤلاء بتسجيل أنفسهم في مقار السفارات العربية.. والأسباب متعددة؛ وعلى رأسها أزمة الثقة في المهجر.

وفي هذا العام بالذات، مثّل خطاب بوتين وتهديده لنشطاء حركات العنف للمهاجرين والدارسين العرب في روسيا توعية هامة في ظل ضعف التنسيق الحادث بين أفراد هذه الجالية في روسيا. وقد جاء كلام بوتين مباشراً من أن المشتركين في إشعال العنف في البلاد وضرب وقتل الأجانب سينالون عقاباً كذلك الذي يناله أعضاء الجرائم المنظمة، ووعد بإرسال  مشروع قانون لينظر فيه البرلمان لإقرار سبل العقاب الغائبة.

وحسبما أوردت إنترفاكس، فإن تفشي أحداث التطرف ضد الأجانب لم يعرف حدودًا جغرافية في روسيا؛ إذ أبدت القنصليات اليابانية والكورية انزعاجها من تلقي تهديدات ضد مواطنيها في المناطق الشرقية النائية من روسيا، ومنها جزيرة سخالين في المحيط الهادي على مقربة من اليابان.

والحل الأسلم الذي يلجأ إليه الطلاب العرب -بعيدا عن التنسيق مع السفارات أو تنظيمات الجاليات العربية أو الإسلامية "الغائبة"– هو الاستماع إلى هيئة المخابرات الروسية التي أعلنت أنه يستوجب على الأجانب البقاء في مساكنهم خلال هذه الأيام الخطرة في روسيا.

وعلى الجانب الآخر، تنجح الصحف اليهودية في إرسال رسالتها الإعلامية المبنية على فكرة الاضطهاد، فتسرد حوادث اعتداءات على معابد يهودية في أحياء متفرقة من روسيا. وتخرج منها إلى الدائرة الأوسع الهادفة إلى ترسيخ فكرة العداء للسامية التي يحملها التعصب الروسي الجديد.

ويرى كثير من المحللين أن ظاهرة العنف ضد الأجانب لا تنبع من أفكار قومية حقيقية بقدر ما ترجع إلى تقاليع دولية ومحلية تؤثر في المجتمع الروسي، في فترة انتقالية لا يميز فيها المجتمع بين الغث والسمين. كما يشير البعض إلى أن توجيه الرئيس بوتين نفسه لانتباه المواطنين إلى هذه الجماعات وتهديده بالقضاء عليها يتسبب -دون قصد– في اكتساب أنصار جدد لهذه الحركات التي يجد فيها المراهقون مجالاً لتحقيق الذات وممارسة أنشطة تشعرهم بأنهم ذوو هوية في وقت يعاني فيه المجتمع الروسي لدى قطاعات الشباب من أزمة هوية.

والمشكلة العضال في مستقبل هذه الحركات هو أنها حركات بلا أمل. فمجتمع مثل المجتمع الروسي به أكثر من 100 قومية لا يتخيل أن تنجح فيه مثل هذه الأفكار، وإلا على روسيا أن تطلق العنان لكل شعب وقومية لينادي بسيادته على أرضه وإخراج "الآخر" منها؛ لتستقل كل الجمهوريات ذات الخصائص القومية في المركب الفيدرالي الروسي، وما أكثرها.

وهكذا فإن الحرب على التطرف- التي أعلنها الرئيس الروسي- لا تؤكد فقط سعي روسيا إلى الحفاظ على الأمن العام داخل البلاد، بل ترسي أسسًا للحرب على التطرف بكافة أشكاله. ويبدو أن الحرب على التطرف، والحرب على الإرهاب، صارت المصطلحات الأكثر قداسة في عالم ما بعد 11 سبتمبر.

اقرأ أيضًا:


**مدرس بكلية الآداب - جامعة القاهرة


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع