 |
|
تشيني |
تكتسب
جولة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني
إلى السعودية، والكويت، ومصر،
والإمارات العربية المتحدة، والبحرين،
وقطر، وسلطنة عمان، والأردن، وتركيا،
إضافة إلى إسرائيل -أهمية كبيرة بحكم
الظروف التي تتم فيها، وبحكم النتائج
التي يمكن أن تترتب عليها، خاصة أن هذه
الجولة تذكرنا بالحرب الأمريكية على
العراق عام 1991م؛ والتي كان تشيني أحد
رموزها البارزين بحكم موقعه كوزير
للدفاع في ذلك الحين.
فاليوم
يلعب تشيني نفس الدور الذي لعبه سالفًا
في أغسطس 1990م، حيث كان يهيئ أجواء
المنطقة وقواعدها العسكرية لاستقبال
الجنود الأمريكان ومستلزماتهم
العسكرية من صواريخ وطائرات ودبابات
وأساطيل. ومنذ ذلك الوقت، وتشيني معروف
بكونه صقرًا من صقور الإدارة الأمريكية
الذين يدعون إلى الهيمنة بقوة السلاح.
وتأتي
زيارة نائب الرئيس الأمريكي تشيني في
توقيت سعت فيه واشنطن لحشد سبل النجاح
لإقناع الدول العربية الكبرى بمزايا
عزل الرئيس العراقي صدام حسين، وتخفيف
المعارضة عبر تقديم وعود بمعونات
اقتصادية للمتضررين (مصر، والأردن،
وتركيا على رأس المتضررين اقتصاديًّا)،
فضلاً عن سعي واشنطن -لأول مرة في
التاريخ- لتقديم مشروع قرار لمجلس الأمن
يعترف بدولة فلسطينية بجوار
الإسرائيلية كنوع من الرشوة الواضحة
للعالم العربي؛ لتهدئة المشاعر العربية
وتهيئة المجال أيضًا لنجاح مهمة زيني
الأخرى في فلسطين عبر وقف إطلاق النار؛
ليصبح المسرح مهيأ للضربات الأمريكية!.
ترهيب
العرب والمسلمين
فلم
يَعُدْ سِرًّا أن الهدف الوحيد لجولة
تشيني هو تهيئة الأجواء لضرب العراق،
خصوصًا أن كل شيء يدور على الأرض
الأمريكية يوحي بذلك.
فالمرحلة
الثانية مما يسمونه "حرب الإرهاب"
قد بدأت وفقًا لتصريحات كل أركان
القيادة الأمريكية، والتركيز على الدول
الأخرى المعارضة لواشنطن، والدول التي
تحمل تهديدًا مستقبليًّا بأسلحة الدمار
الشامل لأمريكا وعلى رأسها العراق
وإيران، كما أن تصريحات المسؤولين
العسكريين عن جاهزية القوات لضرب
العراق، وانتظارها لقرار البيت الأبيض
أمر يكشف المستور.
والكارثة
أنه قد تم تسريب مضمون تقرير سرِّي حول
طلب البيت الأبيض من العسكريين
الأمريكيين وضع خطط عاجلة للجوء محتمل
إلى استخدام أسلحة نووية ضد الصين،
وروسيا، والعراق، وكوريا الشمالية،
وإيران، وليبيا، وسوريا. ومع أنهم عادوا
للحديث بأن ما تسرب غير دقيق، فالواضح
أن الهدف هو ترهيب العرب والمسلمين حتى
لا يعارضوا مهمة تشيني، ولينضموا
بالتالي إلى التحالف الجديد لضرب
العراق.. لماذا؟!
لأن
الإدارة الأمريكية لن تستخدم قنابلها
النووية في ضرب الصين أو روسيا، ولا حتى
كوريا الشمالية؛ لأنها سترد عليها،
ولكن العرب لن يردوا وسترتعد فرائصهم
رعبًا فيوافقون.
توفير
الأموال والعتاد
والغريب
أنه في الوقت الذي ينفون فيه أن هدف مهمة
تشيني هو التحضير لضرب العراق يعطي بوش
مهلة لجنرالاته -حتى منتصف الشهر المقبل
(أبريل 2002م)- لتجهيز الخطط اللازمة
لتنفيذ هذه الضربة ضد العراق، الأمر
الذي لا يدع مجالاً للشك في أن مهمة
تشيني تتلخص في السعي لتوفير القوات
المتحالفة للتحرك، وتوفير نفقات الحملة.
وحتى
محاولات بعض الدول العربية -مثل مصر-
بإقناع العراق بتفويت الفرصة على
أمريكا وقبول التفتيش الدولي لن تجدي؛
لأن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع
الأمريكي أكَّد أن عودة هؤلاء لن تمنع
الهجوم؛ وأوضح جليًّا أن الهدف بكل
بساطة هو تغيير النظام في بغداد!!.
ويبدو
أن تشيني سيسعى خلال جولته لتوفير
العناصر الضرورية للحملة ضد العراق وفق
احتياجات بلاده من كل دولة، فهناك دول
يسعى فقط لتحييدها وإقناعها بفكر ضرب
العراق، وأخرى يرتب معها العتاد
والجنود، وثالثة يسعى لإقناعها
بالمشاركة في النفقات المالية، ورابعة
سيكون عليها المساهمة في توفير مواقع
برية قريبة من العراق وقواعد، وقوات
عراقية حليفة لأمريكا ومعارضة للنظام
تنطلق من الحدود؛ لتعمل داخل العراق إلى
جانب القوات الأمريكية الخاصة والقوات
البرية الأمريكية.
منع
عمليات متشابهة
كما
سيؤكد تشيني خلال جولته هذه، أن إدارة
بوش تريد بكل الوسائل منع تنفيذ عملية
مشابهة نوعًا وحجمًا لعملية 11 سبتمبر ضد
أمريكا أو ضد مصالحها الحيوية؛ لذلك
فإنها مصممة كل التصميم هذه المرة على
تغيير نظام صدام حسين؛ لأن أسلحة الدمار
الشامل التي يملكها أكثر خطورة من
العمليات الإرهابية التقليدية. فإدارة
بوش الحالية ترى أن "احتواء"
العراق لم يَعُد كافيًا لحماية المنطقة
والمصالح الحيوية الأمريكية من أخطار
صدام حسين. ومن ثَم، ترفض الاستمرار في
"إدارة" الأزمة العراقية، بل تريد
إيجاد حل جذري لها؛ لذلك اتخذت قرار
تغيير النظام العراقي، بغض النظر عن
مواقف الدول الأخرى المعنية بالأمر.
ولا
يخفي هنا أن جنرالات الإدارة الحالية
كانوا هم جنرالات بوش الأب في حملته
الأولى الفاشلة لإسقاط الرئيس العراقي،
ولهم ما يشبه الثأر مع الرئيس العراقي،
كما أن بوش الابن يسعى لتقديم هدية لبوش
الأب هي رأس صدام حسين.
التأكيد
على الانقلاب والشرعية
وسيركِّز
تشيني على أن تغيير النظام العراقي سيتم
في النهاية على أيدي العراقيين أنفسهم،
ومن خلال انقلاب عسكري ينفذه في الوقت
المناسب ضباط كبار من داخل المؤسسة
العسكرية - الأمنية ضد النظام؛ وذلك بعد
أن تبدأ إدارة بوش تنفيذ عمليتها
العسكرية الجوية – البرية الواسعة ضد
العراق. وسيكون الدور الأمريكي في هذا
المجال دورًا مساعدًا وفعالاً لإحداث
التغيير؛ إذ إن العراقيين أنفسهم
عاجزون على إسقاط النظام دون تدخل
أمريكي عسكري كبير ومؤثر. لكن
التغيير في النهاية سيتم على أيدي
العراقيين أنفسهم.
كما
سيشدد تشيني -خلال جولته هذه- على أن
إدارة بوش ليست في حاجة إلى إصدار قرار
جديد من مجلس الأمن لضرب العراق؛ لأن
قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ملزمة
لكونها صادرة، استنادًا إلى الفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي
يعطي شرعية لاستخدام القوة العسكرية
لتنفيذ هذه القرارات.
وبالطبع
يسعى للكذب بإقناعهم أن الحملة لن تطال
المدنيين العراقيين رغم أنها -لو تمت
هذه المرة- فسيسقط فيها ضحايا مدنيون
ربما أكثر من الحرب الأولى؛ بسبب توغل
القوات المنتظر في الأراضي العراقية،
وربما ردَّ شارون بصواريخ أو ضربات جوية
غاشمة، خصوصًا إذا سعى العراق أو توافرت
له الإمكانيات لضرب تل أبيب بالصواريخ
على غرار الحرب الأولى.
"زيني"
ينقذ "تشيني"
وقد
لا يكون من قبيل الصدفة أن تتزامن جولة
تشيني مع مهمة المبعوث الأمريكي إلى
الشرق الأوسط الجنرال أنتوني زيني.
ويبدو أن التحرك الأمريكي -الذي يقوده
زيني لاحتواء الوضع المتفجر بين
إسرائيل والفلسطينيين- متعلق تعلقًا
مباشرًا بالتوجه الأمريكي الذي يتبناه
تشيني لضرب العراق، فالحرب الإسرائيلية
- الفلسطينية المتصاعدة فرضت تعديلات
طفيفة في أسلوب التعامل الأمريكي مع
الشرق الأوسط، بهدف تهيئة الأجواء
لحملة واحدة، سواء باستصدار قرار مجلس
الأمن القاضي بدولة فلسطينية، أو
بالسعي لوقف القتال.
ويمكن
القول بكل دقة: إن قرار واشنطن إرسال
أنتوني زيني إلى المنطقة لم يأتِ بناء
على عودة الإدارة الأمريكية إلى دور
الوسيط النزيه في العملية السلمية
الإسرائيلية الفلسطينية، بقدر ما هو
محاولة إنقاذ لمهمة تشيني في المنطقة،
ومنعها من الغرق في دوامة الأزمة
الفلسطينية الحالية.
كذلك
فإن شارون لم يوقف برنامجه الأمني، بعد
تصعيد كبير قصد به كسر الحظر الفلسطيني
إلا توافقًا مع الموجة الأمريكية،
واستسلامًا للعاصفة الانتفاضة
الفلسطينية التي تحولت إلى إعصار ضرب
أركان الكيان؛ وحتى يظهر بدوره أنه مع
وقف القتال والسلام.
ولأن
إدارة بوش تدرك أن أزمة الشرق الأوسط هي
العقبة الأبرز التي قد تعرقل حشد
التأييد العربي أو ضمان عدم المعارضة
العربية لتوجيه ضربة عسكرية للعراق؛
لذا فإن إعادة زيني إلى الشرق الأوسط في
هذه المرحلة بالتحديد كان هدفها ضمان
التأييد ورفع الحرج عن الحكام العرب
أمام شعوبهم إذا ما بدأ ضرب العراق،
خاصة أنها لعبة أمريكية مجربة من قبل في
حرب 1991م ضد العراق، حيث تحركوا في قضية
فلسطين أولاً، وعندما تحقق لهم ما أردوا
في العراق تنصلوا مما وعدوا به!!.
تخفيف
حدة المعارضة الأوروبية
ولا
شك أن الخلاف بين أوروبا وأمريكا فيما
يتعلق بقضايا الصراع العربي -
الإسرائيلي، أو العلاقات الاقتصادية،
فضلاً عن رفض الشارع الأوروبي لضرب
العراق، يقف حائلاً بين إكمال أوروبا
لمسيرتها في الحملة على الإرهاب،
وبالتالي عدم دخولها في الحرب على
العراق التي يعارضها الاتحاد الأوروبي
وروسيا أساسًا.
ولهذا
سعت واشنطن مع أوروبا للدخول في مبادرات
مشتركة لحل أزمة الشرق الأوسط، ستخفف
حدة المعارضة الأوروبية للضربة على
العراق، خصوصًا أن الولايات المتحدة
التي تملك مفاتيح الحل والربط في
المنطقة ستعيد لأوروبا كرامتها، بعدما
أعلنت عجزها عن التحرك منفردة في الشرق
الأوسط.
ومن
المعروف، أنه لم يحدث من قبل أن نشب خلاف
علني واضح بين أمريكا وحلفائها
الأوروبيين، كما حدث في تلك الأزمة
الأخيرة،
التي وصلت إلى حد وصف وزير خارجية فرنسا
سياسة الرئيس بوش بالسذاجة والسطحية،
واختزالها لكل مشكلات العالم في الحرب
ضد الإرهاب ومحور الشر.
وتشيني
يحاول إجهاض كل محاولة أوروبية لاتخاذ
موقف خاص بها، وهو ما ظهر في رفض
المبادرات الأوروبية المتعلقة بالقضية
الفلسطينية، والتشكيك في اتفاق فيدرين
وإيفانوف وزيري خارجية فرنسا وروسيا
على رفضهما ومعارضتهما للتوجه الأمريكي
بالقيام بأعمال عسكرية ضد ما يسمَّى
محور الشر، والتعامل مع دوله على أساس
قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ولكن
اللافت حتى هذه اللحظة، أن المواقف
العربية لم تتضح معالمها بعد، واقتصرت
على بيانات ترفض الهجوم على العراق، فالعرب
حتى الآن لم يتحدثوا عن صيغة ملائمة
قابلة للتطبيق على الأرض، لاستعادة
المبادرة من الإسرائيليين لمصلحة
الفلسطينيين؛ وبالتالي لإحياء عملية
التسوية على أساس الأرض مقابل السلام،
وهو ما يعني في النتيجة أن خطة التعامل
العربي مع الأطروحات الأمريكية غير
موجودة، وأن تشيني سيستغل ذلك أحسن
استغلال، خصوصًا أن هناك حكومات عربية
تؤيد إقصاء صدام بالفعل، ولكنها لا تعلن
ذلك في العلن كما تقول المصادر
الأمريكية.
وماذا
بعد؟
لو
نجحت مهمة زيني فسوف تنجح مهمة تشيني،
ولو رفض العراق عودة المفتشين أو قبل،
فسوف يتعرض للضرب بحجج شتى؛ لأن عمل
المفتشين ينتقل غالبًا -كما حدث في
السنوات الماضية- من مرحلة إذلال إلى
مرحلة أكثر إذلالاً، وعندما يرفض
العراق فسيقال إنه يعرقل خطط التفتيش
حتى لو كانت تتم على ملابس الرئيس
العراقي نفسها، وحينها سيجد الأمريكيون
الفرصة للضرب بدعاوى عديدة.
أما
ما لا يضعه المحلِّلون في الحسبان فهو
أن واشنطن خرجت من 11 سبتمبر كالثور
الهائج وفي جعبتها خطط انتقامية لن
تتوقف، والفارق الوحيد هو أنها ضربت
أفغانستان دون انتظار أحد، وهدَّد بوش
ساعتها بأن من لا يقف مع بلاده فهو ضدها
يساند الإرهاب (!).. ولكن في هذه المرحلة
يسعون أكثر لحشد نوع من التأييد، خصوصًا
أن الغضب لن يكون عربيًّا فقط لو ضرب
العراق، ولكنه تحول ليصير عالميًّا
بعدما انتقدت أوروبا، وروسيا، والصين
الخطط الأمريكية.
اقرأ
أيضًا:
|