|
للمرة
الثانية تُهزم إريتريا في نزاع قانوني
بشأن حدودها مع دول الجوار. ففي المرة
الأولى خسرت أمام اليمن بعدما حكمت
محكمة العدل الدولية بأحقية اليمن في
جزر حنيش الصغرى والكبرى. وهذه المرة
صدر حكم المحكمة الدولية في لاهاي يوم
13-4-2002 بأحقية إثيوبيا في المنطقة
المتنازع عليها بين الجانبين، التي تضم
مناطق زالامبيسا، بادمي، أيروب،
اليتينا.
وبالرغم
من أن هذه المناطق كانت خاضعة للسيطرة
الإثيوبية قبل استقلال إريتريا عن
إثيوبيا في عام 1993، فإن إريتريا اعتبرت
أن الحدود الفاصلة بين البلدين لم يتم
ترسيمها بدقة، ومن ثم قامت عام 1998
بالاستيلاء على هذه المناطق على اعتبار
أنها تدخل ضمن حدودها. وفي المقابل رفضت
إثيوبيا ذلك، واستردتها في عام 2000، وفي
نهاية العام نفسه تم التوصل إلى اتفاق
سلام بين الدولتين، وقع في الجزائر التي
كانت ترأس منظمة الوحدة الإفريقية
آنذاك، وينص على أن تقوم كل دولة بسحب
قواتها إلى ما كانت عليه قبل اندلاع
النزاع الأول في السادس من مايو 1998، على
أن يكون حجم الانسحاب بعمق 25 كيلو مترا
في اتجاه الجانب الإريتري، ويتم نشر
قوات دولية في المنطقة الفاصلة تكون
مهمتها الأساسية وقف إطلاق النار، على
أن يعهد للجنة دولية محايدة مهمة الفصل
القانوني في النزاع.
وبالفعل،
أصدرت اللجنة الدولية حكمها بأحقية
إثيوبيا في المناطق المتنازع عليها. ومن
ثم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل
تقبل إريتريا حكم المحكمة الدولية
فعليا بعدما اعترفت به قانونيا على غرار
ما فعلت مع اليمن، أم أنها ستعرقل
تنفيذه نظرا إلى طبيعة العلاقة
الصراعية بينها ويبن إثيوبيا؟
صراع
متعدد الأبعاد
أول
ما يستوقف المرء بالنسبة لطبيعة الصراع
بين الجانبين هو أنه ليس صراعا حدوديا
فقط، وإنما البعد الحدودي هو أحد أوجه
الصراع، أو أحد مخرجاته. ولعل هذا ما
يكسبه خصوصية مقارنة بالنزاع مع اليمن
حول جزر حنيش، بالرغم من الأهمية
الإستراتيجية لهذه الجزر، مقارنة
بمناطق النزاع بين إثيوبيا وإريتريا،
حيث إن المناطق المتنازع عليها هي صحراء
جرداء لا توجد بها موارد طبيعية، أو
تجمع بشري يذكر. وبالرغم من ذلك، فإن
المشكلة الحدودية مع اليمن تم حلها، في
حين إن المشكلة في القرن الإفريقي لم
تنتهِ، مما يضع شكوكا في إمكانية تنفيذ
إريتريا الفعلي لقرار المحكمة.
فالصراع
الإثيوبي الإريتري يرتبط في جزء منه
بالأوضاع الاقتصادية، وفي جانب آخر
بالقيادة السياسية في كلتا الدولتين،
وفي جانب ثالث يرتبط بالعامل النفسي في
الصراع - وهذا هو الأهم - حيث لا يزال
يشكل هاجسا كبيرا في علاقة البلدين
ببعضهما البعض، والذي انعكس بدوره على
ممارساتهما بعد استقلال إريتريا الفعلي
عام 1991، والرسمي عام 1993 فإثيوبيا لم تنس
أن إريتريا كانت في يوم من الأيام خاضعة
لها، كما أنها كانت تشكل أهمية بالغة
لها نظرا لوجود مواني إريترية على ساحل
البحر الأحمر كمينائي مصوع وعصب، في حين
أن إثيوبيا أصبحت دولة حبيسة بعد
استقلال إريتريا؛ ومن ثم فإن استقلال
إريتريا جعلها – أي إثيوبيا – خاضعة
لها فيما يتعلق بمبادلاتها التجارية مع
العالم الخارجي.
ومن
هنا يمكن فهم أسباب معارضة القيادة
السياسية في إثيوبيا لاستقلال إريتريا،
بالرغم من معارضة ذلك لقرارات الأمم
المتحدة، فهذه القيادة كانت ترى أنه
ينبغي أن تظل إريتريا مرتبطة بها عبر
شكل من أشكال الكونفدرالية، ولم يخف
رئيس وزراء إثيوبيا ميليس زيناوي ذلك،
بل عبر عنه في مقابلة صحفية عام 1991- أشار
فيها إلى معارضته لاستقلال إريتريا،
وموافقة بلاده على إقامة علاقة
كونفدرالية معها، وأوضح أن السبب في ذلك
يرجع إلى رغبة بلاده في إيجاد منفذ لها
على البحر، وباستقلال إريتريا ستحرم
بلاده من هذا المنفذ، ولعل هذا يفسر
أسباب قيام إثيوبيا في الحرب بالوصول
إلى ميناء عصب، وعدم اقتصارها على
المناطق الحدودية. ولقد اتضحت هذه
الجزئية في الاتفاقات التي تم توقيعها
عقب الاستقلال؛ إذ ضغطت إثيوبيا على
إريتريا لاستغلال ميناء مصوع مقابل دفع
رسوم رمزية تبلغ 1.5% فقط، ثم طالبت
بإلغائها بعد ذلك.
وفي
المقابل نجد أن إريتريا - منذ الاستقلال
- حريصة على التخلص من عقدة النقص التي
لديها ومفادها أنها كانت محتلة من قبل
إثيوبيا طيلة ما يزيد عن أربعة عقود؛
ومن ثم فهي تسعى للتخلص من هذه التبعية،
وفي سبيل تحقيق ذلك اتخذت أسمره عدة
إجراءات في هذا الشأن مثل صك عملة جديدة
لها عقب الاستقلال هي "النقفة"
بعدما كان التعامل يتم من خلال "البر"
الإثيوبي، وهو ما دفع أديس أبابا إلى
الرد بقوة من خلال فرض التعامل التجاري
معها من خلال الدولار، وهو أمر صعب على
صغار التجار في إريتريا، كما تلا ذلك
اتخاذ إثيوبيا قرارا باستخدام ميناء
جيبوتي من ناحية ثانية، بالرغم من أن
التكلفة الاقتصادية ستكون أكبر، وفرضت
أديس أبابا عقوبات على التجار الذين
يستخدمون ميناء عصب.
ولعل
هذه الخطوات الاستفزازية، فضلا عن
العامل النفسي تفسر لنا أسباب قيام
إريتريا ببدء الهجوم على المناطق
الحدودية بالرغم من أنها صحراء جرداء.
العامل
الخارجي في الصراع
ولعل
مما ساهم في تأجيج الصراع هو الدور
الخارجي الذي بدا منحازا إلى الجانب
الإثيوبي، فالولايات المتحدة كانت
تراهن على إثيوبيا من أجل بقائها شوكة
في مواجهة القوى الإسلامية في السودان
من ناحية، وإمكانية تهديد الأمن القومي
المصري من ناحية ثانية.
وبالنسبة
لروسيا، فهي ترى في زيناوي الصديق
الأجدر بتوثيق الصلة معه، وأخذت مبيعات
السلاح الروسي لزيناوي في التزايد،
ولعبت دورًا هاما في نجاح إثيوبيا في
حسم المعركة لصالحها من خلال إمدادها
بالطائرات الروسية من طراز سوخوي-ميج-21،
ميج23
ولقد
ظهر هذا التحيز الروسي لإثيوبيا في
اجتماعات مجلس الأمن قبل التوصل لاتفاق
السلام، حيث كان المجلس يبحث فرض عقوبات
على البلدين لوقف القتال، فقد اعترضت
موسكو على مشروع قرار بريطاني يقضي بحظر
بيع أو توريد السلاح لكلا الجانبين، وفي
المقابل اقترحت توجيه دعوة لوقف إطلاق
النار، وعقد اجتماع بينهما في أقرب وقت
لبحث النزاع بإشراف منظمة الوحدة
الإفريقية.
والأمر
نفسه بالنسبة لإسرائيل التي تحولت من
دعم إريتريا في البداية لدعم إثيوبيا
مقابل استخدام ورقة المياه للضغط على
مصر والسودان.
خرق
اتفاق السلام
بالرغم
من توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في
ديسمبر2000، ونشر مراقبين دوليين إلى أن
تم الفصل في النزاع من خلال محكمة
التحكيم الدولية، يلاحظ حدوث انتهاكات
بين الجانبين، واشتباكات حدودية، فضلا
عن اتهامات بعدم انسحاب قوات الجانبين،
ولعل ذلك وضع قوات السلام الدولية في
موقف حرج، فبالرغم من كبر حجم هذه
القوات (قرابة أربعة آلاف رجل) فإنها لم
تفلح في ضبط الأوضاع على الحدود، وهذا
ما دفع مجلس الأمن إلى تجديد عمل هذه
القوات لأكثر من مرة (كان آخرها منتصف
مارس الماضي، حيث تم التمديد لها لمدة
ستة أشهر أخرى) كما كان المجلس يلجأ أيضا
إلى مخاطبة الجانبين بالتزام ضبط
النفس، ولعل ذلك ما سيشكل عقبة في
تسويات ما بعد قرار التحكيم.
عقبات
ما بعد الحكم
من
الواضح أن الطبيعة المعقدة للصراع
والسابق الإشارة إليها تدفعنا إلي
القول بأن عملية تنفيذ الحكم قد تواجه
بعدة صعوبات، خاصة من الجانب الإريتري
الذي يعد الحكم بمثابة هزيمة سياسية في
مواجهة الخصم الإثيوبي، كما ستساهم في
زيادة الحنق الداخلي ضد حكم الرئيس
أفورقي الذي يواجهه مشكلات داخلية
بالفعل، خاصة فيما يتعلق بعدم إدخال
الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة.
وفي
الحقيقة فإن هناك بعض المشكلات فيما
يتعلق بعملية تنفيذ الحكم، من أهمها وضع
العلامات على أرض الواقع، ومعروف أن
الحدود بين الجانبين تمتد لأكثر من ألف
كيلومتر، كما أن الأمر الأكثر خطورة
يتمثل في وجود ألغام أرضية هائلة تم
زرعها من كلا الجانبين حتى لا يتم
اختراق حدود الجانب الأخر، ولا شك أنه
يتعين أولا إزالة هذه الألغام حتى يتم
وضع العلامات في مكانها الصحيح، وهنا
يبرز دور القوات الدولية في هذا الشأن،
كما أن هناك مشكلة الأسرى الذين لا
يزالون محتجزين لدى كل منهما، فإثيوبيا
أفرجت عن 850 أسيرا من إجمالي 2600 حتى مارس
2001، وتوقفت عن إطلاق سراح الباقين حتى
تعرف من أسمرة مكان اختفاء أحد طياريها
أثناء الحرب، وفي المقابل توقفت
إريتريا هي الأخرى عن إطلاق سراح الأسرى
(قامت بإطلاق سراح 629 أسيرا من إجمالي
ألف خلال نفس الفترة) ويرتبط بهذه
المشكلة مشكلة أخرى تتعلق باللاجئين
على الحدود، وصعوبة عودة هؤلاء إلى
مواطن إقامتهم الأساسية بسبب الألغام.
ولا
شك أن هذه العقبات قد تعطي الفرصة
لأسمرة لوضع العراقيل أمام تنفيذ قرار
المحكمة الدولية على أرض الواقع، وإن
كانت هناك وجهة نظر أخرى ترى أن العوامل
الخارجية في غير صالح أسمرة، خاصة بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر واستغلال
إثيوبيا لها في التقارب مع الولايات
المتحدة بزعم مواجهة جماعة الاتحاد
الإسلامي الصومالي. ومن ثم فإنه وفقا
لهذه الوجهة فإن إريتريا ستعترف
بهزيمتها فعليا بعدما اعترفت بها
قانونيا، وعندئذ لن يجد الرئيس أفورقي
سوى الاهتمام بترتيب الأوضاع داخليا،
وإقامة علاقات حسن جوار خارجيا خاصة مع
إثيوبيا؛ لذا فإنه من المتوقع أن تشهد
منطقة القرن الإفريقي هدوءا على الجبهة
الإريترية الإثيوبية، لكن يخشى من أن
يساهم قرار المحكمة الأخير في إعطاء
أديس أبابا الفرصة للعب دور الدولة
الأقوى في المنطقة.
اقرأ
أيضًا:
*
باحث في الشؤون الإفريقية.
|